منهجي في تحقيق كتاب المؤتنف:
لا يَخفى على كل مُشْتَغِل بصَنعَة التحقيق: أن العمل على نسخة خَطِّية واحدة هو من الصعوبة بمكان، بحيث أنه إذا أُشكِل شيء في المخطوط، فلا سبيل يُرجع إليه لحل ذلك الإشكال، وكتاب «المؤتنف» -فيما نعلم- لا يوجد منه سوى تلك النسخة الفريدة التي وصفناها قبل ذلك، والتي تمثل النصف الأخير من الكتاب، غير أنها امتازت بأن ناسخها هو مصنفها الإمام الخطيب الذي قيل عنه وهو كذلك: «وكتابة الخطيب مليحة مفسرة، كاملة الضبط».
وأنه «حسن النقل والخط، كثير الشكل والضبط».
فلم أجد عناءًا في ذلك مطلقًا، لكن طريقة نسخ الخطيب للكتاب وكونه أشبه بالمسودة فكثرت فيه الحواشي والإحالات، -ومعلوم أن أول ما يتلف من ورق المخطوط حواشيه-، فقد صعب علي في كثير من الأحيان قراءة ما في الحواشي، لكني عاينت من توفيق الله الكثير في حل ألفاظ تلك الحواشي.
ثم إن منهجي في تحقيق هذا الكتاب يتمثل فيما يلي:
١ - بعد أن قام أخي أبو القاسم بنسخ الكتاب على ما ذكرت في أول المقدمة، طابقت المنسوخ على المخطوط، طابق معي أبو القاسم جزءا منه، ثم طابقت الباقي بمفردي مستعينًا بالله تعالى كلمة كلمة.
٢ - أثبت جميع ضبط الخطيب الذي ضبط به الكتاب وزدت عليه بنفسي ما رأيت في زيادته فائدة، فخرج الكتاب بنسبة كبيرة مضبوطًا بالشكل أجمع.
٣ - وحيث أن الكتاب لا نُسخ له غير هذه، فإني قمت بمطابقة كل
[ ١ / ٦٤ ]
النصوص التي نقلها الخطيب من مصنفات قبله وهي مطبوعة، وأشرت إلى ذلك في موضعه. واضعًا بذلك إشارة الحاشية عند المصنف الذي ورد ذكره في السند، كالطيالسي، والبخاري في التاريخ الكبير، ويعقوب بن سفيان، وتمام الرَّازِي، والطَّبَراني، وأبي نعيم الأصبهاني، والمحاملي، وابن بشران، والبغوي، والإسماعيلي، وغيرهم.
٤ - كذلك رجعت إلى المصادر التي نقلت من الخطيب وطابقت ما نقلوه بما عندي في المخطوط كتاريخ ابن عساكر مثلا والذي نقل جملة لا بأس بها من الكتاب.
وكذلك رجعت إلى كتب الخطيب الأخرى التي كرر فيها ما ذكره في كتاب المؤتنف.
٥ - خرجت جميع ما وقفت عليه من أسانيد الكتاب، من المصادر الأخرى، التي شاركت الخطيب في رواية ما روى، بادئا بالنازل منها، فأبدأ أولا بذكر من أخرج ذلك من طريق الخطيب، ثم بمن شاركه عن شيوخه كالبيهقي مثلا، ثم بمن أخرجه من طريق شيوخ شيوخه وهكذا أبدأ بالمصدر النازل.
٦ - كان توثيق الكتاب يمثل عندي الجانب الأهم، لذلك خرجت الكتاب بالصورة التي ذكرت آنفًا، ولم أتعرض لتصحيح أو تضعيف، فليس هذا من شأن هذا الكتاب، ولا غيره ممن صنف لأجله. لذلك فأنا لم أخرج المتن، فلو أن المتن في الصحيحين ولكن من غير هذا الطريق الذي أخرجه الخطيب فإني أتجنب تخريجه منهما.
٧ - أما بخصوص تراجم الكتاب والتي بلغت ألفا وخمسمائة وإحدى عشرة ترجمة فقد ربطتها جميعًا بكتاب ابن ماكولا «الإكمال»، سوى التي
[ ١ / ٦٥ ]
تنكبها ابن ماكولا فلم يذكرها في كتابه، فربطتها ببعض الكتب التي أخرجتها كتاريخ البخاري الكبير، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والثقات والمجروحين لابن حبان وغيرها من كتب التراجم، وقد اكتفيت في كثير من الأحيان بذكر مصدرين أو ثلاثة خشية الإطالة، وانتقيت المصادر التي ذكرتها انتقاءًا إما لصلتها بالكتاب، وإما لتقدمها على غيرها وشهرتها.
٨ - كذلك خرجت من كتابي الشيخين أعني: الدارقطني والأزدي كل ما عزاه لهما أثناء استدراكه عليهما.
٩ - قد ذكرت أني ضبطت أكثر الكتاب بالشكل، لكني أوليت الأنساب العناية الأكبر في ذلك، فلن تجد -بإذن الله- نسبة في هذا الكتاب إلا مضبوطة، قد رجعت في ضبطها -حتى وإن ضبطها الخطيب- إلى كتب الأنساب والبلدان وغيرها ممن له عناية بضبط ذلك.
١٠ - وضعت أرقامًا للأعلام المترجمين في الكتاب لسهولة الرجوع إليها والتي بلغت ١٥١١ ترجمة، كا وضعت أرقاما أيضًا للأسانيد والتي بلغت ١٨٧١ إسنادًا.
١١ - صنعت مجموعة من الفهارس الفنية التي تعين على الوصول إلى الفائدة من الكتاب كفهرس للآيات، وآخر للأحاديث والآثار، والأعلام المترجمين، وأسماء الكتب الواردة في الكتاب، والأشعار وغير ذلك. ساعدني في بعضها أخي وتلميذي أبو القاسم الكفافي حفظه الله ونفع به.
١٢ - ما مر من عمل -سوى نسخ المخطوط وصناعة بعض الفهارس- قمت به بمفردي مستعينًا بالله تعالى على ذلك، ولا أقول ذلك تبجحًا ولا فخرًا ولا رياءًا عياذًا بالله ربي، ولكنه الواجب الذي قصر فيه كثير من المشتغلين بهذا الأمر، فصار أحدهم لا يقوم بشيء من العمل في الكتاب
[ ١ / ٦٦ ]
سوى النظر فيه النظرة الأخيرة -إن فعل- قبل أن يخرج للناس، فيكل المطابقة لشخص، والضبط لآخر، والتخريج ربما لامرأته، والتنسيق لمكتب التنضيد، … فهذه كلها أشياء يربأ الإمام المحقق بنفسه أن يخوض فيها! ثم إن هذا سيضيع وقته الثمين الذي تحتاجه الأمة ليغشها بكتاب آخر من تحقيقه!! ألا فليتق الله من يفعل ذلك، ويعلم أنه داخل تحت قول النبي ﷺ «المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» أخرجه البخاري.
ولا يعفيه من ذلك كتابة قائمة بأسماء المشاركين له في العمل في طيات المقدمة، فقليل من الناس من يقرأ مقدمات التحقيق، ألا وليعلم أن ما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل.
وإني لأحمد ربي ﷿ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه أن وفقني لتحقيق هذا الكتاب النافع الماتع الذي ما استفدت من كتاب حققته كما استفدت من هذا الكتاب، وأحمده تعالى أن وفقني لصحبة الإمام الخطيب ما يقرب من عام كامل، فتحقيق كتاب بخط صاحبه يشعرك أنك معه يحادثك وتحادثه، ويفيدك وتستفيد منه، ويؤنسك وتؤنسه، فاللهم لك الحمد على ما وفقت.
وعملا بحديث رسول الله ﷺ: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» الذي أخرجه أبو داود والترمذي.
فإني أوجه شكري أولا للشيخ الكريم أبي عاصم إبراهيم نجم الدين أستاذنا في دار هجر الذي دلني على الكتاب قبل خمسة عشر عامًا فاللهم بارك له في عمره وعلمه وأهله.
وصديقي وخليلي الدكتور عمرو مبروك الذي سعى لي في تصوير الكتاب ملونا من مكتبة الدولة ببرلين، فجزاه الله عني خيرًا وسدد خطاه وألهمه رشده.
[ ١ / ٦٧ ]
ثم أشكر تلميذي وصاحبي أبا القاسم إسلام الكفافي الذي نسخ الكتاب، وراجعه معي دون كلل أو ملل، وكان له نظر صائب في مواضع شتى، فجزاه الله خيرًا ونفع به ورزقه العلم النافع والعمل الصالح.
ولا أزال، ولن أزال إن شاء الله تعالى أشكر ولا أنسى فضل شيخي الكريمين العالمين أبي إسحاق الحويني، والدكتور أبي محمد أحمد معبد عبد الكريم حفظهما الله وفَسَح في مدتهما ومتعنا ببقائهما ونفع بهما البلاد والعباد، فمنهما تعلمت وبكلامهما تأثرت فأنتجت، وأنا أسأل الله بعد رضاه، أن يرضيهما عني وعن عملي، وأن يجعلني عند حسن ظنهما.
وإني في الختام لا أَدَّعي لنفسي عِصمة، ولا أُسَلِّم قولي عن وَصْمة، فالمعصوم السالم هو كتاب الله المجيد الذي لا ريب فيه، وكل كتاب سواه عرضة للريب والتحريف.
فأسأل الله تعالى أن يقبل مني صوابه، ويتجاوز لي عن خطئه؛ إنه بكل جميل كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله أولا وآخرًا ظاهرًا وباطنًا.
وكَتبهُ
أبو عاصم الشَّوَامِي محمد بن محمود بن إبراهيم.
القاهرة.
في الثامن عشر من شهر الله المحرم سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وألف
من هجرة النبي ﷺ.
[ ١ / ٦٨ ]