اهتمَّ أهل الحديث بعلم الْمُتَشَابه من أسماء الرُّواة؛ لوقوع اللَّبس والوهم حتى من كبار الحفَّاظ؛ بسبب الخلط بين المتُشَابِهِين؛ لاسيما إذا كانوا في طبقات مُتَقَارِبة، ونظرًا للقيمة العلمية للتمثيل، سوف أستعرض في هذا المطلب بعض هذه الأوهام على سبيل المثال لا الحصر فمنها: ما أشار إليه الخطيب البَغْدَاديُّ في مقدمة المُتَّفِق والمُفْتَرِق فقال: "وقد وَهَمَ غَير واحدٍ من حملة العلم المعروفين بحسن الحفظ والفهم في شيء من هذا النَّوع الذي ذكرناه، فحدانا ذلك على أن شرحناه ولخصناه، ونسأل الله العصمة من الخطأ في جميع الأمور والعفو عن زللنا" (١)، ثم ساق مثالًا على ذلك فقال: في قول يَحْيَى بْنِ مَعِين: "رَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عن شيخٍ له يقال له عَبْد الْمَلِكِ بْن قُرَيْبٍ وهو الأَصْمَعِيّ ولكن في كتاب مالك: عَبْد الْمَلِكِ بْنِ قُرَيْرٍ وهو خطأ إنَّما هو الأَصْمَعِيّ" (٢).
فتعقبه الخطيب البغدادي فقال: "قد غَلَط ابْنُ مَعِين في هَذَا القَول غَلَطًا ظَاهرًا وأخطأ خطأ فاحشًا، وحديث مالك صحيح رواه عنه كافة أصحابه وساقه في موطأه عن عَبْدِالْمَلِكِ بْنِ قُرَيْرٍ، عن محمد بن سيرين. ويرى أنَّ الوهم دخل فيه على يَحْيَى لاتفاق الاسمين وتقارب الأبوين، أعني من عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قُرَيْرٍ (٣)،
_________________
(١) الخطيب البغدادي: المُتَّفِق والمُفْتَرِق (١/ ١٠٥ - ١٠٦).
(٢) وذكره البخاري أيضًا في التاريخ الكبير (٥/ ٤٢٨).
(٣) وهو الْقَيْسِيُّ الْبَصْرِيُّ العَبْدِيُّ رَوَى عَنْهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ بخلاف الذي يليه، كما في تلخيص المتشابه في الرسم للخطيب البغدادي (ص ٧٤٦)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٦/ ٤١٧).
[ ٢٢ ]
وعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قُرَيْبٍ (١) مع ما أخبرنا به أبو سعيد الصيرفي، قال: سمعت محمد بن يعقوب الأصم، يقول: سمعت العَبَّاس الدُّورِيُّ يقول: سمعتُ يَحْيَى بْن مَعِين يقول: سمعتُ الأَصْمَعِيّ يقول: سمع مِنِّي مالك بن أنس فلما صح سماع يَحْيَى هذا من الأَصْمَعِيِّ واسمه عبد الملك بن قريب وانتهت إليه رواية مالك عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قُرَيْرٍ ظنه الأَصْمَعِيّ، فقضى على مالك بالخطأ وألزمه الوهم ولو أَمْعَن يَحْيَى النَّظرَ لعلم أَنَّ الأَصْمَعِيّ لا يَرْوِى عن محمد بن سيرين، وعَبْد الْمَلِكِ بْن قُرَيْرٍ الذي روى عنه مالك هو العَبْدِيّ أخو عبد العزيز بن قُرَيْرٍ من أهل البصرة، وهو يروي عن الأحنف بن قيس، وعن محمد بن سيرين أيضًا، فإذا كان يَحْيَى بن معين لم يسلم من الوهم مع ثبوت قدمه في هذا العلم لأدنى شبهة دخلت عليه من قبل كلام وقع إليه فكيف يكون حال من هو دونه إذا ورد اسمان في كل جهة متفقان نسبا وتسمية وطبقة ورواية إن وقوع الإشكال يكون أكثر إلا من أمعن النظر" (٢).
ووقع الوهم من بعض الحفاظ كذلك؛ بسبب الظَّن أنَّ الشَخْصَ الوَاحد شَخْصَان، ومثال ذلك ما ذكره ابن ماكولا (ت: ٤٧٥ هـ) في تهذيب مستمر الأوهام فقال: "بجير ابن أَحْمَر (٣)، عَن ابْن عَبَّاس، روى عَنهُ دَاوُد بن أبي هِنْد،
_________________
(١) وهو أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ الأَصْمَعِيُّ، صَاحِبُ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ وَالأَخْبَارِ، كما في تلخيص المتشابه (ص ٧٤٦)، والتاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٤٢٨)، وتهذيب التهذيب (٦/ ٤١٥).
(٢) الخطيب البغدادي: المُتَّفِق والمُفْتَرِق (١/ ١٠٩ - ١١١).
(٣) هو والد عَبد اللهِ بْن بُجَير بْن حُمْران، القَيسِيّ، البصريّ، كما في التاريخ الكبير للبخاري (٢/ ١٣٩)، ترجمة رقم (١٩٧٣).
[ ٢٣ ]
وَقَالَ بعده بجير بن حمْرَان عَن أبي الْعَالِيَة، روى عَنهُ الْجريرِي، وَعمْرَان بن حدير ، قَالَ ذَلِك عَليّ بن الْمَدِينِيّ.
قلتُ - ابن ماكولا-: وَهَذَا وهم وهما وَاحِد بَين ذَلِك البُخَارِيّ فَقَالَ فِي التَّارِيخ (١): بجير بن أَحْمَر، عَن ابْن عَبَّاس روى عَنهُ دَاوُد بن أبي هِنْد فِي الْقِبْلَة قَوْله، وَيُقَال عَن هِلال ابن حق، عَن الْجريرِي، عَن بجير بن حمْرَان وروى عَنهُ الْجريرِي، وَعمْرَان بن حدير، ويروي عَن أبي الْعَالِيَة، وَيُقَال عَن عَليّ وَهُوَ وَالِد عبد الله بن بجير بن حمْرَان الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ، وَابْن حمدَان أصح فقد بَان بِهَذَا أَنَّهُمَا وَاحِد وَللهِ الْحَمد والْمنَّة" (٢).
ونبه الحافظ الذَّهبي في ترجمة عُثْمَان بْنِ عَبْد الرَّحْمَن القُرَشِيّ الوَقَّاصِيِّ (٣) في الميزان إلى ما وقع للإمام ابن عدي من وهم في كتابه الكامل في التَّاريخ (٤) فقال: "وذكر ابن عدي في ترجمة الجُمَحِيِّ (٥) جملة أحاديث سطرها، إنما هي للوَقَّاصِيِّ لا الجُمَحِيّ بدليل أنَّ بعضها حدثنا عطاء، وحدثنا نافع، والجُمَحِيّ لم يدركهما " (٦)، "ومنها: عَامِر بن سَيَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ١٣٩).
(٢) ابن ماكولا: تهذيب مستمر الأوهام (ص ٩٨ - ٩٩).
(٣) قال ابن معين: "لا يكتب حديثه كان يَكْذِب"، انظر تهذيب التهذيب لابن حجر (٧/ ١٣٣).
(٤) ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال (٦/ ٢٧٣ - ٢٧٧).
(٥) وهو عُثْمَان بْنِ عَبْد الرَّحْمَن أبو عُمَر البَصْرِيّ، الجُمَحِيّ (ت: ١٨٤ هـ)، بضم الجيم وفتح الميم وفي آخرها الحاء المهملة هذه النسبة إلى بنى جُمَح وهم بطن من قريش كما في الأنساب للسمعاني (٣/ ٣٢٦)، قال الذَّهبِي في الميزان (٣/ ٤٧): "صويلح"، وتهذيب التهذيب (٧/ ١٣٥).
(٦) الذَّهبي: ميزان الاعتدال (٣/ ٤٤).
[ ٢٤ ]
عَبْدِ الرَّحْمَن، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا» (١)، إسحاق بن كعب، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس، قال رسول الله - ﷺ -: «اللَّهُمَّ عَلِّم مُعَاوِيَةَ الكِتَابَ والْحِسَابَ، وِقِهِ العَذَابَ» (٢)، هكذا ذكرهما ابن عدي هنا فوهم" (٣).
وذكر جمال الدِّين الزَّيْلَعِيّ ما وقع للإمامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ من الوهم بسبب التَّشَابُه الشديد في أسماء الرُّواة، فقال: "حَدِيثٌ آخَرُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ: حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ، ثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «يُغْسَلُ الإِنَاءُ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَإِذَا وَلَغَتْ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً»، انْتَهَى. وَقَالَ: حَدِيثٌ
_________________
(١) حديث ضعيف معلول: رُوُي عن جماعة من الصحابة منهم: أَبُو هُرَيْرَةَ، وأَبُو ذَرٍّ، وعَائِشَة، ﵃، بطرق مختلفة معلولة تربو عن العشرة، أذكر منها طريقًا واحدًا وهو أشهرها أخرجه أَبُو دَاوُدَ الطَيَاِلسِيُّ (ت: ٢٠٤ هـ) في مسنده (٤/ ٢٦٨)، والخرائطي (ت: ٣٢٧ هـ) في اعتلال القلوب (٢/ ٢٩٥)، وابن الأعرابي (ت: ٣٤٠ هـ) في معجمه (٢/ ٧٥٢)، والطبراني (ت: ٣٦٠ هـ) في المعجم الأوسط (٦/ ٩)، وغيرهم كُلُّهُمْ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، به، أعله أَبُو حَاتمٍ (ت: ٢٧٧ هـ) بقوله: "هذا حديث منكر" في مواضع من العلل: (٥/ ٥٤٢ - ٥٤٣)، (٦/ ١٨١)، (٦/ ٣٠٤). وقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّار (ت: ٢٩٢ هـ) في مسنده (١٦/ ١٩١): "ليس في زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حديث صحيح". كما أورده ابنُ عدي (ت: ٣٦٥ هـ) في عدة مواضع من كامله وأعلها كلها منها: (٤/ ٦٣)، (٤/ ١٨٦)، (٤/ ٢٥٠)، (٥/ ١٦٥).
(٢) حديث ضعيف: أخرجه أحمد في المسند (٢٨/ ٣٨٣) فيه الْحَارِث بْن زِيَادٍ، قَالَ ابن حجر في التهذيب (٢/ ١٤٢): "قرأت بخط الذَّهَبِي في الميزان مجهول، وقال ابن عبد البر: مجهول وحديث منكر".
(٣) الذَّهبي: ميزان الاعتدال (٣/ ٤٧).
[ ٢٥ ]
حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَلَمْ يَذْكُرْ فيه وُلُوغَ الْهِرِّ (١)، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ: وَالسَّوَّارُ قَالَ فِيهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: لَيْسَ بِشَيْءٍ (٢)، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الإِمَامِ: وَهَذَا وَهْمٌ فَاحِشٌ، فَإِنَّ سَوَّارًا هَذَا شَيْخُ التِّرْمِذِيِّ، هُوَ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ قُدَامَةَ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وأربعين ومائتين، روى عَنْهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. وَخَلْقٌ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَةٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَسَوَّارٌ الَّذِي جَرَحَهُ سُفْيَانُ، هُوَ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ قُدَامَةَ مُتَقَدِّمُ الطَّبَقَةِ" (٣).
المتأمل لهذه الأمثلة الدَّارسُ لها يجد قيمة وأهمية علم المُتَّفِق والمُفْتَرِق، فإنَّ هؤلاء الحفاظ الأثبات قد وقعوا في الخلط بين الرُّواة مع حفظهم وإتقانهم، فكيف بالباحثين وطلاب العلم في هذا العصر؟ لاشك أنهم في أشد الحاجة لدراسة ومعرفة هذا الفن الجليل الذي أصبح في عصرنا هذا نسيًا منسيًا، وضربًا مما عفا عليه الزَّمان، فحقيق على الباحثين وطلبة العلم الاهتمام بعمل دراسات وبحوث في علم المُتَشابه من الرُّواة؛ فإنَّ أنواعه مُتَعَدِّدة ومُتَشَعِّبة، ولم يُصَنَّفْ في كثير من هذه الأنواع قديمًا وحديثًا، وإنمَّا ذكرها أهل العلم في مصنفاتهم للإشارة إليها جملة دون تفصيل.
_________________
(١) حديث صحيح: أخرجه عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِيّ (ت: ٢١١) في المصنف (١/ ٩٧) بدون لفظة: "وُلُوغَ الْهِرِّ "، وأخرجه التِّرْمِذِيّ (ت: ٢٧٩) وَصَحَّحَه في السنن (١/ ١٥٠)، وَقد اخْتلف فِي رَفع الشطر الأخير منه، قال الدَارَقُطْنيُّ في العلل (٨/ ١١٧): "وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مَنْ وَقَفَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْهِرِّ خَاصَّةً". وقال ابن عبد الهادي (ت: ٧٤٤ هـ) في المحرر (١/ ٨٨): "الصَّوَاب وقفه".
(٢) ابن الجوزي: التَّحْقِيق فِي أَحَادِيث الْخلاف (١/ ٨١)، حديث رقم (٦٧).
(٣) الزَّيْلَعِيّ: نصب الرَّاية (١/ ١٣٥ - ١٣٦).
[ ٢٦ ]
ترتيب المُتَّفِق والمُفْتَرِق فيمن ذُكِرَ بِكُنْيَتهِ من الرُّواةِ في الكتب السِّتَّةِ على حروف المعجم بالنسبة للمكنى به،
وعددهم سبعة وأربعون ترجمة.
[ ٢٧ ]