قال أبو حاتم: ومنهم من كتب الحديث ورحل فيه إلا أن كتبه قد ذهبت، فلما احتيج إليه كان يحدث من كتب الناس من غير أن يحفظها كلها أو يكون له سماع فيها كابن لهيعة وذويه.
حدثني محمد بن المنذر، قال: سمعت أحمد بن واضح المصري، يقول: كان محمد بن خلاد الإسكندراني رجلًا [صالحًا]، ثقة، ولم يكن فيه اختلاف حتى ذهبت كتبه، فقدم علينا رجل يقال له: أبو موسى في حياة ابن بكير، فدفع إليه نسخة ضمام بن إسماعيل ونسخة يعقوب، فقال: أليس قد سمعت النسختين؟ قال؛ نعم، قال: فحَدِّثني بهما، قال: ذهبت كتبي ولا أحدث به، قال: فما زال به هذا الرجل حتى خدعه، وقال له: النسخة واحدة، فحدث بها، وكل من سمع منه قديمًا قبل ذهاب كتبه فحديثه صحيح، ومن سمع منه بعد ذلك فحديثه ليس بذاك.
سمعت محمد بن محمود النسائي، يقول: سمعت علي بن سعيد، يقول: سمعت أحمد بن حنبل ﵀، يقول: من سمع من ابن لهيعة فسماعه أصح، قدم علينا ابن المبارك سنة تسع وسبعين ومئة، قال: من
[ ١ / ٧٣ ]
سمع ابن لهيعة منذ عشرين سنة فهو صحيح، قلت له: سمعت من ابن المبارك؟ قال: لا.
قال أبو حاتم: هذا إذا ميز بين حديثه المعروف عنه الذي حدث من كتابه وبين ما حدث بعد احتراق كتبه، وقد سبرت حديثه من رواية العبادلة عنه عبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقري وبين حديثه الذي حدث بعد احتراق كتبه، فَلَمَّا حدث بما ليس من حديثه بعد احتراق كتبه، فرأيت في القديم أشياء مدلسة وأوهامًا كثيرة تدل على قلة مبالاة كانت فيه قبل احتراق كتبه، فلما حدث بما ليس من حديثه بعد احتراق كتبه استحق الترك.
سمعت محمد بن إبراهيم العبدي، يقول: سمعت قتيبة بن سعيد، يقول: سمعت أحمد بن محمد بن سعيد القيسي، يقول: لما أحرق كتب ابن لهعية بعث إليه الليث بن سعد كالغد [من الغد] ألف دينار.