يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي عنه في «موسوعة المستشرقين» (ص ٢٨): «مستشرق نمساوي الأصل، ثم تجنس بالجنسية الإنجليزية، واشتهر بكتابه عن حياة النبي محمد ﷺ.
ولد ألويس اشبرنجر، ابن كرستوفر اشبرنجر، في قرية ناسريت في منطقة التيرول جنوبي النمسا، في يوم ٣ سبتمبر سنة ١٨١٣ م.
وتلقى دراسته الثانوية في مدرسة في انسبروك، وانتقل منها إلى جامعة فيينّا في سنة ١٨٣٢ م، ودَرَس الطب واللغات الشرقية، وكان أساتذته في اللغات الشرقية هم همّر يورجشتل، وروزنتسفايج.
وفي سنة ١٨٣٦ م سافر إلى باريس، ومن هناك سافر في نفس السنة إلى لندن حيث اشترك في المشروع الذي اقترحه إيرل أوف مونستر عن علم الحرب عند المسلمين.
وفي سنة ١٨٣٨ م حصل على الجنسية البريطانية (^١). وفي ١٢ يونيو سنة
_________________
(١) يقول الدكتور عمرو حمزاوي في مقال نشر على الإنترنت: «وبعد التنقل لسنوات بين أكثر من مدينة أوروبية ونشر أكثر من بحث عن «لغات وشعوب الشرق»، غادر شبرنجر إلى الهند. غير أنه لم يأتها «معجبا بالصحوة الإسلامية ثم باحثا فيها»، بل وصلها لإعداد أطروحته للدكتوراه عن «الخدمة الطبية لشركة الهند الشرقية» وسرعان ما أسقط الأطروحة من حساباته والتحق مستغلا معارفه اللغوية بالإدارة الاستعمارية البريطانية فى الهند، تحديدا بإدارة التعليم الاستعمارية. كان شبرنجر إذا نمساويا ومستشرقا عمل في خدمة الاستعمار البريطاني فى الهند فى أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر، علما بأنه جال فى السنوات الأولى من خمسينيات القرن التاسع عشر على مصر وسوريا والعراق= =وعمان جمعا للمخطوطات العربية النادرة. وعندما غادر «الشرق» فى ١٨٥٦ عاد إلى أوروبا والتحق كأستاذ بجامعة برن السويسرية وبها درس الأدب العربى ومعارف اللغة العربية والأوردية بين ١٨٦١ و١٨٨١ قبل أن يقضى سنوات عمره الأخيرة في ألمانيا ومنها واصل كتاباته عن الشرق ودينه ولغاته …».
[ ١ / ٣٣ ]
١٨٤١ م حصل على درجة الماجستير في اللاهوت. من جامعة ليدن (بهولنده) برسالة عنوانها: (أوليات الطب العربي في عهد الخلافة).
وفي سنة ١٨٤٢ م ترجم (مروج الذهب) للمسعودي (لندن سنة ١٨٤١ م) لكن لم يصدر إلاّ مجلد واحد فقط.
وعُيِّن في القسم الطبي لشركة الهند الشرقية في كلكتا، التي وصلها في مستهل سنة ١٨٤٣ م.
وفي سنة ١٨٤٤ م عين عميدًا للكلية الإسلامية في دلهي، وظل في هذا المنصب أربع سنوات، أصدر خلالها الكتب التالية:
تحقيق كتاب (اصطلاحات الصوفية) لعبد الرزاق الكاشاني (كلكتا، سنة ١٨٤٤ م)، وغيره.
وفي ٦ ديسمبر سنة ١٨٤٧ م عين مقيمًا مساعدًا إضافيًا في مدينة لوكنو. فتوفر ها هنا على فهرسة المخطوطات الموجودة في مكتبات ملك أود. لكنه لم يصدر غير المجلد الأول، وفيه فهرست مخطوطات الشعر الفارسي والهندوستاني (كلكتا، سنة ١٨٥٤ م في قطع الربع).
وقام بترجمة (كلستان) للشاعر الفارسي العظيم مشرف الدين سعدي. وصدرت هذه الترجمة في ١٨٥١ م، وتدل على تمكّنه التام من ناصية اللغة الفارسية. وتقديرًا له على هذا العمل أهدى إليه الشاه فيلًا.
وشرع اشبرنجر في التحضير لمؤّلفه الرئيسي وهو «حياة محمد». فسافر إلى مصر، والشام، والعراق للاطلاع على المخطوطات المتعلقة بسيرة النبي العربي.
[ ١ / ٣٤ ]
وقد صدر القسم الأول من كتابه عن سيرة النبي تحت عنوان: في مدينة الله أباد في سنة ١٨٥١ م.
وكان اشبرنجر قد ترك لوكنو في أول يناير سنة ١٨٥٠ م، ثم أمضى سنوات ١٨٥١ م ١٨٥٤ م في كلكتا مترجمًا من اللغة الفارسية إلى الإنجليزية لدى حكومة البنغال، وعميدًا للكلية الإسلامية في هوجلي ولما يسمى (المدرسة) في كلكتا.
وعمل بضع سنوات واحدًا من السكرتيرين في جمعية البنغال الآسيوية، وظل عضوًا شرفيِّا فيها حتى وفاته.
ثم ترك الهند نهائيًا في ١٨٥٧ م، واستقر به المقام أولًا في فاينهيم، ثم في هيدلبرج في ألمانيا. وفي أثناء مقامه في فاينهيم صنف فهرسًا لمكتبته بعنوان: المكتبة الشرقية الإشبرنجرية (^١)، ويشتمل على وصف حوالي ألفي كتاب، وقد طبع هذا الفهرس في مدينة جيسن سنة ١٨٥٧ م.
وأراد التصرف في هذه المكتبة الثمينة للمكتبة الإمبراطورية في فيينا، لكنه نظرًا لتقاعس هذه المكتبة، استطاعت مكتبة الدولة البروسية في برلين الحصول عليها، وذلك في سنة ١٨٥٨ م.
وبعد ذلك بقليل دُعي اشبرنجر ليكون أستاذًا للغات الشرقية في جامعة برن (عاصمة الاتحاد السويسري). وفي أثناء عمله في برن أصدر كتابين باللغة الألمانية هما:
(حياة محمد وتعاليمه)، برلين في ٣ أجزاء، سنة ١٨٦١ م - ١٨٦٥ م، باللغة الألمانية.
(الجغرافيا القديمة للجزيرة العربية) (برن سنة ١٨٧٥ م).
وفي سنة ١٨٨١ م عاد إلى هيدلبرج، حيث توفي في ١٩ ديسمبر سنة
_________________
(١) والتي من بينها كتابنا هذا المؤتنف، ترى من أين حصلها؟
[ ١ / ٣٥ ]
١٨٩٣ م وهو في الحادية والثمانين من عمره.
حياة محمد وتعاليمه
أهم إنتاج علمي لاشبرنجر هو كتابه: (حياة محمد وتعاليمه، وفقًا لمصادر معظمها لم تستخدم حتى الآن) (^١).
تقويم:
على الرغم من أن كتاب اشبرنجر: (حياة محمد وتعاليمه) هو أول كتاب أوروبي استغل معظم المصادر العربية المتعلقة بسيرة النبي ﷺ، وعلى الرغم من أنه عاش قرابة أربعة عشر عامًا بين المسلمين في الهند، فإن كتابه هذا حافل بالأحكام السابقة، والتصورات الزائفة، والأحكام المبالغ فيها ابتغاء المناقضة:
١ فهو متحامل على النبي محمد ﷺ، يعزو إلى سياسته مع القبائل السبب في انتقاضها بعد وفاته فيما عرف باسم «الردّة»، زاعمًا أن النبي كان متسرعًا في الثقة بوفود القبائل الذين وفدوا عليه لإعلان إسلامهم.
وينساق وراء الرأي القديم عند من كتبوا عن النبي من الأوروبيين، القائل بأن النبيّ ﷺ كان مصابًا بهستيريا الأعصاب، ومن أعراضها انتشار الأعصاب وتقلصها، وارتجاف الشفتين واللسان، ودوران الأعين مرة إلى هذا الجانب وأخرى إلى الجانب الآخر. وزعم أيضًا أنه كان مصابًا بهستيريا الرّأس التي تؤدي إلى السقوط على الأرض، واحمرار الوجه، وصعوبة النفس، والشخير. ويفيض اشبرنجر في هذا الهذيان الذي انتشر في القرن التاسع عشر لدى بعض «المؤرخين» لتفسير عبقرية العظماء، والذي بلغ أوجه من السخف عند ماكس نورداو في كتابه «الانحلال» (سنة ١٨٩٢ م في جزءين) وهذه الدعوى تجنّبها حتى أشد المستشرقين عداوة للنبي ﷺ
_________________
(١) بعد ذلك شرع الدكتور عبد الرحمن بدوي في تلخيص الكتاب، فحذفته خشية الإطالة.
[ ١ / ٣٦ ]
والإسلام، وهو مرجوليوث في المادة التي كتبها عن «محمد» في «دائرة معارف الدين والأخلاق»، ولم يعد يأخذ بها أحد (^١).
ويقارن بين اسويدنبورج (١٦٨٨ - ١٧٧٢) صاحب الرؤى السويدي، وبين النبي في مسألة الرؤى التي كانت تتراءى للنبي، حسبما تجد في كتب السيرة: مثل رؤيته لجبريل في صورة دِحية الكلبي، إلخ.
ويبالغ في حكاية ما زعم من أن النبي ﷺ ترضّى على آلهة العرب بأن أضاف: (تلك الغرانيق العُلَى، وإن شفاعتهنّ لترتجى).
٢ ويحاول الحط من دور النبي محمد ﷺ في انتصارات الإسلام الهائلة واتساع رقعة دار الإسلام في فترة وجيزة جدًا، بأن يبالغ في تمجيد الشيخين: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب. فيقول عن أبي بكر: «خليفته أبو بكر استخدم الوسائل التي كان واجبًا وممكنًا للنبي ﷺ أن يستخدمها لإخضاع العرب فعلًا وحقًا، لا بحسب الظاهر فحسب. ولولا تصرف أبي بكر الحازم لكان الإسلام قد انحلّ، أو لبقي مجرد فرقة دينية لا أهمية لها.
ويقول عن عمر بن الخطاب: عُمَر هو المؤسس الحقيقي للدولة الإسلامية. وفي نظري أن عمر أسمى من النبي في كل ناحية. فهو خلو من كل ألوان الضعف والتساهل التي وصمت أخلاق الأخير، وكان رجلًا مملوءًا بالجد والعزم الرجوليين. وبعد وفاة النبي استطاع الظفر بثقة كل الأطراف وكل القبائل بفضل إيثاره، وصراحته وسلامة نظريتة، وكانت كلمته هي كلمة الجميع. وأثناء حياة النبي أدى من الخدمات لانتصار الإسلام، بل ولطهارة تعاليمه، أكثر من محمد هو نفسه، وقد صان معلّمهَ (النبي) من الوقوع في أخطاء فاحشة بفضل إقدامه الحازم. وكان لعقله الفائق تأثير متواصل على نفسية محمد الضعيفة الهستيرية.
_________________
(١) هذا هو رأي اللص سارق كتاب الخطيب وغيره من تراثنا، ألا لعنة الله على الكافرين.
[ ١ / ٣٧ ]
وهذا نموذج كافٍ للحكم على فساد الرأي، وتغلغل الحقد، والشطط في التقدير عند اشبرنجر. وهذه العيوب تسود كل كتاب (حياة محمد وتعاليمه)، حتى في التفاصيل الجزئية التي يتسع فيها المجال لإلقاء الأحكام» اه.
قلت: قد أطلت في الحديث عن اللص الهالك، ولكن ليعلم الناشئة أين ذهب تراثنا، ومن الذي سرقه، فبين يدي هذا وأمثاله من الكفرة الفجرة الحاقدين المحترقين على الإسلام وأهله = وقع تراثنا أسيرًا حبيسًا في مكتباتهم، أو إن شئت قل زنازينهم، فلم أستطع أن أحصل على المخطوط ملونًا -وذلك بعد ما طلبت من أخي وصديقي الدكتور عمرو مبروك الذي كان يتردد على ألمانيا أن يصوره لي- إلا بعد أن أذكر لهم الاسم الذي حفظ المخطوط تحته ألا وهو شبرنجر والمختوم به على صفحات المخطوط. فكم بين أيديهم من تراثنا وعلومنا، سرقوها؛ لعلمهم أنها كانت سر قوتنا في يوم من الأيام، فاللهم ردنا إلى دينك ردًا جميلًا ورد إلينا ما سلب منا واجعل الدائرة لنا عليهم مرة أخرى.
[ ١ / ٣٨ ]