قصة كتاب المؤتنف ورحلته:
ولهذا الكتاب قصة لا يسعني إغفالها والحديث عنها، فهي قصة ذو شجون، تشبه قصة صاحب الكتاب، بل تشبه قصة أمتنا التي أضحت غريبة أسيرة.
فالخطيب البغدادي ﵀ خرج إلى دمشق بعد فتنة البَسَاسِيري كما سيأتي مُفَصَّلًا في ترجمته سنة أربعمائة وإحدى وخمسين، وأقام بدمشق مدة إلى أن اضْطُر للخروج منها أيضًا إلى صُور سَنة أربعمائة وتسع وخمسين، وأقام بصور إلى سنة أربعمائة واثنتين وستين، ثم حداه الشوق للرجوع إلى بلده بغداد وكأنه شعر بدنو أجله.
وكتاب المؤتنف -كما سيأتي في وصف نسخته الفريدة- أشبه بالمُسَوَّدة التي لم تُبَيَّض، والسماع الأول للكتاب والمدون على أواخر الأجزاء لم يكن إلا لرفيقه إلى بغداد في رحلة العودة الشيخ أبي منصور عبد المحسن بن محمد بن علي الشِيحِي (^١)، وأبي محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج
_________________
(١) قال الإمام الذهبي في «السير» (١٩/ ١٥٢): الإمام، المحدث، الجوال، الصدوق، أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي بن أحمد بن علي بن شهدانكه الشيحي، ثم البغدادي، الفقيه، المالكي، النصري، من محلة النصرية، التاجر، السفار. قال غيث بن علي: قال لي: ولدت في سنة ٤٢١ هـ، وسمعت في سنة ٤٢٧ هـ. سمع: أبا بكر أحمد بن محمد بن الصقر، وأبا منصور محمد بن محمد بن السواق، وغيرهما، وكتب بخطه أكثر تصانيفه. حدث عنه: الخطيب - شيخه - وأبو السعود المجلي، وغيرهما. سئل عنه إسماعيل بن محمد الحافظ، فقال: شيخ جليل فاضل ثقة. وقال أبو عامر العبدري: كان من أنبل من رأيت وأوثقه. وقال أبو علي بن سكرة: كان فاضلا نبيلا كيسا ثقة، وكان عنده أصل أبي بكر الخطيب (بتاريخ بغداد)، خصه به. قال السمعاني: هو الذي نقل الخطيب إلى العراق، = =فأهدى إليه (تاريخه) بخطه. وقال البرداني: كان أمينًا سريًا متمولًا، كتب كثيرًا، مات في جمادى الأولى، سنة تسع وثمانين وأربع مائة. اه بتصرف يسير من «سير أعلام النبلاء» للذهبي.
[ ١ / ٢٩ ]
القارئ (^١) البغداديان. وكاتب السماع هو الشيخ أبو منصور نفسه، وكان ذلك في سنة اثنتين وستين وأربعمائة بثغر صور.
ثم لما عاد إلى بغداد قرئ عليه الكتاب مرة أخرى في السنة التي مات فيها، بسماع أبي منصور وغيره الكثير مما سنورده عند ذكر السماعات.
فأرجح والله أعلم أن الخطيب ﵀ قد صنف «المؤتنف» في غربته الثانية بصور.
وما إن عاد إلى بغداد حتى وافته المنية بعد عام واحد من قدومه إليها، وكان أوصى بكتبه إلى الإمام، العالم، الحافظ، المسند، الحجة، أبو الفضل أحمد بن الحسن بن أحمد بن خيرون البغدادي، المقرئ المتوفى سنة ٤٨٨ هـ ﵀ (^٢). فكان يعيرها للطلبة للإفادة منها، فلما مات صارت إلى ابنه الفضل، واحترق بعضها في داره، ولعل القدر الناقص من أول كتاب المؤتنف -والذي سأذكر قدره تقريبًا عند الكلام عن وصف النسخة- قد احترق في هذه
_________________
(١) قال الإمام الذهبي في «تاريخ الإسلام» (١٠/ ٨٢٤) -بتصرف يسير-: سمع أبا علي بن شاذان، وأبا محمد الخلال، وعبيد اللَّه بن عمر بن شاهين وأبا بَكْر الخطيب بدمشق؛ وعبد العزيز بن الحسن الضراب، وغيرهم. وخرج له الحافظ أبو بكر الخطيب خمسة أجزاء مشهورة مروِية. روى عَنْهُ ابنه ثعلب، وإسماعيل ابن السمرقندي، وعبد الوهاب الأنماطي، وغيرهم. وكتب بخطّه الكثير، وصنَّف كتاب «مصارع العشاق»، وكتاب «حكم الصبيان»، وكتاب «مناقب السودان»، ونظم الكثير في الفقه، واللّغة، والمواعظ، وشعره حلو سهل في سائر فنون الشعر، وكان لَهُ اعتناء بالحديث، انتخب السِّلَفيّ من كتبه أجزاء عديدة. وحدَّثَ ببغداد، ودمشق، ومصر. قال شجاع الذُّهْلي: كان صدوقًا، ألّف في فنون شتى. توفي سنة ٥٠٠ هـ في صفر.
(٢) ينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ١٠٥).
[ ١ / ٣٠ ]
الحادثة (^١).
ويلاحظ من السماعات المدونة على الكتاب أن الكتاب كان يتداول بين طلبة العلم آنذاك، فأكثر السماعات الموجودة كان على الإمام عبد الوهّاب بن المبارك بن أحمد بن الحَسَن بن بُنْدار، الحافظ، أبو البركات الأنْماطيّ المتوفى سنة ٥٣٨ هـ. وكذلك الورقة الأخيرة من الكتاب هي بخط الأنماطي ذكر هو ذلك كما سيأتي في وصف النسخة، فالكتاب إذن إلى هذه السنة كان في بغداد، فالأنماطي شيخ بغداد ومفيدها (^٢).
ولا يزال الكتاب ببغداد، فيظهر لنا كذلك في السماعات أن الكتاب قرئ على أبي المعالي الفضل ابن سهل بن بِشر بن أحمد الإسفراييني المعروف بالأثير الحلبي المتوفى سنة ٥٤٨ هـ ببغداد.
وتشير وريقة من الوريقات -التي ملأ بها الخطيب كتابه، واستفاد عالم من العلماء فراغًا فيها فكتب استدراكًا على الخطيب (^٣) - أن النسخة إلى سنة ٥٧٥ هـ كانت لا تزال في بغداد، وهي السنة التي توفي فيها ذلك العالم وهو: عمر بن علي بن الخضر بن عبد الله بن علي أبو المحاسن القرشي الدِّمَشقِي الحافظ، فإن الذهبي ذكر في المختصر المحتاج إليه من تاريخ ابن الدبيثي (١٥/ ٢٨٣) أنه قال عن عمر بن علي هذا: «عالم ثقة عني بطلب الحديث وسماعه وكتابته وسمع بدمشق وحلب وحران والموصل … وقدم بغداد فِي جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة فاستوطنها …».
_________________
(١) وهذا الظن قد راح هباءً إذ أن الحافظ ابن حجر قد نقل موضعًا في «لسان الميزان» (٢/ ٢٦١) من القدر المفقود، وذلك في القرن التاسع بمصر. فيبدو أن الكتاب سلم من الحريق وجاء مصر تاما.
(٢) ينظر: «تاريخ الإسلام» (١١/ ٦٨٥).
(٣) سأذكر ذلك في وصف النسخة.
[ ١ / ٣١ ]
وينقضي ثلاثة قرون لا نعلم عن الكتاب شيئًا، ولا إلى أين حط به رحله، فإذا بالحافظ أبي شهاب أحمد بن علي العسقلاني المصري المعروف بابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ هـ يقول في كتابه «لسان الميزان» (٦/ ٣١٢) في ترجمة غياث بن كلوب (^١): «وأبوه بالكاف ورأيته بخط الحسيني بالحاء المهملة والصواب بالكاف كذا قرأته بخط الخطيب في المؤتلف وكناه أبا المثنى، فالله أعلم».
وقال في (٧/ ٣٩): «ووجدت بخط الحافظ أبي بكر الخطيب في كتاب المؤتلف له: أخبرنا أبو الحسن محمد بن عمر بن عيسى البلدي …» (^٢).
وقال في كتاب «الإصابة في تمييز الصحابة» (٢/ ١٧٣) في ترجمة جحدم الحُمسي: «بضم المهملة، وسكون الميم بعدها مهملة، كذا قرأته بخط الخطيب في المؤتلف» (^٣).
وقال في (٤/ ٤٨٦): «سنبر بوزن جعفر بنون وموحدة الإراشي بكسر الهمزة وتخفيف الراء وبالمعجمة رأيته بخط الخطيب مضبوطا … وذكره الخطيب في المؤتلف لكنه قال الأبواشي قرأت ذلك بخطه» (^٤)
وقال في (١٠/ ٢٢٢) في ترجمة معاوية بن حزن: «كذا بخطه -يعني الخطيب- معاوية بن حزن مجودة وعمل على حزن ضبة» (^٥).
وأكتفي بذكر هذه المواضع من كتب ابن حجر ﵀ وهناك مواضع أخرى لكن قد تمت الفائدة بذلك، فالكتاب إذن قد استقر بمصر إلى القرن التاسع كاملا.
_________________
(١) ينظر ترجمته في هذا الكتاب رقم (١٠١٤).
(٢) ينظر حديث (١٠١٤).
(٣) وهذه الترجمة مما ضاع من الكتاب.
(٤) ينظر ترجمة (٦٧٥).
(٥) وهي في النسخة كذلك كما أشار الحافظ وينظر ترجمة رقم (٩٥٠).
[ ١ / ٣٢ ]
ولا نعلم بعد ذلك مصير الكتاب إلى أن وقع أسيرًا في يد أعداء هذه الأمة من أجهزة الاستشراق، والكلام عن ذلك طويل الذيل واللصوص كُثُر، والذي يعنينا هنا هو لص واحد والذي حُفِظ كتاب الخطيب -بعد أن ضاع نصفه الأول تقريبًا- تحت اسمه.