محمد بن بهاء الدين، بن لطف الله الشيخ الإمام العلامة المحقق الصوفي، المعمر المنور محيي الدين الحنفي، أحد الموالي الرومية الشهير ببهاء الدين زاده، قرأ على المولى الفاضل مصلح الدين القسطلاني، ثم على معلم السلطان أبي مزيد خان المولى المعروف بابن المعترف، ثم مال إلى التصوف، فخدم الشيخ العارف بالله تعالى محيي الدين الأسكليبي، وبقي عنده حتى أجازه بالإرشاد، وجلس مدة في وطنه بالي كسرى، ثم جاء إلى القسطنطينية، وجلس في زاوية شيخه المذكور بعد وفاة المولى
[ ٢ / ٢٨ ]
عبد الرحيم بن المؤيد، وربي كثيرًا من المريدين، وكان عالمًا فاضلًا في العلوم الشرعية والفرعية ماهرًا في العلوم العقلية، عارفًا بالتفسير والحديث، والعربية، زاهدًا ورعًا ملازمًا لحدود الشريعة، مراعيًا لآداب الطريقة، جامعًا بين علوم الشرع ومعارف الحقيقة، ولما مرض مفتي التخت السلطاني علاء الدين الجمالي، وطالت مرضته وعجز عن الكتابة قيل له اختر من العلماء من يكون مقامك، فاختار المولى المذكور لوثوقه بفقهه وورعه وتقواه، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ووقع منه كلام في حق إبراهيم باشا الوزير بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحنق عليه الوزير، فخافوا على الشيخ منه، وأشاروا إليه أن يسكت عنه فقال: غاية ما يقدر عليه القتل وهو شهادة، والحبس وهو عزلة وخلوة، والنفي وهو هجر، وله تآليف حسنة منها شرح الأسماء الحسنى وتفسير القرآن العظيم، وشرح الفقه الأكبر للإمام الأعظم أبي حنيفة، جمع فيه بين طريق الكلام وطريق التصوف، وله في التصوف رسائل كثيرة، ومن مكاشفاته ما حكاه صاحب الشقائق عن نفسه أنه لما كان مدرسًا في إحدى الثماني رأى في المنام في ثلث الليل الأخير أن النبي ﷺ أهدى إليه تاجًا من المدينة المنورة، فلما صلى الصبح دخل عليه رجل من قبل صاحب الترجمة لم يكن دخل عليه قبل ذلك فقال له الشيخ: أن الواقعة التي رأيتها معبرة بأنك ستصير قاضيًا، ثم اجتمع به صاحب الشقائق بعد مدة فذكر له الواقعة، وتعبيره إياها مما تقدم فقال له: نعم هو كذلك فقال له: إنما أطلب القضاء فقال له: لا تطلب، ولكن إذا أعطيته بلا طلب، فلا تزده قال صاحب الشقائق: وكان هذا أحد أسبابه لقبول منصب القضاء، وحج صاحب الترجمة في سنة إحدى وخمسين، فدخل بلاد الشام، ولما رجع في السنة القابلة مات ببلده قيصرية، ودفن بها عند قبر الشيخ إبراهيم القيصري، وهو شيخ شيخه.