إن الأخذ عن الشيوخ هو من مهمات طالب العلم والأهم من هذا انتقاء الثقات منهم فقد وفق الله الإمام مسلم لاختيار الشيوخ الثقات مع التبكير بالسماع عنهم وكان أول سماعه من الشيوخ سنة ثمان عشرة ومائتين، وله من العمر قريبا من أثنى عشر عاما على قول من قال إنه ولد سنة ست ومائتين.
روى عن العقبى وأحمد بن يونس وإسماعيل بن أبى أويس وداود بن عمرو الضبي. وأحمد بن حنبل ويحيى بن يحيى التيمي وأكثر عنه. والإمام البخاري الذي لازمه وتأثر به تأثرا كبيرا انعكس فيما بعد على كتبه التي ألفها كالجامع الصحيح من حيث المنهج في التأليف. وكتابه الكنى الذي أعتمد فيه بالدرجة الأولى على كتاب التاريخ الكبير. وكذلك أقواله في الجرح والتعديل التي وردت عنه في ثنايا كتب الرجال والتي تدل دلالة قوية على التأثر بالصيغ التي أوردها الإمام البخاري في كتبه «التاريخ الكبير والصغير والضعفاء والمتروكين». وهذا التأثر كما ذكرت نابع من الملازمة التامة لشيخه.
يقول الخطيب البغدادي ﵀: "وكان مسلم أيضا- يناضل عن الإمام البخاري حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه. فأخبرني محمد بن على المقرئ أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ يقول: لما استوطن محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور أكثر مسلم بن الحجاج الاختلاف إليه. فلما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ ونادى عليه ومنع الناس من الاختلاف إليه حتى هجر وخرج من نيسابور في تلك المحنة. قطعه أكثر الناس غير مسلم فإنه لم يتخلف عن زيارته. فأنهى إلى محمد بن يحيى أن مسلم بن الحجاج على مذهبه قديما وحديثا. وأنه عوتب على ذلك بالعراق والحجاز ولم يرجع عنه (^١) فلما كان يوم مجلس محمد بن يحيى قال في آخر مجلسه: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته وقام على رؤوس الناس وخرج من مجلسه. وجمع كل ما كان
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ١٠٠.
[ ١ / ١٧ ]
كتب منه وبعث به على ظهر حمال إلى باب محمد بن يحيى فاستحكمت بذلك الوحشة وتخلف عنه وعن زيارته" (^١).
وقال في موضع آخر: للتدليل على مدى ملازمة الإمام مسلم لشيخه البخاري وتأثره به. "إنما قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه. وحذا حذوه. ولما ورد البخاري نيسابور في آخر أمره لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه وقد حدثني عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي قال: سمعت أبا الحسن الدارقطني يقول: لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء" (^٢).