١ - لمَّا كانت الكتبُ السِّتَّة هي دواوين السنة، وأجلَّ مصنفات الحديث الشريف؛ كان الناس بحاجة إلى مصنَّفٍ يعتني بالترجمة لرجالها؛ ليعينهم على دراسة أسانيدها لتمييز صحيحها من سقيمها، وغثِّها من سمينها.
وقد بيَّن الحافظ المقدسي في خاتمة مقدمته أهمية علم الرجال والاعتناء بالتصنيف فيه، فقال:
"ومعرفةُ الرجال من أولى العُلوم بِصَرْف العِنَايَةِ إليه، والمحافظة عليه؛ لأن بهم حفظ الله -﷿- دينه، وحَرَسَ بأهل الحديث شريعتَهُ وسُنَّة نبيه المصطفى محمد عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام".
• فتصدى الحافظ المقدسي لهذه المهمة الشاقة، وسبر غور هذه الكتب؛ ليُفرد أسماء رجالها، ومن ثَمَّ الرجوع لكتب الرجال والتواريخ لجمع مادة تراجمهم.
يقول الحافظ المقدسي في مقدمة كتابه:
"وبَعْدُ: فهذا كتابٌ نَذْكُرُ فيه -إن شاء الله- ما اشْتَمَلَت عليه كتبُ الأئمة السِّتَّة من الرجال، فَأَوَّلُهُم: الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم بن المُغيرة الجُعْفِي، مَوْلاهُم، البخاري، ثم أبو الحسين
[ ١ / ٣١ ]
مسلم بن الحَجَّاج بن مسلم القُشَيْرِي النَّيْسَابُوري، وأبو داود سليمان بن الأَشْعث السِّجْسْتَاني، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بَحْر النَّسائي، وأبو عيسى محمد بن عيسي بن سَوْرة بن موسى بن الضَّحَّاك الترمذي السُّلَمي الضَّرير، وأبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القَزْوِيني".
• وفي عبارة المقدسي ما يبين أنه اعتمد على كتاب "سنن ابن ماجه" كمُتمم للكتب الستة، وقد سار بعض أهل العلم قبل ذلك على جعل "موطأ الإمام مالك" هو الكتاب السادس من الكتب الستة، كرزين السرقسطي، وتبعه عليه ابن الأثير في "جامع الأصول"، إلى أن جاء الإمام أبو الفضل ابن طاهر المقدسي، فكان أول من أضاف كتاب ابن ماجه إلى الكتب الستة بدلًا من "الموطأ"، والسبب في ذلك كون زيادات "الموطأ" على الكتب الخمسة من الأحاديث المرفوعة يسيرة جدًّا بخلاف ابن ماجه، فإن زياداته أضعاف زيادات "الموطأ"، فأرادوا بضمّ كتاب ابن ماجه إلى الخمسة تكثير الأحاديث المرفوعة، وتبعه على ذلك الحافظ المقدسي في كتابه "الكمال"، ثم استقر أهل العلم على ذلك (^١).
٢ - شَرَط الحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه هذا استيعاب واستقصاء رجال هذه الكتب قدر الطاقة.
وقد نصَّ على ذلك في مقدمته فقال: "واستَوْعَبْنَا ما في هذه الكُتُب
_________________
(١) انظر: "النكت على ابن الصلاح" (١/ ٤٨٧).
[ ١ / ٣٢ ]
مِن الرِّجَال غَايَة الإمْكَان".
إلا أنه نبَّه على أن استقصاء ذلك متعذِّر بسبب اختلاف نُسخ هذه الكتب؛ فقد يوجد في بعض النسخ من الأحاديث ما لا يوجد في الكتب الأخرى، وقد يختلف سياق الإسناد من كتاب لآخر، بالإضافة إلى كثرة رجال هذه الكتب؛ فقد يشذ على الباحث بعض ذلك، يقول المقدسي: "غير أنه لا يُمْكِن دعوى الإحاطة بجميع من فيها؛ لاختلاف النُّسَخ، وقد يَشُذُّ عن الإنسان بعد إمعانِ النَّظَرِ وكَثْرَةِ التَّتَبُّع ما لا يَدْخُلُ في وُسْعِهِ، والكمال لله -﷿-، ولكتابه العزيز".
٣ - وقد بيّن الحافظ المقدسي في مقدمته سبب اختياره لهذه الكتب دون
غيرها في خدمة أسانيدها، فقال:
"ولا يَشُذُّ عن هذه الكُتُب من الصَّحِيح إلا اليسير، وكذلك من ثِقَاتِ المُتقدمين".
٤ - بعد أن قام الحافظ المقدسي بجمع أسماء الرجال الواردة في هذه الكتب، قام بالرجوع لكتب التواريخ والرجال للترجمة لهم، كل ذلك مع الاختصار، فأفرد هذه الأسماء، ثم ذكر في كل ترجمة أسماء شيوخ المترجَم لهم، ثم أسماء تلامذته، ثم أهم ما قيل فيه من جرح وتعديل، ثم سَنَة وفاته، ثم يختم ذلك بذكر من أخرج له من أصحاب الكتب الستة، يقول المقدسي:
"وقَدَّمْنَا من أحوالهم حَسْبَ الطَّاقة، ومبلغ الجُهْد، وحَذَفْنَا كثيرًا من الأقوال والأسانيد طَلَبًا للاختصار؛ إذ لو استوعبنا ذلك لكان الكتابُ من
[ ١ / ٣٣ ]
جُمْلَةِ التَّوَاريخ الكبار، فما يحصل اتفاقهم عليه قُلْنَا فيه: روى له الجماعة، وما اتفق عليه البخاري ومسلم قلنا: اتفقا عليه، والباقي سميناه".
• وقال بعد ذلك مما يؤكد أنه تعمد إغفال كثير من الأقوال الواردة في الرجال في كتابه:
"وهذا ما تيسر إيراده من الكلام في أَحْوَال النَّقَلَة والرُّواة على وجه الاختصار، ولو ذهبنا نستوعب ما وَرَدَ في ذلك ونُقِلَ عن الأئمة؛ لطال".
• وظهر لي من خلال التحقيق أن أهم المصادر التي رجع إليها لترجمة الرجال هي: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (^١)، و"تاريخ بغداد" للخطيب، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر، و"الكامل" لابن عدي، وقد رجع إلى عشرات المصادر الأخرى ككتب السؤالات والتواريخ عن أئمة الجرح والتعديل، وثقات العجلي، وطبقات ابن سعد، إلا أن غالب مادة كتابه نقلها من المصادر الأربعة المذكورة، وقد وجدته ينقل منها حرفيًّا في كثير من المواضع، والله أعلم.
٥ - أما ترتيب كتابه: فقد بدأ الحافظ المقدسي كتابه بترجمةٍ مختصرةٍ لأشرف الخلق محمد -ﷺ-.
_________________
(١) [يعزو المصنف أحيانًا إلى ابن أبي حاتم، ثم يتبين أن القول المنقول هو لأبيه وليس له كما في "الجرح والتعديل" و"التهذيب" للمزي! !]
[ ١ / ٣٤ ]
ثم مهّد لكتابه بمقدمة هامَّة أسند فيها نبذة من أقوال الأئمة في أهمية علم الرجال، ودراسة الأسانيد، وتمييز صحيح السنة من سقيمها، وتمييز ثقات رجال الحديث من ضعفائهم، مما يُعَدُّ مدخلًا جيدًا لمادة الكتاب.
ثم بدأ الحافظ المقدسي كتابه بترجمة الصحابة ممن لهم رواية في هذه الكتب، مبتدئًا بالعشرة المبشرين بالجنة.
ثم ترجم لمن اسمه محمد من رجال هذه الكتب؛ لشرف الاسم.
ثم انتقل لترجمة باقي رجال الكتب الستة مرتبين على حروف المعجم في الجملة، وإلا فقد وقعت له أوهام كثيرة في ترتيب كتابه، كما لاحظت أنه يتعمد الإخلال بالترتيب أحيانًا؛ لتقديم الأسماء المشهورة، كما في تقديمه لمن اسمه خالد على خارجة.
ثم ختم كتابه بكنى الرجال، وأسماء النساء وَكُنَاهُنَّ.
٦ - كما علّق المقدسي على بعض التراجم تعليقا علميًّا مُهِمًّا، ولم يكتفِ بالنقل فقط، كما في خاتمة ترجمته لعبد الحميد بن بهرام.
[ ١ / ٣٥ ]