محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن بدر بن مفرج بن بدري بن عثمان بن جابر بن ثعلب بن ضوي بن شداد بن عاد بن مفرج بن لقيط بن جابر بن وهب بن ضباب بن علي بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، المحقق المدقق العلامة، العمدة الحجة الفهامة، القاضي رضي الدين أبو الفضل بن رضي الدين الغزي الأصل، الدمشقي المولد والمنشأ والوفاة، العامري القرشي الشافعي جدي لأبي ولد صبيحة اليوم العاشر من ذي القعدة الحرام سنة اثنتين وستين وثمانمائة، وتوفي والده شيخ الإسلام رضي الدين أبو البركات وسنه إذ ذاك دون السنتين، وأسند وصايته عليه إلى شيخ الإسلام زين الدين خطاب بن عمر بن مهنا الغزاوي الشافعي شيخ الشافعية بدمشق، فرباه أحسن تربية، وكفله أجمل كفالة إلى أن ترعرع وطلب العلم بنفسه مشمرًا عن ساق الاجتهاد،
[ ٢ / ٣ ]
وسالكًا أقوم مسالك الرشاد، مؤثرًا لطريقة التصوف على سبيل التجرد منعزلًا عن الناس في زاوية جده لأمه ولي الله القطب الرباني العارف بالله والداعي إليه سيدي الشيخ أحمد الأقباعي بعين اللؤلؤة خارج دمشق. إلى أن برع في علمي الشريعة والحقيقة، وسلك في كل منهما أكمل طريقة، ولازم الشيخ خطاب مدة حياته وانتفع به وتفقه عليه، ثم تزوج بابنة الشيخ خطاب أخرًا بالتماس من أبيها، ولزم أيضًا الشيخ محب الدين بن محمد بن خليل البصروي شيخ الشافعية في زمانه، وأخذ عنه الفقه والحديث والأصول والعروض، ثم لزم الشيخ برهان الدين الزرعي، وأخذ عنه الحديث وغيره وولده العلامة المحقق شهاب الحين أحمد، وأخذ عنه المعقولات والمعاني والبيان والعربية. وممن تفقه بهم أيضًا شيخ الشافعية وابن شيخهم البدر ابن قاضي شهبة، والشيخ الأوحد ولي الله شمس الدين محمد بن حامد الصفدي، والشيخ الأكمل شيخ الإسلام النجم ابن قاضي عجلون، وأخوه شيخ الإسلام تقي الدين أبو بكر، والشيخ الإمام خليل اللدي إمام الجامع، وكذلك الشيخ الصالح المقريء إبراهيم بن أحمد القدسي. قرأ عليه وهو صغير القرآن العظيم والمنهاج حفظًا وحلًا، وأخذ الحديث وعلومه أيضًا عن الشيخ الإمام المعمر الأوحد برهان الدين الناجي، والشيخ الصالح العالم زين الدين عبد الرحيم ابن الشيخ خليل القابوني إمام الجامع الشريف الأموي، والشيخ المسند بدر الدين حسن بن شهاب، والشيخ الإمام الحافظ الناقد الحجة برهان الدين البقاعي، وأخذ عنه العربية أيضًا، وقرأ عليه الكتب الستة، وشرح ألفية الحديث للعراقي للمصنف، ونخبة الفكر وشرحها لابن حجر، وغالب مؤلفاته كالمناسبات وغيرها، وكذلك الشيخ الإمام العلامة حسن بن حسن بن حسين الفتحي الشوازي رفيق بن الجزري، وصاحب الحافظ ابن حجر قرأ عليه الحديث المسلسل بالأولية، وسورة الصف وغير ذلك، وسمع منه كثيرًا من مروياته، والعلامة برهان الدين الباعوني، وقرأ على العلامة المحقق منلا زاده الخطابي صاحب المؤلفات الشهيرة شرح الشمسية والمتوسط وغيرهما، واجتمع بالشيخ عبد المعطي المكي، وسيدي الشيخ أحمد بن عقبة اليمني، والشيخ العارف بالله تعالى محمد المذكور اليمني وغيرهم، واصطحب مع سيدي الشيخ أبي العون الغزي، وسيدي علي بن ميمون المغربي وغيرهما.
وممن أخذ عن الشيخ رضي الدين رضي الله تعالى عنه ولده شيخ الإسلام بدر الدين والدي، وسيدي الشيخ أبو الحسن البكري، وشيخ الإسلام أمين الدين بن النجار إمام جامع الغمري بمصر، وشيخ المسلمين العلامة السيد عبد الرحيم العباسي المصري، ثم الإسلام بولي، والعلامة بدر الدين العلائي، وقد كان - رحمه الله تعالى - ممن قطع عمره في العلم طلبًا
[ ٢ / ٤ ]
وإفادةً وجمعًا وتصنيفًا. أفتى ودرس، وولي القضاء نيابة عن قريبه قاضي القضاة القطب الخيضري، وسنه إذ ذاك دون العشرين سنة، ثم عن قاضي القضاة شهاب الدين الفرفوري، ثم عن ولده القاضي ولي الدين بعد أن تنزه عن الحكم، ثم ألزم به من قبل السلطان سليم خان على لسان نائبه بالمملكة الشامية وغيرها فرهات باشا وإياس باشا، وكان لهما فيه مزيد الاعتقاد، وباشر مدة ولايته القضاء بعفة ونزاهة وطهارة يد ولسان وقيام في الحق. يقضي على من عساه يكون لا يحابي أحدًا ولا يماريه لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو آخر قضاة العدل وله من المؤلفات الدرر اللوامع، نظم جمع الجوامع، في الأصول، وألفية في التصوف سماها الجوهر الفريد، في أدب الصوفي والمريد وألفية في اللغة نظم فيها فصيح ثعلب وألفية في علم الهيئة، وألفية في الطب، ومنظومة في علم الخط، ونظم رسالة السيد الشريف في علمي المنطق والجدل، ووضع على نظمه شرحًا نفيسًا، وألف مختصرًا في علمي المعاني والبيان سماه بالإفصاح، عن لب الفوائد والتلخيص والمصباح، ووضع عليه شرحًا حافلًا، وشرح أرجوزة البارزي في المعاني والبيان أيضًا، وشرح عقيدة جمع الجوامع، ونظم عقائد الغزالي، وعقائد لبعض الحنفية، ونخبة الفكر لابن حجر في علم الحديث، وقلائد العقيان في مورثات الفقر والنسيان للشيخ إبراهيم الناجي، وألف كتاب الملاحة، في علم الفلاحة، وغير ذلك، وله شعر رائق، ونظم فائق، وأكثر في تقبسه النصائح والحكم والحقائق، أوردت منه نبذة في كتابي المسمى بلغة الواجد واستوفيت غالبه في شرحي على الفتية في التصوف، ومنه قوله نظمًا مضمنًا:
ما كان بكر علومي قط يخطبها إلا ذوو جدة بالفضل أكفاء
وغض منه ذوو جهل معاندة والجاهلون لأهل العلم أعداء
وقوله أيضًا:
يا جاهلا وهو لأهل العلم لا يسلم
ارجع إلى الحق وإن سئلت قل: لا أعلم
وقوله رضي الله تعالى عنه:
يا طالب الله حقًا اخرج إلى الله عنكا
وإن خرجت فناد استغفر الله منكا
[ ٢ / ٥ ]
وأجاب عن اللغز المشهور في الفرائض وهو:
ثلاثة أخوة لأب وأم وكلهم إلى خير فقير
أصابهم صروف الدهر يومًا وكان لميتهم مال كثير
فحاز الأكبران الثلث منه وباقي المال أحرزه الصغير
بقوله:
ثلاثة أخوة لأب وأم تزوج بنت عمهم الصغير
له من إرثها نصف بفرض وسدس بالعصوبة يا خبير
قال شيخ الإسلام الوالد - رحمه الله تعالى: - وقد رأيت قبل موته بأيام قليلة رسول الله ﷺ في المنام، ومعه جماعة من الصحابة، وهو يقول: جئنا لنحضر تجهيز والدك. قال: فكاشفني على ذلك، قلت: وله كرامات ومكاشفات كثيرة بينا جملة منها في بلغة الواجد.
وكانت وفاته رضي الله تعالى عنه في شوال سنة خمس وثلاثين وتسعمائة عن ثلاث وسبعين سنة وصلى عليه ولده الوالد بالجامع الأموي، ودفن بمقبرة الشيخ أرسلان رضي الله تعالى عنه، وكانت جنازته حافلة. سئل شيخ الإسلام الوالد - رحمه الله تعالى - هل يبقى تصرف الولي بعد موته. فقال: نعم يتفق ذلك لكثير من أولياء الله تعالى، واشتهر ذلك عن جماعة منهم الشيخ عبد القادر الكيلاني، والشيخ أرسلان وغيرهما. قال: وأنا اتفق لي أني كنت إذا زرت والدي أتصدق عند قبره بشيء، فكان يجتمع علي الفقراء متى زرته لما علموا أن ذلك من عادتي، فزرته يومًا، فاجتمع الفقراء للصدقة، فتفقدت الكيس، فإذا قد نسيته في البيت، فتوجهت إلى روحانية الشيخ الوالد فإذا على قبره شيء من الدراهم، فتناولته ودفعته إلى الفقراء.