وتابع اللواء خطاب حديثه، فقال:
في العام نفسه: (١٩٦٤ م) زرت باكستان بصحبة الأخ المشير عبد السلام عارف، وهناك حدثته عن اعتقال الأستاذ أبي الأعلى المودودي، فأبدى امتعاضه وأسفه لتصرف الحكام مع قادة الفكر الإسلامي، وقال:
- سوف أكلّم أيوب خان - رئيس الجمهورية - بشأنه.
قال خطّاب:
- وتذكّرتُ عتاب الأستاذ سيد قطب، لأننا لم نشاوره قبل التوسّط لدى عبد الناصر للإفراج عنه، فقلت للأخ المشير:
- لا تكلّمه - أيوب خان - قبل أن أزور الأستاذ في سجنه، وأرى رأيه في ذلك.
وعندما التقينا الجنرال أيوب خان، استأذنتُه في زيارة الأستاذ المودودي، فأذن بذلك وقال:
- الأستاذ المودودي عالم كبير، وإنسان مفكّر عاقل، ولكنه يكرهني .. لماذا؟ لا أدري. فأنا هنا الرئيس - يا سيادة الرئيس - وكلما أصدرت قانونًا، أو اتخذت قرارًا، أو رسمت مرسومًا، بادر الأستاذ المودودي إلى تفنيده، والتنديد به.
ثم التفتَ إليَّ وقال:
[ ٢٧ ]
- زره - يا حضرة الأخ خطاب - وافهمْ منه ماذا يريد، حتى نتفاهم ونتعاون.
قلت لأيوب خان:
- يريد الإسلام حاكمًا لباكستان، فباكستان ما انفصلت عن الهند إلا من أجل الإسلام، وأن يحكم الإسلام، ويكون الدستور الباكستانيّ إسلاميًا.
قال أيوب خان:
- ونحن معه، ولكنه يتعجل الأمور .. يحرّض على الانقلاب عليّ
وزرت الأستاذ المودودي في سجنه، ففرح بلقائي، واختلطت مشاعر الفرح والحزن بلقائه .. فرحت بلقاء هذا العالم المجاهد العظيم، وحزنت أن يكون فى السجن، وليس فى قمة السلطة، يخطّط لباكستان المسلمة وينظِّر.
وبعد تبادل التحيات، وسؤاله عن أحوالنا، وسؤالي عن أحواله وأحوال جماعته، وأحوال المسلمين في باكستان، قلت له:
- المشير عبد السلام عارف يحبّك، ويحترمك، ويقرأ كتبك، ويتأثر بها جدًا، وهو يعدّ نفسه من تلاميذك، ويريد أن يخدمك، ويسعى للإفراج عنك.
فقاطعني المودودي:
- هل كلّم أيوب خان بشأني؟
أجبت: ليس بعد.
[ ٢٨ ]
فتنفّس الصُّعداء وقال بحرارة يكاد شواظها يلفحني:
- الحمد لله.
قلت: على ماذا تحمد الله؟
قال: لو توسّط لدى أيوب خان، لرفضت الوساطة، وما خرجت من السجن، فالحمد لله أنكم لم تكلموا ذلك الطاغية بشأني.
قلت: ولكنّ الأستاذ سيّد قطب قبل وساطة الأخ المشير.
قال: أظنكم أحرجتموه فقبل هذه الوساطة الكريمة .. الأستاذ سيّد رجل حيي .. أمّا أنا، فما كنت لأقبلها، حتى لو أحرجتكم ..
ثم ودّعته محمَّلًا بدعواته وتحياته للأخ عبد السلام.