التعريف بكتاب المؤتنف ومنهج الخطيب في تصنيفه وأهميته:
لقد تميز الإمام الخطيب عن علماء عصره، بل وعن من تَقدَّمه من علماء الحديث باهتمامه البالغ بالتصنيف في هذا الفن من فنون علم الحديث، والذي يُعنى برفع الالتباس والاشتباه والوَهَم الذي يمكن أن يقع في الرواية بسبب الكتابة والنقل من الكتب.
بل لا نبالغ إذا قلنا أنه لم يُصَنِّف أحدٌ من أهل العلم كتصانيف الخطيب ﵀ في هذا الباب، وقد صَنَّف في ذلك:
١ - المتفق والمفترق: والذي يقول في أوله: «فإني ذَاكرٌ في كتابي هذا نوعًا من عِلم الحَدِيث قد يَقَع الإشكالُ في مِثله على من لم تَرتفع في العلم رُتبتُه ولم تَعْلُ في تدبيره طبقته، وهو بيان أسماء وأنساب وردت في الحديث مُتَّفِقَة مُتَمَاثِلة، وإذا اعْتُبِرَت وُجِدَت مُفْترقَة مُتَباينة، فلم يُؤْمَن وقوعُ الإشْكَال فيها ولو في بعضها؛ لاشتباهِها وتَضَاهِيها، وقد وَهِم غَير وَاحِد مِنْ حَمَلة العِلم المعروفين بحسن الحفظ والفهم في شيء من هذا النوع الذي ذكرناه، فَحَدانا ذلك على أن شرحناه ولخصناه …».
٢ - تلخيص المتشابه في الرسم: والذي تلى في التصنيف سابقه، فيقول الخطيب ﵀ في افتتاح التلخيص: «ثم إني رسمت في هذا الكتاب، بتوفيق الله وعونه من أسماء المحدثين وأنسابهم، ومن الأسماء والأنساب التي يُدَوِّنونها في كُتبهم ما تشتبه صورتُه في الخط دون اللفظ، مُفْرِدًا عما يقع الاتفاق فيه حال النطق به، والكتب له، إذ كنا قد فرغنا قبلُ من ذلك النوع في كتابنا الذي ألفناه في المتفق والمفترق.
وقد جعلت هذا المرسوم فصولا خمسة، كل فصل منها يشتمل على
[ ١ / ٢١ ]
أبواب عدة، يتضمن كل باب تراجم كثيرة. في الفصل الأول: ما تشتبه صورته في الخط وتتفق حروفه في الهجاء. وفي الفصل الثاني: ما يشتبه في الخط وهجاء بعض حروفه مختلف. وفي الفصل الثالث: ما كان في بعض حروفه تقديم على بعض مع اتفاقها في الصورة. وفي الفصل الرابع: ما يتقارب لإشتباهه وبعض حروفه مختلف في الصورة. وذكرت في الفصل الخامس: نوادر هذا الكتاب، ولخصت جميع ذلك وقيدته بذكر لفظ حروفه وشكلها، وتسمية شيوخ المذكورين الذين سمعوا منهم، وخَالِفِيهم الذين صحبوهم، ونقلوا عنهم، وسياق بعض رواياتهم وأخبارهم».
٣ - تالي تلخيص المتشابه: والذ يقول في مقدمته له: «ولما انتهى فراغي من كتاب التلخيص -يعني الذي مر آنفًا- أتبعته بذكر ما يتفق من أسماء المحدثين وأنسابهم، غير أن في بعضه زيادة حرف واحد وأفردت له هذا الكتاب، وجعلته فصلين، ذكرت في الأول منهما: الزيادة في الأبناء دون الآباء. وفي الثاني: الزيادة في الآباء دون الأبناء، وقدمت في كل ترجمة ذكر الزائد على ما نقص عنه …».
٤ - غنية الملتمس في إيضاح الملتبس: يقول في تقدمته له: «ثم إني وقفت على ما ذكرتَ من منازعة من نَازَعك في سليمان بن المغيرة، وسليمان بن أبي المغيرة، وقوله: إنهما رجل واحد، كما أن مَعْدان بن طلحة، هو ابن أبي طلحة، وسيف بن سليمان، هو: ابن أبي سليمان.
وسألتَ أن أبين لك صواب القول في ذلك، وقد أجبتك إلى سؤالك مُتَحرِّيا بلوغ غرضك ونيل مرادِك، وجمعت من نظائر هذا النوع في كتابي هذا، ما فيه غُنيةٌ لِمُلْتَمِسه، وباغِيه، ومنفعةٌ لسامعه ودَاعيه، بعد تقديمي بيان ما وقع النزاع فيه».
[ ١ / ٢٢ ]
٥ - الموضح أوهام الجمع والتفريق: والذي يقول في مقدمته: «قد أوردنا في هذا الكتاب ذكر جماعة كثيرة من الرواة انتهت إلينا تسمية كل واحد منهم وكنيته والأمور التي يُعْزى إليها، كنسبته على وجوه مختلفة في روايات مفترقة، ذُكِرَ في بعضها حقيقةُ اسمه ونسبه، واقْتُصِر في البعض على شهرة كنيته أو لقبه، غير في موضع اسمه واسم أبيه وموه ذلك بنوع من أنواع التمويه، ومعلوم أن بعض من انتهت إليه تلك الروايات، فوقوع الخطأ في جمعها وتفريقها غير مأمون عليه، ولما كان الأمر على ما ذكرته بعثني ذلك على أن بينته وشرحته …».
وهذه الخمسة الكتب المذكورة آنفًا قد وصلتنا والحمد لله من تراث الخطيب ﵀ وطبعت.
ومما لم يصلنا من تصانيفه ويتعلق بهذا الأمر:
كتاب «رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب»، وكتاب «المكمل لبيان المهمل».
هذان الكتابان ذكرهما ﵀ في كتابنا هذا المؤتنف وفي غيره من تصانيفه وأحال عليهما في بعض المواضع.
ويأتي كتاب «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» ليختم به الخطيب ﵀ تلك المكتبة المباركة التي تركها لأمته من بعده، وإن كنت لا أستطيع الجزم بأن المؤتنف هو آخر ما صنف الخطيب ﵀ غير أني على يقين من أنه آخر ما قُرئ عليه قبل أن يلقى ربه تعالى؛ فإن السماعات التي جاءت على نسخته الفريدة مؤرخة في رمضان من العام الذي قُبِض فيه، وقبض هو في ذي الحَجة من نفس العام بعد مرض ابتدأه من نصف رمضان.
[ ١ / ٢٣ ]
فأما تسمية الكتاب بالمؤتنف:
يقول ابن فارس (^١): «أنف: الهمزة والنون والفاء، أصلان منهما يتفرع مسائل الباب كلها، أحدهما: أخذُ الشَيء من أولِه، والثاني: أنف كُلِّ ذي أنف. وقياسه التَحديد. فأما الأصل الأول، فقال الخليل: اسْتَأنفتُ كذا، أي: رجعت إلى أوله، وائْتَنَفتُ ائْتِنَافًا. ومُؤْتَنَف الأمر: ما يُبْتَدَأ فيه. ومن هذا الباب قولهم: فَعل كذا آنِفًا، كأنه ابْتِدَاؤُه».
ومن هذا يتبين لنا أن الخطيب ﵀ كأنه أراد أن يبتدأ ذكر المؤتلف والمختلف متخذًا في ذلك كتابيْ «المؤتلف والمختلف» لأبي الحسن الدارقطني، وأبي محمد الأزدي -رحمهما الله- أصلًا يكمل به هذه المادة الواسعة.
ومما يُتَأسف له أن قد فُقِد أَولُّ الكِتَاب كما يأتي ذلك في وصف النسخة، وضاع معه مقدمةُ الخطيب التي يبين فيها عن مَقصده، غير أن الله تعالى قد ألهم الإمام ابن ماكولا لذكر طرفًا من هذه المقدمة في مفتتح كتابه «تهذيب مستمر الأوهام» فقال ﵀: «فإنَّ أبا بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ﵀ وكان أحدَ الأعيان مِمَّنْ شاهدناه معرفةً وإتقانًا وحِفظًا وضَبطًا لحديث رسول الله ﷺ، وتَفَنُّنًا في عِلله وأسانيده، وخِبرةً برُواتِه ونَاقِليه، وعِلمًا بصحيحه وغريبه وفَرْدِه ومُنْكَره وسَقِيمه ومَطْرُوحِه.
ولم يكن للبَغْدَادِيين بعد أبي الحسن عَلِي بن عُمر الدارقطني مَنْ يَجْري مَجْرَاه، ولا قَام بَعده بهذا الشأن سِواه.
وقد استفدنا كثيرًا من هَذا اليَسِير الذي نُحْسِنُه، وبه وعنه تعلمنا شطرًا من هذا القليل الذي نعرفه بتنبيهه ومنه، فجزاه الله عَنَّا الخيرَ ولَقَّاه الحُسنى
_________________
(١) «مقاييس اللغة» (١/ ١٤٦).
[ ١ / ٢٤ ]
ولجميع مشايخنا وأئمتنا ولجميع المسلمين.
كان قد عمل بالشام كتابًا سماه «المؤتنف تكملة المؤتلف» ولما عاد إلى بغداد قَرَأ عليَّ شيئًا من أوله، مُغْرِبًا عليَّ به ومُعرِّفًا لي بما ضَمَّنه إياه، ومُعرِّفًا لي قدر ما تَيَسَّر له، وأنه قد استدرك فيه على أئمة هذا العلم أشياء تَمَّ عليهم السهوُ فيها، ونَبَّه على أشياء غَفلوا عنها ولم يحيطوا بها معرفةً، ووجدته كبيرًا فظننتُ أنه قد استوعب ما يُحْتَاج إليه في هذا المعنى ولم يدع بعده لمُتَتَبِّع حُكمًا.
ولما دَعاهُ رَبُّه (^١) فأجاب، قال لي بعض المُتَشَاغِلين والمُعْتَنين بهذا العلم: لقد تَعِب الخَطِيبُ وأَتْعَب وتَعِب بما جَمَعَه، وأَتْعَب مَنْ أراد أن يعرف الحقيقةَ في اسمٍ؛ لأنه يحتاج أن يَطلبَه في كتاب الدارقطني، فإن لم يجده ففي كتابيْ عبد الغَنِي، فإن لم يجده ففي كتاب الخطيب، ثم يحتاج أن يفسر طبقاته أيضًا، فيمضي زمانه ضَياعًا ويَصِير ما أريد مِنْ إرشاده تضليلًا.
فلو أنك جمعتَ شَمْل هذه الكتب وجعلتها كتابًا واحدًا حُزتَ الثَواب ويَسَّرتَ على مبتغي العِلم الطِلَاب، وراجعني في ذلك مُراجعةً تحريت لها وأوجبت له فيها رعايةً لِحقِّه ورغبةً في مساعدته واغتنامًا للأجر في إفادة مسترشدٍ وتَعليم جَاهِل ومعرفة طالبٍ.
وبدأت بالنظر في كتاب الخطيب فوجدته يذكر في أوله: أنه قد جَمَع فيه من مُؤتَلِف أسماءِ الرُواة وأنسابهم ومُخْتَلِفها -ومما تتضمن كتب أصحاب الحديث من ذلك، وإن لم يكن المذكور راويًا مَشُهورًا- ما شَذَّ عن كِتَابَي أبي الحسن علي بن عُمَر، وأبي محمد بن عبد الغني بن سعيد المُصَنفِين في
_________________
(١) قوله: «دعاه ربه» في المطبوعة اعتمادًا على نسخة فيض الله: (دعى به). ولا معنى لها، والمثبت والذي يقتضيه السياق والله أعلم. وهذه الجملة في الخرم الموجود في نسخة تشستربيتي.
[ ١ / ٢٥ ]
المؤتلف والمختلف وفي مشتبه الِنسبة، وأنه يذكر ما رُسِم فيهما أو في أحدهما على الوهم، ودَخل على مُدَوِّنِه فيه الخَطأ والسَهو، ويبين فيه صوابَه ويُورِد شَواهِدَه، ويَذكُر صَحيحَ ما اختلفوا فيه مِمَّا انتهى إليه علمه، ويُقِر ما أشكل عليه من ذلك لينسب كل قول إلى صاحبه، وجعله خمسة فصول:
أورد في الأول منها: ما لم يَذْكُراه ولا وَاحِدٌ منهما.
وفي الثاني: أَوْهَامَ كُتُبِهم.
وفي الثالث: ما أَغفَلاه مِمَّا أَوْرَدَا له نَظَائِر.
وفي الرابع: أشياءَ ذَكَراها وقَصَّرَا في شَرْحِها وإيْضَاحِها، فَبَيَّنها، وأَتَمَّ نُقْصَانَها.
وفي الخامس: ما أَوْرَدَاه مِنْ الأحاديث ناَزِلَةً، ووقَعَت له عَالِيةً …».
ثم أخذ ابن ماكولا يتعقب الخطيب فيما أخل به.
والذي يعنينا أن ابن ماكولا قد أبان لنا مقصد الخطيب، ومنهجه في هذا الكتاب، فأما الفصلين الأول والثاني -المشتملين على الرواة الذين لم يذكرهما الدارقطني والأزدي -رحمهما الله-، وكذلك الأوهام التي وقعت لهما- فقد ضاعا جميعًا في رحلة الكتاب الطويلة التي سنذكرها بعد ذلك في مبحث مستقل.
والذي تَبَقَّى من الكتاب يبدأ من أثناء حرف الجيم من الفصل الثالث، والذي كما وصف ابن ماكولا حقًا فهو يذكر فيه تراجم الرواة الذين لم يذكراهم في كتابيهما وقد ذكرا لهم نظائر، لكن منهج الخطيب يختلف عن منهج الشيخين أعني: الدارقطني والأزدي، فإن الخطيب ﵀ لا يُخلِي ترجمة من ذكر رواية مسندة لصاحبها أو أكثر، وربما ناقش علل بعض الروايات، كما أنه يذكر في ترجمة الشعراء منهم قدرًا مناسبًا من شعره إن
[ ١ / ٢٦ ]
وُجِد، وذلك الذي لم يلتزم به الشيخان في كتابيهما.
هذا والخطيب له عناية فائقة بضبط الأشعار التي أوردها في كتاب المؤتنف، وأكثرها من كتاب (المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء) لأبي القاسم الآمدي، وكذلك بضبط الغريب الذي ورد في بعض النصوص الأدبية، والتي لا يكاد يخطئ القارئ أبدًا أن الخطيب كان مولعًا بالأدب، وشعره هو نفسه خير من ينبئك عن ذلك، وسيأتي بعضه في أثناء ترجمته.
كما أنه لم يقتصر في الفصل الثالث على ذكر من أغفلا ذكره وله عندهما نظائر وحسب، بل ربما ذكر بابًا لم يذكراه أصلا. بقوله بعد أن ينتهي من ذكر ما أغفلاه في الباب: ويلحق بهذا الباب …
وهذا الفصل، أعني الثالث هو الذي استغرق أكثر من ثلثي الكتاب المتبقي.
ثم يأتي الفصل الرابع من الكتاب والذي افتتحه الخطيب ﵀ بقوله: «ذِكرُ الفَصْل الرَابع مِنْ الكِتَاب، ويَشْتَمِلُ عَلى أَشياءَ غَامِضَةٍ قَصَّرَ الشَّيْخَان في بيانها، فَشَرَحْنَاها وَأوْضَحناهَا، وأَشْياءَ كَانَا بَيَّنَاهَا، وعَرفْنا فِيها زِيادَةً يَسْتَفِيدُها طَلَبةُ العِلم فَذَكَرْنَاها».
ثم الفصل الخامس من الكتاب والذي عنونه بقوله: «ذِكْرُ الفَصْل الخَامِس مِنْ الكتاب، وهو المُشْتَمِل على الأَحَادِيثِ التي رَواها الشَّيخَان، أو أَحَدُهُما نَازِلَةً، وَوَقَعَتْ إِلَيْنَا عَالِيَةً، والأَحَادِيثِ التي لم يَذْكُرَاها، ويَسْتَفِيدُهَا الطَّلَبَة، لِعُلُوِّها أو ضِيْقِ طُرُقِهَا».
وبالفصلين الأخيرين تظهر موهبة الخطيب الإسنادية، ومعرفته بالعلل ومراتب نقد الروايات، والضبط العالي لألفاظ متون الحديث وذلك مع ضبط رواته.
[ ١ / ٢٧ ]
وإني حقًا أستشعر في هذا الكتاب نضج الملكة العلمية عند الخطيب، والذي جعلني أرجح أنه من آخر الكتب التي صنفها ﵀، والله تعالى أعلى وأعلم.
وترجع أهمية كتاب المؤتنف إلى عدة أمور، منها:
- أنه حفظ لنا نصوصًا كثيرة من مصنفات عدة، إما فُقِدَت أو جاءت محرفة مصحفة، ككتاب المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء للآمدي، وكتاب جمهرة نسب قريش للزبير بن بكار، وكتاب المعرفة والتاريخ للفسوي، وكتاب الزهد لابن أبي حاتم، وعدة من كتب ابن أبي الدنيا، وكتاب الفوائد لتمام الرَّازِي، ومعاجم الطَّبَراني الثلاثة ومسند الشاميين له، وكتب شيخه أبي نعيم الأصبهاني، وغير ذلك مما أشرنا إليه في موضعه. والمفقود منها كتاريخ بخارى لغنجار، وبعض كتب الخطيب التي لم تصلنا.
- ضبط كثير من النصوص التي تميز الخطيب بعنايته بهذا الشأن سواء ظبطه للأعلام أو لألفاظ المتون.
- يعد كتاب الخطيب (المؤتنف) هو الأصل الذي اعتمد عليه ابن ماكولا في تصنيفه لكتاب الإكمال، بل لا أبالغ إن قلت: إنه صورة مختصرة من المؤتنف محذوفة الأسانيد.
- حفظ لنا كثيرًا من الأسانيد التي لا توجد في مكان آخر إلا عنده، فهو الإمام الرحالة المكثر.
- كون النسخة بخط مصنفها الإمام الخطيب، هذا وحده يجعل للكتاب أهمية فائقة، في الاطمئنان إلى ما جاء فيه.
[ ١ / ٢٨ ]