محمد بن أحمد، بن محمود، بن عبد الله، بن محمود قاضي القضاة، ولي الدين، ابن قاضي القضاة، شهاب الدين، بن الفرفور الدمشقي، الشافعي، مولده في ثامن عشر جمادى الأولى، سنة خمس وتسعين، بتقديم - التاء - وثمانمائة - وحفظ القرآن العظيم، والمنهج في الفقه لشيخه شيخ الإسلام، زكريا، وجمع الجوامع لابن السبكي، وألفية ابن مالك، وأخذ الفقه بدمشق عن شيخ الإسلام تقي الدين ابن قاضي عجلون، وبالقاهرة عن قاضي القضاة زكريا، المذكور، والبرهان ابن أبي شريف، وأخذ الحديث بدمشق عن الحافظ برهان الدين الناجي، والشيخ أبي الفتح المزي، والشيخ أبي الفضل ابن الإمام، والشيخ جمال الدين بن عبد الهادي، وبمصر عن الشيخ المحدث تقي الدين ابن الشيخ محب الدين، الأوجاقي، وغيره، وأجاز له جماعات في عدة استدعاآت، وولي قضاء قضاة الشافعية، بدمشق بعد وفاة أبيه وعزل عنه وأعيد إليه مرارًا آخرها في سنة ثلاثين وتسعمائة، وولي قضاء حلب سنة ست وعشرين وتسعمائة، وعزل عنه في أثناء صفر سنة سبع وعشرين، وعاد إلى دمشق، وكان آخر قاض تولى حلب من قضاة أولاد العرب، ومع توليته بدمشق، وحلب في الدولة العثمانية لم ينتقل عن مذهبه، وصار لنائب الشام عيسى باشا عليه حقد آخرًا، فسافر من دمشق يوم الاثنين ثامن عشر رمضان سنة ست وثلاثين، وسافر في صحبته شيخ الإسلام الوالد، قاصدين بلاد الروم، ودخل حلب يوم الأربعاء سابع عشري رمضان المذكور، وعيدوا بها، فلما كان يوم الاثنين ثالث شهر شوال حضر أولاقان، من جهة عيسى باشا نائب الشام، ومعهما مكاتبات يخبر فيها بحضور مرسوم سلطاني بعود القاضي الفرفور محتفظًا للتفتيش عليه، وتحرير ما نسب من المظالم إليه، وأن المتولي عيسى باشا، وقاضي الشام ابن إسرافيل مكانه، فرجع ابن الفرفور إلى دمشق، وسافر شيخ الإسلام الوالد إلى بلاد الروم كما بينه الشيخ الوالد في رحلته:
سارت مشرقة وسرت مغربًا شتان بين مشرق ومغرب
ووصل ابن الفرفور إلى دمشق يوم الثلاثاء تاسع عشر شوال، ووضع في قلعتها ثم نودي
[ ٢ / ٢٢ ]
من الغد بالتفتيش عليه، وشرع في ذلك من يوم السبت ثاني عشري شوال واستمر التفتيش عليه أيامًا في نحو خمسة عشر مجلسًا قال الشيخ الوالد: رحمه الله تعالى: وخرج عليه من كان داخلًا فيه، وراكنًا إليه، وشدد عليه في الحساب، من كان يعده من الأحباب، فأتاه الخوف من جانب الأمن، ومن حيث أمل الربح جاء الغبن، ثم أنشد:
رب من ترجو به دفع الأذى عنك يأتيك الأذى من قبله
ريما يرجو الفتى نفع فتى خوفه أولى به من أمله
وبقي مسجونا بالقلعة، إلى أن توفي بها في يوم الثلاثاء، سلخ جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وتسعمائة، ودفن بتربته التي أنشأها شمالي ضريح الشيخ أرسلان، رضي الله تعالى عنه، ورثاه جماعة منهم، الشيخ علاء الدين بن عماد الدين فقال:
إلى الله أشكو ما لقيت من البعد وما حل بي يوم الفراق من الوجد
نأى راحلًا عن منزلي من أحبه وأصبحت ولهانًا من البعد والصد
وأهون شيء ما أقاسي من الجوى إذا ما صفا عيش الأحبة من بعد
خليلي نوحا وانعيا في الورى فتى لقد كان بين الناس كالعلم الفرد
غريق الذرى قاضي القضاة الذي رقى إلى الغاية القصوي بالحلم والرشد
أذاب فؤادي بالفراق وهجره سقاني أخير العصر من أول الرعد
لقد كان أعلى الناس في المجد مطلقًا وأوفاهم بالقول والفعل والعهد
وكان إمام الناس شامة جلق جزيل العطا مبدي الندى حاتم المجد
لقد أظلم الأكوان فيه فراقه وصار ضياء الشمس كالفاحم الجعد
وقد كان قطب الكون والناس حوله نجوم وهم في طالع العز والسعد
ألا يا بروحي هل لك اليوم عودة فتقري سلامي جيرة العلم الفرد
إذا زمزم الحادي بذكراه في الورى يسابقه ركب من الدمع في خد
وصفت بمحمر من الدمع بعده من الرمل مبيضًا لأرعى به عهدي
وقد كان ذا عزم وحزم وهيبة وأولى الندى للناس من كان في المجد
فيا رب بالمختار طه محمد تجازي ابن فرفور بجنتك الخلد
تعامله بالغفران والعفو والرضى إذا ما أضا برق يجيء بني سعد