بلغت تراجم " الكاشف " ٧١٧٩ ترجحمة، لكن الذهبي ﵀ لم يكن يحرص على إعطاء حكم على كل ترجمة من حيث الجرح والتعديل.
فقسم كبير من التراجم ليس معها حكم من هذه الناحية، وقسم كبير آخر معه حكم.
ويمكن تصنف هذا القسم الثاني إلى أقسام: ١ " - منهم من حكم عليه الذهبي من تلقاء نفسه.
٢ " - ومنهم من اختار قولا فيه من كلام السابقين، وقد يسميه، أو لا يسميه فيشتبه بالقسم الاول.
٣ " - ومنهم من أشار إلى الاختلاف فيه، فذكر فيه جرحا وتعديلا.
والامثلة عى هذه الاقسام ليست بذات بال، فلا أحل بها، إنما الشان في الحديث عن أمور أخرى، ذات بال وأهمية.
أولها: ضرورة التنبيه والتنبه إلى رجوع الباحث إلى كتب الذهبي الاخرى غير هذا، ولا سيما كتابيه الآخرين: " ميزان الاعتدال " و" سير أعلام النبلاء ".
ذلك أن الذهبي فيهما بارز الشخضية النقادة، لماح يقظ، ما تمر به كلمة تحتاج إلى تهذيب وتشذيب، أو تصحيح وتصويب، إلا ونبه إليها، وايقظ فهم القارئ إلى ما تحمله من معنى يستدرك ويقوم على الجادة، إلا ما تاباه العصمة على غير صاحبها!.
فهو في " الميزان ": ذو شخصية متميزة، نقاد، مستحضر لحال الرجل باستيفاء وعموم - غالبا - ينقل كلام
علماء الجرح والتعديل، فيفسر، ويجمع، وينقد، ويعلق.
وشأنه في " السير ": اليقظة والايقاظ، وإبداء الرأي الصائب السديد حول كثير من النقول، بل كانه ما ياتيك بالنقل إلا ليبدي ملاحظته وينبهك إلى ما فيه.
فرحمه الله تعالى وجزاه خير الجزاء.
أما في " الكاشف " فلا تجد من هذا إلا الشئ بعد الشئ، وفيه إفادات عن طريق الاشارات والمرموز بصمت وسكون.
من ذلك الذي يجب التنبه لمراجعة كتبه الاخرى: أن كثيرا ممن يقول فيهم هنا: وثق، تجده في " الميزان " - مثلا - وغيره يقول: لا يعرف، أو نحو ذلك.
[ ٧٣ ]
بل قد يجزم هنا بتوثيقه، ويقول في كتاب آخر: مجهول، ونحوه.
فقد قال هنا في أصبغ مولى عمرو بن حريث: " ثقة "، وقال عنه في " المجرد "
٤٥٨): " مجهول ".
وقال هنا عن زياد بن أبي مريم: " ثقة "، وفي " المجرد "
٥٠٧): " جهل "، وفي " الميزان " ٢
٢٩٦١): " فيه جهالة، وقد وثق، ما روى عنه سوى عبد الكريم بن مالك فيما أرى، وقيل: هو زياد بن الجراح، وقيل: هما اثنان ".
وقد نقل هذا الكلام البرهان السبط ﵀، ولم أذكر من وثقه في التعليق إلا ابن حبان، وأزيد هنا ليستدرك هناك: أن العجلي وثقه ١
٥١٤)، ونقل توثيقه الحافظ في " التقريب "
٢٠٩٩- مقتصرا عليه مع أنه ذكر في " تهذيبه " أيضا توثيق الدارقطني له، فالرجل ثقة، وإن لم يذكروا راويا عنه سوى عبد الكريم بن مالك الجزري، فقد تقدم ص ٣٣، ٥١ إن من روى عنه واحد ووثق: فهو ثقة.
ووثق في " الكاشف " عبد الله بن عصمة الجشمي، وقال في " الميزان " ٢
٤٤٤٩)، " لا يعرف "، وقال في " الكاشف " عن عبد الله بن عمر بن غانم: " مستقيم الحديث " - وهي كلمة أبي داود فيه - أما في " الميزان " ٢
٤٤٧٠- فقال: " مجهول ".
وانظر كلامه على مدلاچ بن عمرو السلمي، المتقدم ص ٦٠.
والامثلة كثيرة، أتى سبط ابن العجمي ﵀ على جانب كبير منها في " حاشيته ".
وانظر الامر
الخامص الآتي قريبا ص ٧٦.
ثانيها: وهو السبب الرئيسي - فيما أرى - في اختلاف أحكامه هنا عن أحكامه في كتبه الاخرى، وهو أنه يحكم على الرجل من خلال ما قدمه المزي إليه - وإلى غيره - في " تهذيب الكمال " من جرح وتعديل، دون التفات إلى ما هناك من أقوال أخرى، ودون غربلة لها ونقد.
وتجد في هذه الحواشي الشئ الكثير من ذلك مشروحا ومشارا إلى بالنقل عن " تقريب التهذيب " خلاصة تخالف حكم المصنف.
من ذلك: قول المصنف في الصلت بن محمد الخاركي: " صالح الحديث "، ولم ينقل المزي في ترجمته ١٣: ٢٢٩ إلا أن أبا حاتم قال فيه ٤
١٩٣٣): " صالح الحديث "، وأن ابن حبان ذكره في " ثقاته " ٨: ٣٢٤ فاعتمد قول أبي حاتم واختاره.
وزاد عليه ابن حجر توثيق البزار والدارقطني إياه، وأن الدارقطني صحح له حديثا انفرد به، ومع ذلك قال عنه في " التقريب "
٢٩٤٩): " صدوق! فعلقت بعده: بل ثقة، اعتمادا على التوثيق المذكور، وأنه لا يلزم من قول أبي حاتم أن ننزل بالرجل عن التوثيق درجة.
وانظر أيضا التعليق على ترجمة محمد بن مسلم ابن مهران.
وقال في " الكاشف "
٢٦٤٧): " عبد الله بن بشر، قاضي الرقة..ثقة ".
وهذا مقتضى ترجمته في " تهذيب الكمال " ١٤: ٣٣٦، ففيه عن ابن معين: " ثقة من خيار المسلمين، وقال أبو زرعة: لا باس به،
[ ٧٤ ]
وقال النسائي: ليس به باس، وقال أبو أحمد بن عدي: أحاديثه عندي مستقيمة، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ".
لكن من نظر ترجمته عند المصنف في " الميزان " ٢
٤٢٢٦)، وزيادات ابن حجر في " تهذيبه " رأى أن فيه اختلافا كثيرا، حتى إن ابن معين وابن حبان اللذين وثقاه: قد ضعفاه أيضا، بل لفظ ابن معين - عن الساجي - فيه تكذيب عريض! وتكلم في روايته عن الزهري والاعمش خاصة.
وهذا الامر - كما قلت - سبب رئيسي في اختلاف أحكام الذهبي هنا مع أحكامه في كتبه الاخرى، وكذلك مع أحكام غيه، ولا سيما ابن حجر في " التقريب ".
ثالثها
وهو متصل بما قبله -: متابعة المصنف للمزي، حتى في بعض أوهامه.
مثال ذلك: قوله في ترجمة داود بن عبد الله الاودي: " فه لين، ووثقه أحمد ولم يترك ".
ذلك أن المزي نقل في " تهذيبه " ٨: ٤١٢ عن الدوري عن ابن معين أنه قال: " ليس بشئ "، فشار إلى هذا بالتليين، وتقدم ص ٣٤ - ٣٥ أن مثل هذا لا يليق وصفه بالتلين، إنما هو جرح شديد.
ومع هذا فان المصنف قال في " الميزان " ٢
٢٦٢١): " روى الكوسج - هو إسحاق بن منصور - عن يحيى: ثقة، وروى عباس عن يحيى: ليس بشئ.
فيحرر هذا، لان هذا في: ابن يزيد " المترجم في ووافق ابن حجر الذهبي على هذا الاستدراك، وهو كذلك في رواية الدوري ٢: ١٥٤ - ١٥٥
١٣٢١، ٢٩٧١) .
فتراه في " الميزان " تنبه للوهم ونبه إليه، في حين أنه تابع المزي في " الكاشف "! وتابعه كذلك في " المغني " ١
٢٠٠٤)، فقال: " وثقه أحمد، ولابن معين فيه قولان ".
وكنى المزي في " تهذيبه " ٣ / ١٤٣٠ هارون بن عنترة: أبا عبد الرحمن، فتبعه المصنف في مختصره " التهذيب " ٤: ١٠٩ / ب، أما أبو أحمد الحاكم فكناه: أبا عمرو، فتبعه المصنف في مختصره " المقتني "
٤٦٤٥-! فهذا أغرب.
ويجد القارئ في حواشي ترجمة سنيد بن داود مثالا آخر، لكني لم أذكره هنا لاحتمال اختلاف نسخ " الجرح والتعديل ".
رايعها: أن يكون الوهم منه، لا من جراء متابعته للمزي.
مثال ذلك: أنه قال في هشام بن يحيى بن العاس المخزومي: " مختلف فيه "، مع أن لفظ المزي: " روى عنه عمرو بن دينار، ومحمد بن راشد، وفيه نظر، ذكره ابن حبان في " الثقات ".
وهو بهذا اللفظ في راشد عنه، لا على الرجل نفسه.
وانظر التعليق على ترجمته
٥٩٧٦) .
وقال عن سليمان بن جنادة الازدي: " وهاه البخاري "، مع أن البخاري في " التاريخ الكبير " ٤
١٧٧٠- ساق له حديثا، وقال عقبه: " هو منكر "، فهو صريح في عوده على الحديث لا على الرجل، وصرح
[ ٧٥ ]
ابن عدي بذلك في " الكامل " ٣: ١١٣٣، مع ما تراه من جعله القول في الرجل هنا وفي " الميزان "
٢
٣٤٣٨)، ولفظه: " منكر الحديث ".
وانظر التعليق هناك.
وقال في ترجمة زيد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: " ولي القضاء لعمر بن عبد العزيز "، ونبهت في التعليق إلى أن الذي تولى القضاء لعمر هو زيد بن عبد الكبير بن عبد الحميد، كما قاله ابن أبي حاتم.
ومما يلحق بهذا الامر الرابع: تسامحه في نقل ألفاظ الجرح والتعديل بكلمات غير محددة تماما.
مثال ذلك من ألفاظ الجرح ما تقدم قبل قليل، حين عبر عن قول ابن معين " ليس بشئ " بقوله: فيه لين!.
ومثال ذلك من ألفاظ التعديل: قوله في ترجمة إبراهيم بن طهمان: " وثقه أحمد وأبو حاتم "، مع أن لفظ أبي حاتم: " صدوق حسن الحديث ".
وهذا يقع كثرا في كتب الرجال وغيرها، يقولون: ضعفه فلان وفلان، ويكون في بعض ألفاظ التضعيف: التليين أو الجرح الشديد، ويقولون: وثقه فلان وفلان، ويكون فيها ما دون ذلك.
فلا بد من التبين بمراجعة الاصول.
وانظر صفحة ٣٣.
خامسها: هل كان الذهبي ﵀ من المتشددين في أحكامه هنا أولا؟.
والواب: أن الذي خبرته من أمر هذا الامام براءته من نزعة التشدد أو التساهل، وما عرفت عنه إلا الاعتدال في أحكامه على الرواة، وما يراه الباحث في كتبه من توثيق لفلان، والصواب خلافه، أو من تضعيف والصواب غيره: فانما مرده إلى الواقع الذي انتهجه في كل كتاب، وليس مرده إلى إنه متشدد أو متساهل.
وإوضح من هذا: أن التوثيق الذي نجده في " الكاشف " مثلا، ونجد خلافه في كلامه أو كلام غيره: ليس سبب هذا التوثيق كونه متساهلا.
والجرح الذي نجده في " الميزا "، وقد نرى خلافه في كلام غيره، ليس مرده إلى أن الذهبي في " الميزان " من المتعنتين، إنما سبب هذا وذاك - في الغالب - الطريقة التي سلكها وهو يصنف كل واحد منهما، وما سوى الغالب فمما لا يخو عنه الطبع البشري الضعيف، وكفاه نبلا أن تعد أوهامه.
رحمه الله تعالى.
وأضرب مثلا من اختلافأحكامه غير الامثلة المتقدمة: قال في " الكاشف ": " صدقة بن أبي عمران، عن قيس بن مسلم ، لين ".
مع أنه قال في " الميزان " ٢
٣٨٧٣): " [صح] صدقة بن أبي عمران، م ق، الكوفي قاضي الاهواز..، صدوق، وقال أبو حاتم - ٤
١٨٩٧- -:
صدوق- شيخ صالح، ليس بذاك المشهور، وقال أبو داود عن ابن معين: ليس بشئ "، ثم أسند حديثه الذي في " صحيح مسلم "، وقال: " هذا من غراب مسلم ".
فتراه رمز أول الترجمة بكلمة [صح] وهي علامة منه " على أن العمل على توثيق الرجل "، كما نقل هذا
[ ٧٦ ]
عنه ابن حجر في مقدمة " لسان الميزان " ١: ٩، ونبهت إليه في التعليق مرارا.
ثم صدر الترجمة بقوله: " صدوق "، وهذا خلاصة رأيه في الرجل، وكثيرا ما يفعله في " الميزان ".
ثم نقل كلمة أبي حاتم وسقط منها كلمة " صدوق " فاضفتها من " الجرح " ووضعتها بين هلالين كبيرين لذلك.
وتراه لم ياخذ بكلمة ابن معين.
في حين أنه أخذ بها ضمنا في " الكاشف " فقال: " لين "، توليدا منه لحكم مستخلص من كلمة " صدوق " وكلمة: " ليس بشئ ".
وليس معنى هذا الاختلاف أنه كان في " الكاشف " من المتشددين، وصار في " الميزان " من المتساهلين، ولو كان كذلك لاعتراض علينا بما جاء في " الميزان " ٤
٩٥٩٦)، ترجمة يحيى بن أبي عمر السيباني: " صدوق ما علمت عليه مغمزا، قال أحمد: ثقة ثقة ".
ومن يكرر فيه أحمد كلمة التوثيق فهو في أعلى مراتب التعديل، فلم نزل به إلى " صدوق "؟ !.
ولو كان في " الكاشف " متشددا لما قال عن كل من الزبير بن الليد، وزيد بن أبي الشعثاء: " ثقة "، ولم يرو عن كل منهما إلا واحد، وليس فيهما إلا أن ابن حبان ذكرهما في " ثقاته "، فاين التشدد؟ !.
في أمثلة أخرى كثيرة تدل على أنه لا يوصف بتشدد ولا بتساهل، وأما هذا الاختلاف فمنشؤه مسيرة الرجل في كل كتاب، ومنهجه الذي انتهجه فيه.
والله سبحانه أعلم.
وأرى لزاما قبل أن أنتقل عن الحديث عن أحكام الذهبي في " الكاشف " أن أنبه إلى تسديد عبارة شائعة.
تلكم هي قول بعض الباحثين: فان - من الرواة -: وثقه - أو ضعفه - أحمد وابن معين، والبخاري، و، والذهبي، وابن حجر، ود يحدثون ذلك وينسبونه إلى " الكاشف " و" التقريب ".
وفي هذا القول خطا أو تجوز كبير، فالذهبي وابن حجر وأمثالهما من العلماء المتأخرين لا ينسب إليهم توثيق ولا تضعيف، على معنى أنه هو منشئ ذلك وقائله، ذلك أن الذهبي - مثلا، وأقصر الحديث عليه للمناسبة التي أنا فيها - لم يعاصر الرواة ولم يخبرهم ليوثقهم أو يجرحهم، إنما يجمع أقوال المتقدمين وتخير منها باجتهاده، ويكتب ما يختاره في كتبه.
ولو أن القائل اقتصر على قوله: فلان وثقه الذهبي، لكان التجوز مقبولا نوعا ما، أمآ هذا العطف والتركيب: وثقه القطان وابن مهدي و..، والذهبي: فهذا تجوز كبير، في سواغيته نظر.
والله أعلم.
[ ٧٧ ]