في التعابي الحربية
هذا الكتاب من تأليف محمد بن مَنْكَلِي (٧٨٤ هـ - ١٣٨٢ م) حقّقه اللواء خطّاب، وكتب له مقدّمة ضافية تصلح أن تكون كتابًا، فقد جاءت في (١٣٤) صفحة، منها (٦٤) صفحة هي عبارة عن بحث عام ومركَّز حول التُّراث العسكريّ العربيّ الإسلاميّ الذي يدلّ ما بقي منه على أن العرب والمسلمين بلغوا شأوًا بعيدًا في العلوم العسكرية، وكان لهم فيها باع طويل، كما هو شأنهم في سائر العلوم والآداب والفنون، في تراثهم العريق الأصيل، ولا تقلّ أهميةً عنها، والتطبيق العمليّ لذلك التراث، صان حضارتهم، وحماها من الغزو الخارجي، ووضعها في المحلّ اللائق بها، قائدةً للحضارة العالمية ردحًا طويلًا من الزمن، كما هو معروف عربيًا وإسلاميًا وعالميًا .. وما وصل إلينا من ذلك التراث، يدلّ على سعة اطلاعهم، ومهارتهم في سائر العلوم، عمليًا ونظريًا.
وهذه العلوم العسكرية التراثية تستطيع أن تجيب المتسائلين عن الكيفية التي مكّنت العرب والمسلمين من بلوغ ما بلغوا في إعداد قوّاتهم العسكرية للحرب، دقةً وإتقانًا، وكفاية، وتكاملًا، وكيف تمكّنوا من الانتصار على أعدائهم في ميادين القتال؟
إنها تجيبهم بأن أسباب النصر تمثّلت في العقيدة الراسخة، والطبع الموهوب، والتجارب العملية، والعلم المكتسب.
[ ١٥٢ ]
وتحدّث المحقق في مقدمته عن جدوى تحقيق التراث العسكري الإسلامي بعد أن تجاوز الزمن تلك الأسلحة التراثية، ورآه ضروريًا، لأنه يلقي الضوء على الأسلحة التي استخدمها الأجداد في حروبهم، وأساليبهم القتالية، وتشكيلاتهم في مجابهة الأعداء .. إنه يفيد مؤرخي الحروب خاصة، والمؤرخين عامة، ويبني الدراسات العسكرية التاريخية على اليقين لا التخمين، وعلى الواقع لا الظن .. ولكن .. لا بدّ من وضع خطة مسبقة واعية للتحقيق، ليثمر الجهد، ولا يضيع الوقت.
ثم تحدث عن أنواع كتب التراث العسكري عندنا، فأحصى منها عشرين نوعًا، منها: كتب الأسلحة القديمة، وكتب الأسلحة، ورسم لها الرسوم الموضّحة، ومنها كتب الرمي، وكتب الفروسية، وألعابها، وكتب تدريب الخيول، وكتب الحِيَل، وكتب في تدبير الحروب، وفي القصف (أي رمي النار والنفط والزرّاقات). وكتب في الدبابات والمنجنيقات، وكتب في الجوارح واللعب في الصيد والقنص، وكتب في إرشادات المجاهدين، وهي تبحث في أهمية فريضة الجهاد، والآيات والأحاديث الواردة في الحثّ على الجهاد، ومنزلة المجاهدين، والشهادة والشهداء، وحياتهم المستمرة، ومنزلتهم في الجنة، وإرشاد المجاهدين من مغادرة منازلهم، إلى وصولهم إلى ميادين القتال، والتشكيلات القتالية ..
وهناك كتب في الإرشادات العملية للمقاتلين، وكتب في التجنيد والجنود، والكتب الشاملة لأهمّ الأمور العسكرية، وكتب الأسطول والبحرية، تدريبًا وتسليحًا وتنظيمًا وأساليب قتال، وأنواع السفن، وصناعتها، والمكايد والحيل البحرية، وأساليب إحباط الخطط التعبوية للعدو، وكتب السِّيَر، والتّفسير، والحديث، والفقه، أو ما نسمّيه اليوم:
[ ١٥٣ ]
العلاقات الدّولية في الإسلام، أو القانون الدولي في الحرب والسلام والحياد .. وكان الكاتب يستشهد على كل نوع بأهمّ الكتب المندرجة فيه. معرّفًا بها حينًا، وملخّصًا لأهمِّ ما ورد فيها حينًا آخر، مما يدلّ على اطلاع واسع لديه .. ثم جمع الأنواع العشرين في خمسة أقسام هي:
١ - كتب الأسلحة الخفيفة، والثقيلة، والتدريب عليها.
٢ - كتب الخيل والتدريب عليها، وتدريبها، وعلاجها، وألعاب الفروسيّة والصيد والقنص.
٣ - كتب السَّوْق، والتعبية، والتجنيد، وتجارب الجنود.
٤ - كتب الجهاد (نظريًا وعمليًا).
٥ - كتب اللغة العسكرية.
واعتبارًا من الصفحة (٦٥)، وحتى الصفحة (٨٥) بدأ يعرّف بالكتاب المحقَّق، وعدّه من النوع الشامل وقال:
" بدأ المؤلف بتقديم كتابه بمقدّمة، تعرّض فيها إلى أهمية التعابي الحربيّة، وإعراض الناس عنها، لانصرافهم إلى اللهو وإلى متاع الدنيا، ثم تحدّث عن السبب الداعي لتأليفه، ثم ذكر الخطوط العريضة التي ينبغي لأمراء الجيوش الاهتمام بها، لضمان النصر.
بدأ كتابه في أهمية التقوى، وأنها أول العوامل التي تقود إلى النصر، لأن النصر من عند الله تعالى. ثم عن مزايا المقاتل، كأن يعرف رئيسُ الجند خواصَّ رجاله بالتفصيل، ليضع الرجل المناسب، في العمل المناسب، وحتى يقودهم على هدى وبينة. كما تحدّث عن (عيوب المقاتل)، وعدّد أبرزها وأشدَّها ضررًا على الضبط والنظام اللذين - بدونهما - لا يبقى الجيش جيشًا، بل يصير عصابات متناحرة.
[ ١٥٤ ]
وتحدّث المؤلف عن المشورة في الحرب، وأهميّتها شرعًا وعقلًا، وحثّ فيه على الاستعانة بذوي الرأي السّديد، وعدم الاستعانة بمشرك، وبنى هذا الرأي على تجاربه في الحياة، فقد شهد من استُعين به، فخان من استشاره، فلا بدّ من حسن اختيار المستشارين. وهنا عدّد صفات المستشارين فأجاد وأبدع وتميّز على غيره من الكتّاب العرب والأجانب في هذا المضمار.
وفي الفصل السادس قدّم (وصية لأمراء الجيوش في السفر)، وفصَّل في كيفية سياسة الجيش، وتدبير الحرب، وما يتعلق بذلك من أحكام.
وكان الفصل السابع في (المصابرة في القتال)، وتعاليم الشرع في الغنائم وغيرها، وفي الحرب والسلام والهدنة، ومعاملة المحاربين وغيرهم.
وقدّم (وصيّة مختصرة تختصّ بالأجناد) ذكر فيها - بعد تقوى الله - اتخاذ الفرس الجيد، وتأديبه ليكون الفرس صالحًا للقتال، واستعمال التجهيزات المناسبة للفرس، كما يوصي الجندي بالتدريب المستمر على القتال، والابتعاد عن القنوط والتكبّر والإعجاب بالنفس، والاشتغال بما ينفع، وتعلّم العلوم الحربية، وعدم ازدراء أحد من المسلمين.
وفي (التعابي المنصورة) ألواح مصوّرة لتشكيلات القتال، مع وصايا وإرشادات مهمة تفيد المقاتلين، جنودًا وضباطًا.
وفي فصل (أشكال التعابي) ألواح مصورة بالتخطيط لتشكيلات القتال، يطبّقها المشاة والخيالة.
وفي فصل (ذكر طبائع الأمم واختلاف أحوالهم في الحرب) معان
[ ١٥٥ ]
قيّمة، كأنّ ابن منكلي كاتب معاصر يصف طبائع الأمم في الوقت الحاضر.
وكان الفصل العشرون بعنوان: (أحوال تخصّ المقدَّمة)، وهو في صفات الضباط والآمرين والقادة، وهي: أن يكون الواحد منهم قدوة حسنة لرجاله، قادرًا على خداع عدوّه، يحترم الكبير ويعطف على الصغير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، عالمًا في علوم مهنته العسكرية، كريمًا، حسن الخلق، متوسّط الانبساط، يعلّم رجاله - في المسير - ما يفيدهم، ويتفقد خيولهم، ويسير بهم برفق، ويغضّ الطرف عن عوراتهم، ويكون ذا حياء وعفّة، وذا ناموس يناسب رتبته، ولا يقف في المواقف المشبوهة، ويقف في سوق الخيل، وسوق السلاح، وسوق الكتب، وله أوراد للتلاوة والذكر والصلاة وغير ذلك من القُرُبات، ويتعلم كلّ العلوم المباحة، ويكون بيته كملعب للرياضة العنيفة، وأن يداوم على التدريب وعلى الرمي ..
ثم يضيف: "إن المقدَّم يجب أن يموت عزيزًا، ولا ينهزم ذليلًا "، وهذه الصفات لا أجد لها مثيلًا حتى في صفات الضباط في الوقت الحاضر، ليس على النطاق العربي والإسلامي وحسب، بل على النطاق العالمي أيضًا .. فما انتصر جيش بعَدَده وعُدَده، بل بما يختزن من مُثُل عليا.
والفصل الأخيرُ كان بعنوان: (نكت في قتال البحر)، وفيه نصائح وإرشادات عملية في القتال البحري، وهي قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان.
وفي الصفحة (٨٦) تحدّث اللواء خطاب عن المؤلف محمد منكلي الذي كان يشغل منصب نقيب الجيش في عهد السلطان الأشرف شعبان، أحد سلاطين دولة المماليك في مصر، ويبدو أنه عسكري مجرِّب، له
[ ١٥٦ ]
خبرة جيدة في أساليب القتال، ومعرفة بما ينبغي للجندي أن يتجنّبه من مثالب وسلبيات لا تليق به ولا تناسبه، وعدّد أربعة عشر كتابًا من تأليف ابن منكلي، والكتب المحققة منها، والكتب الضائعة، ثم تحدث عن عصره، وعن دولة المماليك الأولى في مصر، وسلاطينهم الأربعة والعشرين، في إيجاز وتكثيف ووضوح، وخلص إلى أن نقد ابن منكلي بنّاء وليس هدّامًا، يشيّد ولا يحطّم، يرتق الثغرات، ويغطّي العورات، وقد ألّف كتابه هذا لسببين:
الأول: أن يُعرف أن في المعسكر الإسلامي من له اهتمام في العلوم العسكرية.
الثاني: أن يستثير هِمَمَ المسؤولين، للإفادة من طاقات الرجال، وكفاياتهم المعطلة.
يقول خطّاب: لقد أراد - ابن منكلي - بنقده الإصلاح والصلاح، وخير البلد، ومصلحة الأمّة، وكان سبيله إلى ذلك قلمه، بعد أن جاهد بسيفه حقّ الجهاد، فلم يسكت على انحراف، فهاجم المنحرفين، وشخّص الداء، ووصف الدواء .. إنه قال علنًا ما (يجب) أن يسمعه السلطان، لا ما (يحبّ) أن يسمعه السلطان، فأدَّى الأمانة، وبقي - بقلمه - حاضرًا في سمع الزمن، مرموق المكانة والمكان.
كان تحقيق اللواء خطّاب لهذا الكتاب نمطًا فريدًا في التحقيق، تجشّم فيه المشاق، وذلّل العقبات، وبذل جهودًا مضنية، وهو لم يحققه لأنه وقع تحت يده، بل تلبّث طويلًا وتردّد في التحقيق، من أجل اعتقاد ابن منكلي بالحروف والأعداد والأرقام، ثم هُدي إلى تحقيقه، وشرح الله صدره لذلك، فأقدم .. فهو رجل الجدّ والصرامة، لا يعبث فيما يحقق، كما لا يعبث فيما يقول ويفعل ويكتب، فلو لم يجد فائدة كبيرة في تحقيقه
[ ١٥٧ ]
لما حققه، كفعل كثير من المحققين الذين يهمُّهم أن يدفعوا إلى المطبعة في كل يوم كتابًا، مهما كان عاديًا أو تافهًا.
وهو في التحقيق، كما في سواه يضع فلسطين أمام عينيه، يفكّر بها ولها، ويكتب ويقترح عنها، لعله يجد القائد الذي يأخذ بآرائه، ويسعى إلى تحريرها من بين براثن حفدة القردة والخنازير.
***
[ ١٥٨ ]