الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ، أَحْمَدُهُ حَمْدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، حمدًا كما ينبغي لكرم وجهه وعِزِّ جَلالِه، اللهم إني أَبْرَأُ إليْكَ مِنْ كُلِّ حَوْلٍ وقوة، وأستعينك وأستهديك، وأعوذُ برضاك من سَخَطِك وبمُعَافَاتِك من عُقُوبَتِك وأعوذ بك مِنك لا أُحْصِي ثناءً عليك، أنت كما أَثْنَيتَ على نفسِك، وأشهدُ ألا إله إلا أنت وَحْدَك لا شريك لك، أعْبُدُك وأشْكُرك فلا أكْفُرُك، وأؤْمِنُ بِك وأخْلَعُ وأَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك، اللهم إيَّاك أعْبُدُ، ولك أُصَلِّي وأَسْجُدُ، وإليكَ أَسْعَى وأَحْفِدُ، أخْشَى عَذَابَك وأَرجُو رَحْمَتَك، إنَّ عذابك بالكافرين مُلْحِق.
وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ عَلى خَير خَلقِك نبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم، خَاتَم أَنبيائِك ورُسُلِك، المبعوثِ بالحق إلى الناس كافة، حتى قيام الساعة، صلاةً وسلامًا دائمين، أَسْتَمْطِرُ بهما جَمِيلَ عَفْوِكَ وسِترك وعَونِك، وعلى آله الأطهَار، وأصحابه الأبرار ما اخْتَلَف الليل والنهار.
أما بعد،
فهذا كتاب «المُؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» للإمام الخطيب ﵀، أقدمه محققًا لأول مرة لطلبة العلم.
ولا ريب أني بإقدامي على تحقيق هذا الكتاب قد ارْتَقيت مرتقىً صعبًا، فالكتاب بعد توفيق الله تعالى كان يحتاج إلى جهد وإتقان وتيقظ.
وعهدي بالكتاب كان منذ ما يَقرُب من خمسة عشر عامًا، حين أطلعني
[ ١ / ٦ ]
على اسمه شيخُنا وأستاذنا إبراهيم نجم الدين، كبير الباحثين في قسم الحديث بدار هجر -والتي كنت أعمل فيها كباحث آنذاك- وذلك في حواشي كتاب «المؤتلف والمختلف» للدارقطني ﵀، فقد أشار محققه الدكتور موفَّق بن عبد القادر إليه، بل ونقل منه بعض الفقرات، وأشار كذلك أنه محفوظ في «مكتبة الدولة ببرلين»، ومِن وقتئذ وأنا مشغوفٌ بذلك الكتاب الذي لا أَعرفُ عنه شيئًا، سوى أنه كتاب للإمام الخطيب ﵀ يستدرك فيه ويكمل ما فات الإمامَ الدارقطني، وأنه لم يطبع إلى الآن، وسعيت في تحصيله سعيًا، دون جدوى، وبعد زمن ليس بالبعيد أُتيحت نسخةُ الكِتاب الخَطية مُصورة على شبكة الإنترنت، وحصلتها بلهفة وشغف، وما أن تصفحتها حتى صُدِدتُ عنها، على الرغم مِنْ زَعْمِ مَنْ زَعَم أنها بخط صاحبها الإمام الخطيب ﵀، وذلك لِما وجدته من كبر حجمها، وكثرة حواشيها، وكثرة الوُرَيقات الملحقة بها (الطيارات) -والذي سنتكلم عنه تفصيلًا في مبحث وصف النسخة- وكونها نسخة فريدة أشبه بالمُسَودة التي لم تُبَيض فكم فيها من الإحالات، ورأيت أني غير كُفءٍ لتحقيقها، ولو فعلتُ لأرهقتُ نَفسي، ولربما مَلَلت منها، وما أن يسألني أحد من إخواني عن كتاب يستحق العمل فيه إلا دللته على «المؤتنف» بل وأعطيته النسخة التي عندي، ويبدو أن ما صَدَّني عنه قد صَدَّهُم، فلم يَقُم أحد منهم بالعمل فيه على الرغم من الشَغَف والإعجاب الذي أظهروه حال رؤية الكتاب.
وإن الله تعالى إذا أراد شيئًا هَيَّأ أسبابه، فمنذ ما يقرب من عامين طلب مني صاحبي وتلميذي أبو القاسم الكفافي -وهو من طلاب العلم المجتهدين الحريصين على التحصيل- أن أدرسه فن التحقيق والتعامل مع المخطوطات -لحسن ظنه فيَّ- فإذا «بالمؤتنف» يساورني ويجول في خاطري
[ ١ / ٧ ]
مرة أخرى بعد طول غياب -وكنت أحقق وقتها كتاب الإمام البيهقي «أحكام القرآن» (^١) وأَعُد العدة لكتاب آخر- فدفعت الكتاب إلى صاحبي أبي القاسم، وأسندت إليه نسخه، وكان قصدي أن يصير عنده مَلَكَة بكثرة مطالعة الأسانيد -لا سيما تلك النازلة كالتي في كتاب «المؤتنف» - وبطريقة العُلماء في كتابة مصنفاتهم، وكان أمر الله مفعولا؛ إذ قام أبو القاسم بنسخ الكتاب في عام كامل، كان يراجعني في أشياءَ فأصححها له، وأُرْجِيء أشياءَ أخرى لحين ينتهي، وما إن انتهى من نَسْخِه، حتى شرح الله صدري تمامًا لتحقيقه والعمل عليه، وقابلتُ معه جزءًا من الكتاب، فوجدته قد وُفِّق بقدر كبير في قراءة المخطوط، ولم يفته إلا ما يفوت مَنْ هو أعلم منه وأتقن وأخبر، ثم أكملت المقابلة وحدي بعون الله وتوفيقه كلمةً كلمةً، ناظرًا في المراجع التي استقى منها الخطيب ﵀، والمصادر التي اسْتَقَت منه كذلك، وباقي مصنفاته، مُنفِقًا في ذلك ما يقرُب من عَشرة أشهر كاملة، مستعينًا بالله تعالى على ذلك وبالعمل اليومي الذي لا يقل عن عشرة ساعات يوميًا، وقد عاينت من توفيق الله تعالى ما حَيَّر لُبِّي وما جَعلني أشعر أن الله أراد لي أن أحقق هذا الكتاب بعد ما يقرب من ألف عام على تصنيفه.
فالحمد لله الذي لا يُؤدَّى شُكرُ نِعمةٍ مِنْ نِعَمهِ إلا بنعمةٍ منه، تُوجِب على مُؤدِّي مَاضِي نِعَمِه، بأدَائِها: نِعمَةً حَادثَةً يَجب عليه شُكرُه بها (^٢).
وفيما يلي عدة مباحث لا يسعني إلا أن أقدمها بين يدي كتاب «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» للإمام الخطيب ﵀.
_________________
(١) والذي صدر عن دار الذخائر سنة ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م.
(٢) صيغة الحمد هذه، من كلام الإمام الشافعي ﵀ في مقدمة كتابه «الرسالة».
[ ١ / ٨ ]