ابتُلي الحافظ عبد الغني المقدسي ابتلاءً شديدًا في حياته، كما هو الشأن في سير الكثير من ورثة الأنبياء من علماء الإسلام، فمن ذلك:
محنة دمشق:
كان الحافظ عبد الغني بدمشق يُحدِّث، وينتفع به الناس، إلى أن تكلم في الصفات والقرآن بشيء أنكره عليه أهل التأويل، وشنعوا به عليه، وعقد له مجلس بدار السلطان، حضره القضاة والفقهاء، فأصر على قوله، وأباحوا إراقة دمه، فشفع فيه جماعة إلى السلطان من الأمراء والأكراد، وتوسطوا في أمره على أن يخرج من دمشق إلى ديار مصر، فأُخرج إلى مصر، وأقام بها خاملًا إلى حين وفاته.
محنة أخرى في دمشق:
كان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق، ويجتمع الخلق عليه، ويبكي الناس، وينتفعون بمجالسه كثيرًا، فوقع الحسد عند المخالفين بدمشق، وشرعوا يعملون وقتًا يجتمعون في الجامع، ويقرأ عليهم الحديث، ويجمعون الناس من غير اختيارهم، فهذا ينام، وهذا قلبه غير حاضر، فلم تشتف قلوبهم بذلك، فشرعوا في المكيدة بأن أمروا الإمام الناصح أبا الفرج عبد الرحمن بن نجم بن الحنبلي الواعظ بأن يجلس يعظ في الجامع تحت قُبة النسر بعد الجمعة، وقت جلوس الحافظ.
[ ١ / ٢٠ ]
فاختلف الحافظ المقدسي مع الناصح، ثم اتفقا على أن يجلس الناصح بعد صلاة الجمعة، ثم يجلس الحافظ بعد العصر، فلما كان بعض الأيام، والناصح قد فرغ من مجلسه، وكان قد ذكر الإِمام أحمد -﵀- في مجلسه، فدسوا إليه رجلًا ناقص العقل من بيت ابن عساكر، فقال للناصح كلامًا معناه: إنك تقول الكذب على المنبر. فضرب ذلك الرجل وهرب، فأتبع، فخبئ في الكلاسة، ومشوا إلى الوالي، وقالوا له: هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة. . .إلى آخر محنته.
محنته في مصر:
لما وصل الحافظ إلى مصر، تُلقِّي بالبِشْر والإِكرام، وأقام بها يُسمِع الحديث بمواضع منها، وبالقاهرة، وقد كان بمصر كثير من المخالفين، لكن كانت رائحة السلطان تمنعهم من أذي الحافظ لو أرادوه، ثم جاء الملك العادل وأخذ مصر، وأكثر المخالفون عنده على الحافظ، وبعضهم بذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار.
قال الحافظ عبد الغني عن الملك العادل ملك مصر: اجتمعت به، وما رأيت منه إلا الجميل، فأقبل عليّ وأكرمني، وقام لي والتزمني، ودعوت له. ثم قلت: عندنا قصور، فهو الذي يوجب التقصير. فقال: ما عندك لا تقصير ولا قصور. وذكر أمر السنة، فقال: ما عندك شيء يعاب في أمر الدين ولا الدنيا، ولا بد للناس من حاسدين.
قال: ثم سافر العادل إلى دمشق، وبقي الحافظ بمصر، والمخالفون لا يتركون الكلام فيه، فلما أكثروا عزم الملك الكامل على إخراجه من
[ ١ / ٢١ ]
مصر، واعتقل في دارٍ سبع ليال، فقال: ما وجدت راحة بمصر مثل تلك الليالي.
محنة أخرى في مصر:
خرج الحافظ عبد الغني إلى بعلبك، ثم سافر إلى مصر، فنزل عند الطحانين، وصار يقرأ الحديث، فأفتى فقهاء مصر بإباحة دمه، وكتب أهل مصر إلى الصفي بن شكر وزير العادل: أنه قد أفسد عقائد الناس، ويذكر التجسيم على رءوس الأشهاد، فكتب إليه والي مصر ينفيه إلى المغرب، فمات قبل وصول الكتاب.
محنته بأصبهان:
قال الإِمام أبو محمد عبد الله بن أبي الحسن الجبائي: كان أبو نعيم الحافظ قد أخذ على الحافظ أبي عبد الله بن مَنْدَه أشياء في كتاب "معرفة الصحابة"، وكان الحافظ أبو موسى المديني يشتهي أن يأخذ على أبي نعيم -يعني: في كتاب "معرفة الصحابة"- فما كان يحسن، فلما جاء الحافظ عبد الغني إلى أصبهان أشار إليه بذلك، قال: تأخذ على أبي نعيم في كتابه "معرفة الصحابة" نحوًا من مائتين وتسعين موضعًا، قال: فلما سمع بذلك الصدر عبد اللطيف بن الخُجندي طلب الحافظ عبد الغني وأراد إهلاكه، فاختفى الحافظ.
وذلك أن بيت الخجندي أشاعرة، كانوا يتعصبون لأبي نعيم، وكانوا رؤساء البلد.
[ ١ / ٢٢ ]
محنته بسبب كتاب العقيلي:
قال الضياء: وسمعت الحافظ يقول: كنا بالموصل نسمع "الجرح والتعديل" للعُقيلي، فأخذني أهل الموصل وحبسوني، وأرادوا قتلي؛ من أجل ذكر أبي حنيفة فيه، فجاءني رجل طويل ومعه سيف، فقلت: لعل هذا يقتلني وأستريح. قال: فلم يصنع شيئًا، ثم إنهم أطلقوني.
قال: وكان يسمع هو والإمام ابن البرني الواعظ، فأخذ ابن البرني الكراس التي فيها ذكر أبي حنيفة، فاشتالها، فأرسلوا، وفتشوا الكتاب فلم يجدوا شيئًا؛ فهذا سبب خلاصه. والله أعلم.