ترجمة الإمام الخطيب صاحب الكتاب:
هو: الإمام الأوحد، العلامة المفتي، الحافظ الناقد، محدث الوقت، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، صاحب التصانيف، وخاتمة الحفاظ.
ولد: سنة اثنتين وتسعين وثلاث مائة.
وكان أبوه أبو الحسن خطيبًا بقرية دَرْزِيجَان، وممن تلا القرآن على أبي حفص الكَتَّاني، فَحَضَّ ولدَه أحمد على السماع والفقه، فسمع وهو ابن إحدى عشرة سنة، وارتحل إلى البصرة وهو ابن عشرين سنة، وإلى نيسابور وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وإلى الشام وهو كَهل، وإلى مكة، وغير ذلك.
وكتب الكثير، وتقدم في هذا الشأن، وبَذَّ الأقران، وجمع وصنف وصَحَّح وعَلَّل، وجَرَّح وعَدَّل، وأَرَّخ وأَوْضَح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق (^١).
ولعل لقب الخطيب انتقل إليه من والده.
وذكر الخطيبُ نفسُه في ترجمة هلال بن عبد الله بن محمد أبو عبد الله الطِّيْبي: أنه مؤدبه، وقال: كتبت عَنْهُ، وكان سماعه صحيحًا. وقال: مات مؤدبي أَبُو عَبْد الله الطيبي فِي سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة (^٢).
أما الحديث وسماعه فكان مبدأه سنة ثلاث وأربعمائة، وهو ابن إحدى عشرة سنة على أول شيوخه محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق، يعرف بابن رزقويه، المتوفى في سنة أربعمائة واثني عشر، كتب عنه مجلسًا
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٠).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٦/ ١١٧).
[ ١ / ٤٥ ]
واحدًا، ثم انقطع عنه، ثم عاد بعد ثلاث سنوات يعني سنة ست وأربعمائة، فلزمه حتى مات، وكان قد كف بصره ﵀ (^١).
ويبدو أنه في هذه السنوات الثلاث التي انقطع فيها عن ابن رزقويه كان قد استهواه الفقه، يقول الأستاذ يوسف العش في كتابه المبهر عن الخطيب: «فإن هجر كتابة الحديث ثلاث سنوات فهو لا يفتأ يتردد إلى مجالس كبار الفقهاء كأبي حامد الإسفراييني، يراه غير مرة ويحضر تدريسه بمسجد عبد الله بن المبارك في صدر قطيعة الربيع» (^٢).
ويموت الإسفراييني سنة ست وأربعمائة، فينتقل الخطيب إلى تلميذه أبي الحسن أحمد بن محمد الضبي المحاملي، فيقول الخطيب في ترجمته من التاريخ: «أحد الفقهاء المجودين عَلَى مذهب الشافعي، وكَانَ قد درس عَلَى أَبِي حامد الإسفراييني، وبرع في الفقه، ورزق من الذكاء وحسن الفهم ما أربى بِهِ عَلَى أقرانه، ودرس في حياة أَبِي حامد، وبعده، واختلفت إليه في درس الفقه، وهو أول من علقت عنه» (^٣).
ويموت المحاملي سنة ٤١٥ هـ، ويلزم الخطيب شيخه الحقيقي في الفقه الذي اشتهر بتلمذته له القاضي أبا الطيب الطَّبَري طاهر بن عبد الله بن طاهر ابن عمر المتوفى سنة ٤٥٠ هـ، فيقول في ترجمته: «اختلفت إليه وعلقت عنه الفقه سنين عدة … ويقول: كان أبو الطيب الطَّبَري ثقة، صادقًا دينًا، ورعًا، عارفًا بأصول الفقه وفروعه، محققًا في علمه، سليم الصدر حسن الخلق، صحيح المذهب، جيد اللسان، يقول الشعر على طريقة الفقهاء» (^٤).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٢١٢).
(٢) «الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد ومحدثها» ليوسف العش (ص ١٨).
(٣) «تاريخ بغداد» (٦/ ٢٥).
(٤) «تاريخ بغداد» (١٠/ ٤٩٢).
[ ١ / ٤٦ ]
لكنه لا يلبث حتى يعود مرة أخرى إلى مبتغاه الأول: الحديث الذي لم يتركه حتى وافته المَنية، ويدلك على ذلك رحلته في طلبه، والإكثار من السماع من شيوخه، يقول الإمام الذهبي ﵀: «سمع: أبا عمر بن مهدي الفارسي، وأحمد بن محمد بن الصلت الأهوازي، وأبا الحسين بن المتيم، وحسين بن الحسن الجواليقي ابن العريف يروي عن ابن مخلد العطار، وسعد بن محمد الشيباني، سمع من أبي علي الحصائري، وعبد العزيز ابني محمد الستوري، حدثه عن إسماعيل الصفار، وإبراهيم بن مخلد بن جعفر الباقرحي، وأبا الفرج محمد بن فارس الغوري، وأبا الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التَّمِيمي، وأبا بكر محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي، ومحمد بن عمر بن عيسى الحطراني، حدثه عن أحمد بن إبراهيم البلدي، وأبا نصر أحمد بن محمد بن أحمد بن حسنون النرسي، وأبا القاسم الحسن بن الحسن بن المنذر، والحسين بن عمر بن بَرْهَان، وأبا الحسن بن رزقويه، وأبا الفتح هلال بن محمد الحفار، وأبا الفتح بن أبي الفوارس، وأبا العلاء محمد بن الحسن الوراق، وأبا الحسين بن بشران.
وينزل إلى أن يكتب عن عبد الصمد بن المأمون، وأبي الحسين بن النقور، بل نزل إلى أن روى عن تلامذته كنصر المقدسي، وابن ماكولا، والحميدي، وهذا شأن كل حافظ يروي عن الكبار والصغار.
وسمع بعكبرا من: الحسين بن محمد الصائغ حدثه عن نافلة علي بن حرب.
ولحق بالبصرة أبا عمر الهاشمي شيخه في السنن، وعلي بن القاسم الشاهد، والحسن بن علي السابوري، وطائفة.
وسمع بنيسابور: القاضي أبا بكر الحِيْري، وأبا سعيد الصَيرفي، وأبا
[ ١ / ٤٧ ]
القاسم عبد الرحمن السراج، وعلي بن محمد الطرازي، والحافظ أبا حازم العبدوي، وخلقًا.
وبأصبهان: أبا الحسن بن عبدكويه، وأبا عبد الله الجمال، ومحمد بن عبد الله بن شهريار، وأبا نعيم الحافظ (^١).
وبالدينور: أبا نصر الكسار.
وبهمذان: محمد بن عيسى، وطبقته.
وسمع بالري والكوفة وصور ودمشق ومكة.
وكان قدومه إلى دمشق في سنة خمس وأربعين، فسمع من محمد بن عبد الرحمن بن أبي نصر التَّمِيمي، وطبقته.
واستوطنها، ومنها حج، وقرأ صحيح البخاري على كريمة في أيام الموسم.
وأعلى ما عنده حديث مالك، وحماد بن زيد، بينه وبين كل منهما ثلاثة أنفس» (^٢).
وكان الخطيب ﵀ نهما في قراءة الكتب والأجزاء على الشيوخ، شديد
_________________
(١) قلت: وبواسطة الأخيرين يروي عن الطَّبَراني سليمان بن أحمد، وكان شيخه البرقاني كتب له إلى أبي نعيم قائلا: «وقد نفذ إلى ما عندك عمدًا متعمدًا أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت- أيده الله وسلمه- ليقتبس من علومك، ويستفيد من حديثك، وهو بحمد الله ممن له في هذا الشأن سابقة حسنة، وقدم ثابت، وفهم به حسن. وقد رحل فيه وفي طلبه وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له، وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك، مع التورّع والتحفظ وصحة التحصيل، ما يحسن لديك موقعه، ويجمل عندك منزلته. وأنا أرجو إذا صحت منه لديك هذه الصفة أن يلين له جانبك، وأن تتوفر له وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار، أو زيادة في الاصطبار، فقديما حمل السلف عن الخلف ما ربما ثقل، وتوفروا على المستحقّ منهم بالتخصيص والتقديم والتفضيل ما لم ينله الكلّ منهم». ينظر «معجم الأدباء» لياقوت (١/ ٣٩٥).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧١).
[ ١ / ٤٨ ]
الجلد في ذلك، فيقول في ترجمة شيخه إسماعيل بن أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن الضَّرِير الحيري النيسابوري: «ولما ورد بغداد كان قد اصطحب معه كتبه عازمًا على المجاورة بمكة وكانت وِقْر بَعير وفي جملتها (صحيح البخاري)، وكان سمعه من أبي الهيثم الكُشْمِيْهَنِي، عن الفِرَبْرِي، فلم يُقْض لقافلة الحجيج النفوذ في تلك السنة؛ لفساد الطريق ورجع الناس فعاد إسماعيل معهم إلى نيسابور، ولما كان قبل خروجه بأيام، خاطبته في قراءة كتاب (الصحيح) فأجابني إلى ذلك فقرأت جميعه عليه في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين، كنت أبتدأ بالقراءة وقت صلاة المغرب وأقطعها عند صلاة الفجر، وقبل أن أقرأ المجلس الثالث عبر الشيخ إلى الجانب الشرقي مع القافلة ونزل الجزيرة بسوق يحيى، فمضيت إليه مع طائفة من أصحابنا كانوا حضروا قراءتي عليه في الليلتين الماضيتين، وقرأت عليه في الجزيرة من ضحوة النهار إلى المغرب، ثم من المغرب إلى وقت طلوع الفجر، ففرغت من الكتاب، ورحل الشيخ في صبيحة تلك الليلة مع القافلة» (^١).
أما تلاميذه والآخذين عنه فنذكر جملة ما ذكره الإمام الذهبي في ترجمته، فيقول:
«حدث عنه: أبو بكر البَرْقاني؛ وهو من شيوخه، وأبو نصر بن ماكولا، والفقيه نصر، والحميدي، وأبو الفضل بن خَيرون، والمبارك بن الطيوري، وأبو بكر بن الخَاضِبة، وأُبَيٌّ النرسي، وعبد الله بن أحمد بن السمرقندي، والمرتضى محمد بن محمد الحسيني، ومحمد بن مرزوق الزعفراني، وأبو القاسم النسيب، وهبة الله بن الأكفاني، ومحمد بن علي بن أبي العلاء المِصِّيصي، وغيث بن علي الأرمنازي، وأحمد بن أحمد المتوكلي، وأحمد
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٧/ ٣١٨).
[ ١ / ٤٩ ]
ابن علي بن المجلي، وهبة الله بن عبد الله الشُروطي، وأبو الحسن بن سعيد، وطاهر بن سهل الإسفراييني، وبركات النجاد، وعبد الكريم بن حمزة، وأبو الحسن علي بن أحمد بن قبيس المالكي، وأبو الفتح نصر الله بن محمد المصيصي، وقاضي المارستان أبو بكر، وأبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن السمرقندي، وأبو بكر محمد بن الحسين المَزْرَفي، وأبو منصور الشيباني؛ راوي تاريخه، وأبو منصور بن خيرون المقرئ، وبدر بن عبد الله الشِيْحِي، والزاهد يوسف بن أيوب الهمذاني، وهبة الله بن علي المجلي، وأخوه أبو السعود أحمد، وأبو الحسين بن أبي يَعْلى، وأبو الحسين بن بُويه، وأبو البدر الكرخي، ومفلح الدومي، ويحيى بن الطراح، وأبو الفضل الأرموي، وعدد يطول ذكرهم» (^١).
رحلته إلى الحج:
يقول الخطيب في ترجمة شيخه عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن محمد ابن أحمد أبو القاسم الأصبهاني المعروف بالرقاعي: «مات أبو القاسم الرقاعي ببغداد في شهر رمضان من سنة خَمس وأربعين وأربع مائة، وكنت إذ ذاك في برية السماوة قاصدًا دمشق، لما خرجت إلى الحج».
فهذا يعني أنه خرج إلى الحج وعمره ثلاث وخمسين سنة، وفي مكة التقى بأبي عبد الله القضاعي المصري محمد بن سلامة بن جعفر مصنف مسند الشهاب، وصحبه من مكة إلى مدينة رسول الله ﷺ، وروى عنه في طريقهما إلى المدينة، وفي المدينة لما وصلا في مسجد النبي ﷺ (^٢).
وقرأ في هذه الرحلة «صحيح البخاري» مرة أخرى على كريمة بنت
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٣).
(٢) ينظر: حديث رقم (١٦٩٨) من كتابنا هذا المؤتنف، وحديث رقم (١٧١٩).
[ ١ / ٥٠ ]
أحمد المروزية في خمسة أيام (^١).
ولا نستطيع هنا أن نغفل دعوته التي استجيبت في مكة، فيروي ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (^٢) بسنده إلى ابن خيرون: «أن أبا بكر الخطيب كان يذكر أنه لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات وسأل الله ﷿ ثلاث حاجات آخذًا بقول رسول الله ﷺ: ماء زمزم لما شرب له، فالحاجة الأولى: أن يحدث بتاريخ بغداد ببغداد، والثانية: أن يُمْلِي الحديثَ بجامع المنصور، والثالثة: أن يُدْفَن إذا مات عند قبر بشر الحافي.
فلما عاد إلى بغداد حدث بالتاريخ بها ووقع إليه جزء فيها سماع الخليفة القائم بأمر الله فحمل الجزء ومضى إلى باب حجرة الخليفة وسأل أن يؤذن له في قراءة الجزء، فقال الخليفة هذا رجل كبير في الحديث وليس له إلى السماع مني حَاجة، ولعل له حاجة أراد أن يتوصل إليها بذلك، فسلوه ما حاجته فَسُئِل فقال: حاجتي أن يؤذَن لي أن أملي بجامع المنصور، فتقدم الخليفة إلى نَقِيب النقباء بأن يُؤْذَن له في ذلك، فحضر النقيب وأملى الخَطِيبُ في جامع المنصور، ولما مات أرادوا دفنه عند قبر بشر، فَجَرى في ذلك ما ذكر شيخنا أبو البركات إسماعيل بن أبي سعد الصوفي المعروف بشيخ الشيوخ قال: لما توفي أبو بكر الخطيب الحافظ أوصى أن يدفن إلى جانب بشر بن الحارث ﵀ وكان الموضع الذي بجنب بشر قد حفر فيه أبو بكر أحمد بن علي الطُرَيْثِيثي قبرًا لنفسه، وكان يمضي إلى ذلك الموضع ويختم فيه القرآن ويدعو، فمضى على ذلك عدة سنين فلما مات الخطيب سألوه أن يدفنوه فامتنع، وقال: هذا قبري قد حفرته وختمت فيه عدة ختمات، لا أُمَكِّنُ أحدًا
_________________
(١) ينظر: «المنتظم» لابن الجوزي (١٦/ ١٢٩).
(٢) «تاريخ دمشق» (٥/ ٣٤).
[ ١ / ٥١ ]
مِنْ الدفن فيه، وهذا مما لا يتصور، فانتهى الخبر إلى والدي ﵀ فقال له: يا شيخ لو كان بشر بن الحارث الحافي في الأحياء، ودخلت أنت والخطيب عليه، أيكما كان يقعد إلى جانبه أنت أو الخطيب؟ قال: لا بل الخطيب. فقال كذا ينبغي أن يكون في حالة الممات، فإنه أحق به منك، فطاب قلبه ورَضِي بأن يدفن الخطيب في ذلك الموضع فدفن».
ويستجيب الله دعاءه في الثلاث دعوات التي دعا بهن في حجه عند شربه من ماء زمزم.
عاد الخطيب مرة أخرى إلى بغداد، وصار له مكانة عند الوزير أبي القاسم ابن المُسلمة وذلك أن بعض اليهود أظهر كتابًا وادَّعى أنه كتاب رسول الله ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادات الصحابة، وأن خط علي بن أبي طالب فيه، فعرضه رئيس الرؤساء ابن المسلمة على أبي بكر الخطيب، فقال: هذا مُزَوَّر. قيل: من أين لك؟ قَالَ: في الكتاب شهادةُ معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح، وخيبر كانت في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ وكان قد مات يوم الخندق. فاستحسن ذلك منه (^١).
حتى أنه تقدّم إلى القصّاص والوعّاظ أن لا يورد أحد حديثًا عن رسول الله ﷺ حتى يعرضه على أبي بكر الخطيب، فما أمرهم بايراده أوردوه، وما منعهم منه ألغوه (^٢).
محنته:
لكن لم تدم تلك المكانة والوجاهة للخطيب، فقد قتل الوزير بن المسلمة، قتله أَبُو الحارث البساسيري التركي، وصلبه فِي يوم الإثنين الثامن
_________________
(١) ينظر: «المنتظم» لابن الجوزي (١٦/ ١٢٩).
(٢) ينظر: «معجم الأدباء» لياقوت (١/ ٣٨٦).
[ ١ / ٥٢ ]
والعشرين من ذي الحجة سنة خمسين وأربع مائة (^١).
وبموت الوزير ابن المسلمة، لم يعد للخطيب أمن في بغداد، إذ طمع في أعداؤه من الحنابلة وتجرءوا عليه، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: «كان أبو بكر الخطيب قديمًا على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابُنا لما رأوا من ميله إلى المبتدعة، وآذوه» (^٢).
خروجه من بغداد:
فاضطر الخطيب للخروج من بغداد، يقول: «وخرجت من بغداد يوم النصف من صفر سنة إحدى وخمسين» (^٣).
يقول ابن كثير: «ولما وقعت فتنة البساسيري ببغداد سنة خمسين، خرج منها إلى الشام، فأقام بدمشق بالمئذنة الشرقية من جامعها وكان يقرأ على الناس الحديث النبوي» (^٤).
وطاب له المقام بدمشق حتى بعد أن قُضي على البساسيري في آخر السنة التي خرج فيها الخطيب من بغداد، فكما مر آنفًا فإنه أقام بالمئذنة الشرقية من جامع دمشق يقرأ على الناس الحديث، وكان ﵀ جهوري الصوت يسمع صوته من أرجاء الجامع كلها.
يقول أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي اللغوي: «لما دخلت دمشق في سنة ست وخمسين، كان بها إذا ذاك الإمام أبو بكر الحافظ، وكانت له حلقة كبيرة يجتمعون في بُكْرة كلِّ يوم فيقرأ لهم، وكنت أقرأ عليه الكتب الأدبية المسموعة له، فكان إذا مر في كتابه شيءٌ يحتاج إلى إصلاح يصلحه
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٧).
(٢) ينظر: «المنتظم» لابن الجوزي (١٦/ ١٣٢).
(٣) «تاريخ بغداد» (١١/ ٥١).
(٤) «البداية والنهاية» (١٦/ ٢٩).
[ ١ / ٥٣ ]
ويقول: أنت تريد مني الرواية وأنا أريد منك الدراية، وكنت أسكن منارة الجامع، فصعد إليّ يومًا وسط النهار وقال: أحببت أن أزورك في بيتك، وقعد عندي وتحدثنا ساعة، ثم أخرج قرطاسًا فيه شيء وقال لي: الهدية مستحبّة وأسألك أن تشتري به الأقلام، ونهض ففتحت القرطاس بعد خروجه فإذا فيه خمسة دنانير صحاح مصرية، ثم إنه مرة ثانية صعد وحمل إليِّ ذَهَبًا وقال لي: تشتري به كَاغدًا، وكان نحوًا من الأول أو أكثر، قال: وكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يسمع صوته في آخر الجامع، وكان يقرأ معربًا صحيحًا» (^١).
خروجه من دمشق:
ويظل مقامه آمنا في دمشق ينعم فيها بالدرس والإقراء زهاء ثماني سنين، حتى تعرض له محنة أخرى تضطره إلى الخروج من دمشق التي ألفها وطاب له المقام بها.
قال ابن طاهر في المنثور: «حدثنا مكي بْن عَبْد السلام الرُمَيلي قال: كان سبب خروج أَبِي بَكْر الخطيب من دمشق إِلَى صور أنه كان يختلف إليه صبي مليح، سماه مكي، فتكلم الناس فِي ذلك. وكان أمير البلد رافضيًا متعصبًا، فبلغته القصة، فجعل ذلك سببًا للفتك به، فأمر صاحب شرطته أن يأخذ الخطيب بالليل ويقتله. وكان صاحب الشرطة سُنِّيا، فقصده تلك الليلة مع جماعة ولم يمكنه أن يخالف الأمير فأخذه، وقال: قد أُمِرتُ فيك بكذا وكذا، ولا أجدُ لك حيلةً إلا أني أعبر بك عند دار الشريف ابن أبي الجن العلوي، فإذا حاذيت الباب، اقفز وادخل الدار، فَإِنِّي لا أطلبك، وأرجع إِلَى الأمير، فَأَخْبَرَه بالقصة. ففعل ذَلِكَ، ودخل دار الشريف، فأرسل الأمير إِلَى الشريف أن يبعث به، فقال: أيها الأمير، أنت تعرف اعتقادي فِيهِ وَفِي أمثاله، وليس فِي
_________________
(١) «معجم الأدباء» لياقوت (١/ ٣٩٢).
[ ١ / ٥٤ ]
قتله مصلحة، هَذَا مشهور بالعراق، إن قتلته قتل به جماعة من الشيعة، وخربت المشاهد. قال: فَمَا ترى؟ قال: أرى أن يخرج من بلدك. فأمرَ بإخراجه، فراح إِلَى صور، وبقي بها مدّة» (^١).
وكان خروجه من دمشق في يوم الاثنين الثامن عشر من صفر سنة تسع وخمسين وأربعمائة قاصدًا إلى صور وأقام بها وكان يسافر إلى القدس ويعود إليها ثم خرج من صور في أواخر شهور سنة اثنتين وستين وأربعمائة وتوجه إلى طرابلس وإلى حلب وأقام في كل واحد من البلدين أيامًا يسيرة ثم انتقل إلى بغداد (^٢).
رجوعه إلى بغداد:
أقام في صور ثلاث سنوات لا يمل ولا يفتر من الإقراء والتحديث، والسماع المدون على كتابنا هذا المؤتنف شاهد على ذلك، ثم حداه الشوق إلى الرجوع إلى وطنه والذي شرب من ماء زمزم ودعا ربه أن يحدث بتاريخه فيه = بغداد، فخرج من صور سنة اثنتين وستين وأربعمائة بصحبة تلميذه وصاحبه أبي منصور عبد المحسن بن محمد بن علي الشيحي، وقد ذكرت ترجمته فيما مضى، فهو الذي نقل الخطيب إلى بغداد وتعهده وكان عديله في سفرته وقال: كنت عديل أبي بكر الخطيب من دمشق إلى بغداد، فكان له في كل يوم وليلة ختمة، لذلك خصه الخطيب بأصل تاريخه بخطه (^٣).
ويعود إلى بغداد قبل وفاته بسنة واحدة (^٤) ويحدث بتاريخ بغداد فيها،
_________________
(١) «تاريخ الإسلام» للذهبي (١٠/ ١٨٣).
(٢) «تاريخ دمشق» لابن عساكر (٥/ ٤٠).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٩)، و(١٩/ ١٥٣).
(٤) ينظر: «المنتظم» لابن الجوزي (١٦/ ١٣٢).
[ ١ / ٥٥ ]
ويُسمِع الحديث بجامع المنصور وذلك الذي دعا به في حجه.
مرضه ووفاته:
ويقول مَكِّي الرُمَيْلي: مرض الخطيب في نصف رمضان (^١)، إلى أن اشتد الحال به في غرة ذي الحجة، وأوصى إلى ابن خيرون، ووقف كتبه على يده، وفرق جميع ماله في وجوه البر وعلى المحدثين (^٢).
وتوفي في رابع ساعة من يوم الاثنين سابع ذي الحجة من سنة ثلاث وستين، ثم أخرج بكرة الثلاثاء، وعبروا به إلى الجانب الغربي، وحضره القضاة والأشراف والخلق، وتقدم في الإمامة أبو الحسين بن المهتدي بالله، فكبر عليه أربعًا، ودفن بجنب قبر بشر الحافي (^٣) وقال ابن خيرون: مات ضحوة الاثنين، ودفن بباب حرب. وتصدق بماله وهو مئتا دينار، وأوصى بأن يتصدق بجميع ثيابه، ووقف جميع كتبه، وأخرجت جنازته من حجرة تلي النظامية، وشَيَّعه الفقهاء والخلق، وحملوه إلى جامع المنصور، وكان بين يدي الجنازة جماعة ينادون: هذا الذي كان يَذُبُّ عن النبي ﷺ الكَذِب، هذا الذي كان يحفظ حديثَ رسول الله ﷺ. وخُتِم على قبره عدة ختمات (^٤).
_________________
(١) قلت: وهو مع مرضه لا يفتر عن الإسماع، ويظهر ذلك في السماع المدون على كتابنا هذا المؤتنف والذي استمر إلى يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان.
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٦).
(٣) في قصة مرت معنا.
(٤) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٦).
[ ١ / ٥٦ ]
مصنفات الخطيب:
يقول الحافظ السلفي:
تصانيف ابن ثابت الخطيب … ألذ من الصبا الغض الرطيب
يراها إذ رواها من حواها … رياضا للفتى اليقظ اللبيب
ويأخذ حسن ما قد صاغ منها … بقلب الحافظ الفطن الأريب
فأية راحة ونعيم عيش … يوازي كتبها بل أي طيب (^١)
وحق له أن يقول ذلك، فتصانيف الخطيب قد أبهرت حتى خصومه والغاضين من شأنه.
يقول الذهبي: تناكد ابن الجوزي ﵀ وغض من الخطيب، ونسبه إلى أنه يتعصب على أصحابنا الحنابلة (^٢).
وها هو ابن الجوزي يقول بعد ذكره قائمة من مصنفات الخطيب: «فهذا الذي ظهر لنا من مصنفاته، ومن نظر فيها عرف قدر الرجل وما هيئ له مما لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره».
ويقول ابن الجوزي أيضا: «وكان حريصًا على علم الحديث، وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه، وكان حسن القراءة، فصيح اللهجة، وعارفًا بالأدب، يقول الشعر الحسن.
أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم الصائغ قَالَ: أنبأنا أبو بكر الخطيب أنه قال لنفسه:
لعمرك ما شجاني رسم دار … وقفت به ولا ذِكر المغاني
ولا أثرُ الخِيام أراق دمعي … لأجل تذكري عهدَ الغَواني
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٩٣).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٩).
[ ١ / ٥٧ ]
ولا مَلَك الهوى يومًا قِيادِي … ولا عاصيته فثنى عَنانِي
عرفت فعاله بذوي التَّصَابِي … وما يلقون من ذل الهوانِ
فلم أُطْمِعْهُ فيَّ وكم قتيلٍ … له في الناس ما يحصى وعانِ
طلبت أخًا صحيح الود مَحضًا … سليم الغيب مأمون اللسان
فلم أعرف من الإخوان إلا … نفاقًا في التباعد والتداني
وعالِم دهرنا لا خير فيه … ترى صورًا تروق بلا معاني
ووصف جميعهم هذا فما أن … أقول سوى فلان أو فلان
ولما لم أجد حُرًّا يواتي … على ما ناب من صرف الزمان
صبرت تكرمًا لفراغ دهري … ولم أجزع لما منه دهاني
ولم أك في الشدائد مُستَكينًا … أقول لها ألا كُفِّي كَفَانِي» (^١).
وبمثل هذه النفس التي تناءت عن الرذائل والصغائر والدنايا من أمور الدنيا يكون العالم الذي يصنف كما صنف الخطيب ويملأ الدنيا علمًا حتى يصير من بعده عيالًا عليه في العلم الذي تخصص فيه كما يقول ابن نقطة ﵀.
وهاك ما ذكروه من تصانيفه جملة دون تفصيل لكي لا نطيل:
يقول ابن الجوزي ﵀ (^٢): وصنف فأجاد، فله ستة وخمسون مصنفًا بعيدة المثل منها: «تاريخ بغداد»، «وشرف أصحاب الحديث»، و«كتاب الجامع لأخلاق الراويّ وآداب السامع»، و«الكفاية في معرفة أصول علم الرواية»، و«كتاب المتفق والمفترق»، و«كتاب السابق واللاحق»، و«تلخيص المتشابه في الرسم»، و«كتاب باقي التلخيص» (^٣)، و«كتاب الفصل والوصل»،
_________________
(١) «المنتظم» لابن الجوزي (١٦/ ١٣١).
(٢) «المنتظم» لابن الجوزي (١٦/ ١٣٠).
(٣) يعني: تالي تلخيص المتشابه.
[ ١ / ٥٨ ]
والمكمل في بيان المهمل»، و«الفقيه والمتفقه»، و«كتاب غنية المقتبس في تمييز الملتبس»، و«كتاب الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة»، و«كتاب الموضح أوهام الجمع والتفريق»، و«كتاب المؤتنف تكلمة المختلف والمؤتلف»، و«كتاب لهج الصواب في أن التسمية من فاتحة الكتاب»، و«كتاب الجهر بالبسملة»، و«كتاب رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والألقاب»، و«كتاب القنوت»، و«كتاب التبيين لأسماء المدلسين»، و«كتاب تمييز المزيد في متصل الأسانيد»، و«كتاب من وافق كنيته اسم أبيه»، و«كتاب من حدّث فنسي»، و«كتاب رواية الآباء عن الأبناء»، و«كتاب الرحلة»، و«كتاب الرواة عن مالك»، و«كتاب الاحتجاج عن الشافعي فيما أسند إليه والرد على الطاعنين بجهلهم عليه»، و«كتاب التفصيل لمبهم المراسيل»، و«كتاب اقتفاء العلم بالعمل»، و«كتاب تقييد العلم»، و«كتاب القول في علم النجوم»، و«كتاب روايات الصحابة عن التابعين»، و«كتاب صلاة التسبيح»، و«كتاب مسند نعيم بن همار»، و«كتاب النهي عن صوم يوم الشك»، و«كتاب الإجازة للمعدوم والمجهول»، و«كتاب البخلاء».
وغيرها من التصانيف النافعة ذكرها الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (^١)، وغيره.
يقول الحافظ ابن نقطة: «وله مصنفات في علوم الحديث لم يسبق إلى مثلها ولا شبهة عند كل لبيب أن المتأخرين من أصحاب الحديث عيال على أبي بكر الخطيب … ومات عن نيف وخمسين مُصَنَّفًا سوى ما وُجِد في الرقاع غير مفروغ منه وانتهى إليه الحفظ والإتقان والقيام بعلوم
_________________
(١) (١٨/ ٢٨٩).
[ ١ / ٥٩ ]
الحديث» (^١).
ويقول الحافظ الذهبي: «وكتابة الخطيب مليحة مفسرة، كاملة الضبط، بها أجزاء بدمشق رأيتها» (^٢).
قلت: وقد بقي لنا كتابنا هذا المؤتنف شاهد على ما ذكره الإمام الذهبي.
عقيدة الإمام الخطيب:
كان ﵀ على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري في الأصول، وقد مات أبو الحسن الأشعري ﵀ وعقيدته في الصفات إثباتها وعدم تأويلها، متبعا مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل ﵀، وفي ذلك يقول الخطيب نفسه: «أما الكلام في الصفات، فإن ما روي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف: إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم، فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه.
والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.
فإذا قلنا: لله يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول:
_________________
(١) «تكملة الإكمال» لابن نقطة (١/ ١٠٣ - ١٠٤).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٥).
[ ١ / ٦٠ ]
إنها جوارح. ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]» (^١).
أقوال بعض أهل العلم في الثناء على الخطيب:
يقول تلميذه ومعاصره الأمير أبو نصر ابن ماكولا: «فإن أبا بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ﵀ وكان أحد الأعيان ممن شاهدناه معرفةً وإتقانًا وحفظًا وضَبطًا لحديث رسول الله ﷺ، وتَفَنُّنًا في عِلله وأسانيده وخبرةً برواته ونَاقِليه، وعِلمًا بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره، وسقيمِه ومطروحه، ولم يكن للبغداديين بعد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني من يَجْري مَجراه، ولا قام بعده بهذا الشأن سواه» (^٢).
وقال أبو إسحاق الشيرازي الفقيه: «أبو بكر الخطيب يشبه بالدارقطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه.
وقال أبو الفتيان الحافظ: كان الخطيب إمام هذه الصنعة، ما رأيت مثله» (^٣).
وقال السمعاني: «والخطيب في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار كيحيى بن معين وعلي بن المديني وأحمد بن أبي خيثمة وطبقتهم، وكان علامة العصر، اكتسى به هذا الشأن غضارة وبهجة ونضارة وكان مهيبًا وقُورًا نبيلًا خطيرًا ثِقةً صدوقًا متحريًا حُجةً فيما يُصَنِّفُه ويقوله وينقله ويجمعه، حسنَ النَقل والخَط، كثير الشكل والضبط، قارئًا للحديث فصيحًا وكان في
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٤).
(٢) «تهذيب مستمر الأوهام» لابن ماكولا (ص ٥٧).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٦).
[ ١ / ٦١ ]
درجة الكمال والرتبة العُليا خُلُقًا وخَلْقًا وهَيئةً ومَنْظَرًا، انتهى إليه معرفة علم الحديث وحفظه وختم به الحفاظ ﵏» (^١).
وقد رؤي له ﵀ بعد موته منامات صالحة، تدل إن شاء الله على قبوله، فيقول الذهبي: «قال أبو الفضل بن خيرون: جاءني بعض الصالحين وأخبرني لما مات الخطيب أنه رآه في النوم، فقال له: كيف حالك؟ قال: أنا في روح وريحان وجنة نعيم.
وقال أبو الحسن علي بن الحسين بن جَدَّا: رأيت بعد موت الخطيب كأن شخصًا قائما بحذائي، فأردت أن أسأله عن أبي بكر الخطيب، فقال لي ابتداءً: أُنْزِلَ وَسَط الجنة حيث يتعارف الأبرار. رواها البرداني في كتاب (المنامات) عنه.
قال غيث الأرمنازي: قال مكي الرميلي: كنت نائمًا ببغداد في ربيع الأول سنة ثلاث وستين وأربع مائة، فرأيت كأنا اجتمعنا عند أبي بكر الخطيب في منزله لقراءة التاريخ على العادة، فكأن الخطيب جالس، والشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي عن يمينه، وعن يمين نصر رجل لم أعرفه، فسألت عنه، فقيل: هذا رسول الله ﷺ جاء ليسمع التاريخ. فقلت في نفسي: هذه جلالة لأبي بكر إذ يحضر رسول الله مجلسه، وقلت: هذا ردٌ لقول من يعيب التاريخ، ويذكر أن فيه تحاملا على أقوام.
قال أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني: حدثني الفقيه الصالح حسن بن أحمد البصري قال: رأيت الخطيب في المنام وعليه ثياب بيض حسان وعمامة بيضاء، وهو فرحان يتبسم، فلا أدري قلت: ما فعل الله بك؟ أو هو بدأني. فقال: غفر الله لي، أو رحمني، وكل من يجيء - فوقع لي أنه
_________________
(١) «الوافي بالوفيات» (٧/ ١٢٩).
[ ١ / ٦٢ ]
يعني بالتوحيد - إليه يرحمه، أو يغفر له، فأبشروا، وذلك بعد وفاته بأيام» (^١).
فَرَحِمَ اللهُ الإمامَ الخَطِيبَ، وجَزاه خَيرًا عَمَّا بَذَل وقَدَّم لأمَّتِه مِنْ عُلوم نافِعة، وعَلى صَبره على الإيْذَاء، والتَّغْرِيب في سبيل الله تعالى.
وأسألُه سبحانه أن يَجْمَعَني به ونَبِيِّنا محمدٍ ﷺ في مَقْعَدِ صَدْقٍ عِند مَلِيكٍ مُقْتَدِر.
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٨).
[ ١ / ٦٣ ]