قال الإمام أبو أحمد الحاكم في كتابه الكنى: (^١)
ومن تأمل كتاب مسلم بن الحجاج في الأسماء والكنى علم أنه منقول من كتاب محمد بن إسماعيل حذو القذة بالقذة حتى لا يزيد عليه فيه إلا ما يسهل على العاد عده وتجلد في نقله حق الجلادة.
وكتاب محمد بن إسماعيل في التاريخ كتاب لم يسبق إليه ومن ألف بعده شيئا في التاريخ أو الأسامى لم يستغن عنه فمنهم من نسبه إلى نفسه مثل أبى زرعة وأبى حاتم ومسلم بن الحجاج. انتهى.
قلت: يفهم من هذا الكلام أن مسلما جاء بكتاب التاريخ للإمام البخاري ونقل مادته ونسبه إلى نفسه. وهذا القول فيه نظر من عدة وجوه:
أولا: اتفاق الكتاب على نسبة الكتاب لمسلم دون التعرض إلى هذه القضية واعتمادهم على نصوصه دون الرجوع إلى كتاب التاريخ للإمام البخاري. ولو كان منحولا كما ذكر الإمام أبو أحمد الحاكم لبينوا ذلك ولم يسكتوا عليه.
ثانيا: تدل المقارنة بين النصوص الواردة في الكتابين على التباين الكبير بينهما.
فمثلا: أورد الإمام مسلم في كتاب الكنى. ترجمة سلمة بن صالح الأحمر فقال: أبو إسحاق. سلمة بن صالح الأحمر الجعفي قاضي واسط عن حماد بن أبي سليمان. ضعيف الحديث (^٢).
وأورده البخاري في تاريخه فقال:
_________________
(١) الكنى ١/ ٣٧ لوحة.
(٢) الكنى ٣٩/ ١.
[ ١ / ٢٦ ]
"سلمة بن صالح. أبو إسحاق الأحمر الجعفي قاضي واسط غلطوه في حماد بن أبى سليمان- قاله على بن حجر (^١).
ومثال آخر: قال مسلم في الكنى: "أبو الحجاج رشدين بن سعد المهرى عن يونس بن يزيد. ضعيف الحديث" (^٢).
وقال البخاري: "رشدين بن سعد أبو الحجاج المهرى عن عقيل ويونس- قاله قتيبة كان لا يبالي ما دفع إليه فيقرأه. قال أحمد مات سنة ثمان وثمانين ومائه. هو المصري" (^٣).
ولو كانت المسألة كما ذكر الإمام أبو أحمد الحاكم ﵀ للزم تطابق النصوص. لأنه قال «حذو القذة بالقذة» وليس كذلك بل نرى الإمام مسلما ذكر أشياء لم يتطرق إليها البخاري والعكس صحيح والأمثلة على ذلك كثير. وهناك موضع واحد وهم فيه مسلم وهو في التاريخ على الصواب. ولو كان النقل حذو القذة بالقذة لما وهم.
والترجمة هي ذات الرقم (٣١٤) من كتاب الكنى. حيث قال: أبو بكر حوشب بن مسلم.
وفى التاريخ الكبير: حوشب بن مسلم. أبو بشر (^٤) - وهو الصواب.
ثالثا: الاستقراء العددي يدل على مدى التباين بين الكتابين فكتاب التاريخ للإمام البخاري حوى ثلاثة عشر ألفا ومائتين وخمس تراجم بينما كتاب مسلم حوى ثلاثة آلاف وثمانمائة وأربع تراجم فقط وهذا يعني أن كتاب مسلم يعدل ثلث كتاب التاريخ للإمام البخاري وقول أبى أحمد الحاكم ﵀ يدل على أن مسلما زاد على البخاري وهو قول بعيد بعد هذا الاستقراء.
_________________
(١) التاريخ الكبير ٢/ ٢/ ٨٤.
(٢) الكنى ١/ ٢٦٢.
(٣) التاريخ الكبير ١/ ٢/٣٣٧.
(٤) التاريخ الكبير ١/ ٢/ ١٠٠.
[ ١ / ٢٧ ]
رابعا: اعتماد أبي أحمد الحاكم على نصوص من كتاب مسلم في كتابه وعزو تلك النصوص إلى كتاب الكنى لمسلم. فلو كان الاعتراض صحيحا لكان الأولى بأبي أحمد نسبة تلك النصوص إلى كتاب التاريخ.
وقد حصرت المواضع التي اعتمدها الحاكم في القطعة الباقية من كتابه
والتي تعادل أقل من نصف الكتاب فوجدتها اثنتين وعشرين ترجمة (^١) نقلها من كتاب مسلم حذو القذة بالقذة. وتبع مسلما في الوهم في موضع واحد (^٢).
قال العراقي: "وكتاب مسلم والنسائي لم يذكر فيهما إلا من عرف اسمه غالبًا" (^٣).
قال الدكتور أكرم العمري عند كلامه في موارد الخطيب البغدادي من كتب الكنى: "وتتناول المقتطفات رجال الحديث، كناهم وأسماءهم ونسبتهم وجرحهم (^٤) وتعديلهم. وتثبت المقارنة أن بعضها من (كتاب الكنى والأسماء) " قلت: "لم أقف على تعديل مسلم للرواة. وعدد الذين تناولهم بالجرح ثمانية وتسعون راويا".