قال أبو حاتم: ومنهم القصاص والسؤال الذين كانوا يضعون الحديث في قصصهم، ويروونها عن الثقات، فكان يحمل المستمع منهم الشيء بعد الشيء على حسب التعجب، فوقع في أيدي الناس، وتداولوها فيما بينهم كما:
أخبرنا إبراهيم بن عبد الواحد المعصوب ببلد الموصل، قال: سمعت جعفر بن أبي عثمان، يقول: صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أْحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة،
[ ١ / ٨٠ ]
عن أنس، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "مَن قَال لَا إِلهَ إِلا اللَّه يُخْلَق مِنْ كُلِّ كَلِمَةِ مِنْهَا طَيْرٌ مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَرِيشُة مِنْ مَرْجَانٍ " وأخذ في قصة نحو عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى، ويحيى إلى أحمد، فقال: أنت حدثت بهذا؟ فقال: والله ما سمعت به قط إلا الساعة، قال: فسكتوا جميعًا حتى فرغ من قصصه وأخذ قطاعه، ثم قعد ينظر بقيتها، فقال له يحيى بن معين بيده أن تعال، فجاء متوهمًا لنوال خيره، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قال: أنا يحيى وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله -ﷺ-، فإن كان لا بد والكذب فعلى غيرنا، فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما علمته إلا الساعة، فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأن ليس في الدنيا يحيى وأحمد غيركما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا، قال: فوضع أحمد بن حنبل كمه على وجهه وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزىء بهم.
قال أبو حاتم: وقد دخلت باجروان مدينة بين الرقة وحران فحضرت مسجد الجامع، فلما فرغنا من الصلاة قام بين أيدينا شاب فقال: حدثنا أبو خليفة، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "مَنْ قَضَى لِمُسْلِمٍ حَاجَةً فَعَلَ اللَّه بِهِ كَذَا " وذكر كلامًا طويلًا، فلما فرغ من كلامه دعوته، فقلت: من أين أَنت؟ فقال: من أهل بردعة، قلت: دخلت البصرة؟ قال: لا، قلت: رأيت أبا خليفة؟ قال: لا، قلت: فكيف تروي عنه وأنت لم تره؟ فقال: إن المناقشة معنا من قلة المروءة، أنا أحفظ هذا الإسناد الواحد، فكلما سمعت حديثًا ضممته إلى هذا الإسناد فرويت، فقمت وتركته.
أخبرني محمد بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن إدريس، قال: حدثني مؤمل بن إهاب، قال: قام رجل يحدث ويزيد بن هارون قاعد، فجعل يسأل الناس فلم يعصا، فقال: حدثنا يزيد بن هارون، عن شريك، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: إذا سأل السائل ثلاثًا فلم يعط يكبر عليهم
[ ١ / ٨١ ]
ثلاثًا، وجعل يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، فذكرنا ليزيد بن هارون، فقال: كذب الخبيث ما سمعت بهذا قط، قال: وقام سائل فجعل يقول: حدثنا يزيد بن هارون عن ذئب بن أبي ذئب، فضحك يزيد بن هارون، فلما قمنا تبعناه، فقلنا: وبحك ليس اسمه ذئب إنما هو محمد بن عبد الرحمن، فقال: إذا كان أبوه اسمه أبو ذئب، فأي شيء كان ابنه إلا ذئب.
أخبرنا مكحول ببيروت، قال: حدثنا أبو الحسين الرهاوي، قال: سمعت يزيد بن هارون، يقول: ما رأيت أحدًا قط أكذب من أبي سعيد المدائني، وكان حسن القصص حسن النغمة، وكنت يومًا عنده إذ قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن مسروق بن الأجدع وأنا أبكي عند قصصه، فالتفت إلي إنسان إلى جانبي، فقلت: ويحك هذا يكذب، فقال: أي لحية فقعودك عنده تبكي وأنت تعلم أنه يكذب أيش؟
أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا أبو يحيى المستملي، قال: حدثنا أبو جعفر الجوزجاني، قال: حدثني أبو عبد الله البصري، قال: أتيت إسحاق بن راهويه، فسألته شيئًا، فقال: صنع الله لك، فقلت: لم أسألك صنع الله، إنما سألتك صدقة، قال: لطف الله لك، فقلت: لم أسألك لطف الله، إنما سألتك صدقة، قال: فغضب، وقال: أيها الرجل إن الصدقة لا تحل لك، قلت: ولِمَ يرحمك الله؟ قال: لأن جريرًا حدثنا، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنيٍّ وَلَا لِذي مُرَّةٍ سَوِيٍّ" وأنت صحيح قوي ذ ومرة سوي، قال: فقال: ترفق رحمك الله، فإن معي حديثًا في كراهية العمل، فقال إسحاق: وما هو؟ فقلت: حدثني أبو عبد الله الصادق الناطق، عن أفشين، عن أنباح، عن بان مان، عن سيماء الصغير، عن سيماء الكبير، عن عجيف بن عنبسة، عن رغلمح بن أمير المؤمنين أنه قال: العمل شؤم وتركه، بقعد تمنى خير من أن تعمل قعنا [فقلنا:] لا إلَه إلا الله، قال: فضحك إسحاق وذهب غضبه، وقال: زدنا من هذا الحديث، فقلت: حدثني أبو عبد الله الصادق الناطق بإسناده عن عجيف فسأل [قال] قعد رغلمح في جلسائه، فقال: أخبروني بأعقل الناس عندك، فأخبر كل واحد
[ ١ / ٨٢ ]
منهم بما عنده، فقال لهم: لم تصيبوا، قالوا له: فأخبرنا بأعقل الناس عندك، قال: أعقل الناس الذي لا يعمل، لأن من العمل يجيء التعب، ومن التعب يجيء المرض، ومن المرض يجيء الموت، ومن عمل فقد أعان على نفسه، وقال الله ﵎: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
قال إسحاق: زدنا من حديثك، قال: وحدثني أبو عبد الله الصادق الناطق بإسناده عن رغلمح قال: من أطعم أخاه شواءً غفر الله له عدد النوى، ومن أطعم أخاه هريسة غفر الله له مثل الكنيسة، ومن أطعم أخاه جنب [جبنًا] غفر الله له كل ذنب، قال: فضحك إسحاق، وأمر له بلباسين ورغيفين وعودين.
قال أبو حاتم: فإذا كان مثل هؤلاء يجترئون على أحمد ويحيى وإسحاق حتى يضعوا الحديث بين أيديهم من غير مبالاة بهم كانوا إذا خلوا بمساجد الجماعات ومحافل القبائل مع العوام والرعاع أكثر جسارة في الوضع، فالقوم إنما كانت لغتهم العربية، فكان يعلق بقلوبهم ما سمعوا، فربما سمع المستمع من أحدهم حديثًا قد وضعه في قصصه بإسناد صحيح على قوم ثقات فيرويها عنه على جهة التعجب، فيحملونه عند ذلك، حتى وقع في أيدي الناس، من ههنا وجب التفتيش والتنقير عن أصل كل رواية، والبحث عن كل راوٍ في النقل، حتى لا يتقول على رسول الله -ﷺ- ما لم يقل.
وأرجو أن تكون هذه الطائفة الذابة الكذب عن رسول الله -ﷺ- في أول زمرة يدخلون الجنان مع المصطفى -ﷺ-، إذ الجنة حرام على الأنبياء أن يدخلوها قبل نبينا -ﷺ- وعلى الأمم قبل هذه الأمة، فالأولى أن يكون أقرب هذه الأمة من رسول الله -ﷺ- من كان يذب الكذب عنه في دار الدنيا، نسأل الله ﷿ الحلول في تلك المرتبة، إنه الفعال لما يريد.