رثي الإمامَ عبد الغني غيرُ واحد، منهم الإِمام أبو عبد الله محمد بن سعد المقدسي الأديب بقصيدة طويلة، أولها:
هذا الذي كنت يوم البين أحتسب فليقض دمعي عنك بعض ما يجب
يا سائرين إلى مصر بربِّكم رفقًا علَّي، فإن الأجر مكتسب
[ ١ / ٢٤ ]
قالوا لساكنها: حُييت من سكن يا منية النفس، ماذا الصد والغضب؟
بالشام قوم وفي بغداد قد أسفوا لا البعد أخْلَق بلواهم ولا الحقب
قد كنت بالكتب أحيانًا تعللهم فاليوم لا رسل تأتي ولا كتب
أنسيتَ عهدهم أم أنت في جدث تسفى وتبكي عليك الريح والسحب
بل أنت في جنة تجنى فواكهها لا لغو فيها ولا غول ولا نصب
يا خير من قال بعد الصحب: "حدثنا" ومن إليه التُّقى والدين ينتسب
لولاك مادَ عمود الدين وانهدمت قواعد الحق واغتال الهدى عطب
فاليوم بعدك جمر الغيّ مضطرم بادي الشرار وركن الرشد مضطرب
فلَيبكيِنَّك رسول الله ما هتفت ورق الحمام وتبكي العجم والعرب
لم يفترق بكما حال فموتكما في الشهر واليوم هذا الفخر والحسب
أحييت سنته من بعد ما دفنت وشِدْتها وقد انهدت لها رتب
وصنتها عن أباطيل الرواة لها حتى استنارت، فلا شك ولا ريب
ما زلت تمنحها أهلًا، وتمنعها من كان يلهيه عنها الثغر والشنب
قوم بأسماعهم عن سمعها صمم وفي قلوبهم من حفظها قُضب
تنوب عن جمعها منهم عمائمهم أيضًا ويغنيهم عن عرسها اللقب
يا شامتين وفينا ما يسوؤهم مستبشرين وهذا الدهر محتسب
ليس الفناء بمقصور على سبب ولا البقاء بممدود له سبب
ما مات من عز دين الله يعقبه وإنما الميت منكم من له عقب
ولا تقوض بيت كان يعمده مثل العماد ولا أودى له طنب
علا العلي بجمال الدين بعد كما تحيي العلوم بمحيي الدين والقرب
[ ١ / ٢٥ ]
وتسبق الخيل تاليها إن بعدت وغاية السبق لا تعيى له النجب
مثل الدراري السواري شيخنا أبدًا نجم يغور ويبقى بعده شهب
من معشر هجروا الأوطان وانتهكوا حمر الخطوب وأبكار العلى خطبوا
شُمُّ العرانين ملح لو سألتهم بذل النفوس لما هابوا بأن يهبوا
بيض مفارقهم سود عواتقهم يمشي مسابقهم من حظه التعب
نور إذا سألوا نار إذا حملوا سحب إذا نزلوا أسد إذا ركبوا
الموقدون ونار الحرب خامدة والمقدمون ونار الحرب تلتهب
هذا الفخار فإن تجزع فلا جزع على المحب وإن تصبر فلا عجب