ولقد حدثنا عمر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: سألت سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة عن الرجل يكون واهي الحديث،
_________________
(١) ورواه مسلم (١/ ٢٦) في المقدمة ومن طريقه وغيره رواه الخطيب في الكفاية (ص ٤٣) ورواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل (٨٥٣) ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ٢٣).
(٢) ورواه الخطيب في الكفاية (ص ٤٥).
[ ١ / ٢٥ ]
يأتيني الرجل فيسألني عنه، فأجمعوا أن أقول: ليس هو بثبت، وأن أبين أمره (١).
حدثني محمد بن المنذر بن سعيد، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: سمعت أبا مسهر يسأل عن الرجل يغلط ويهم ويصحف، فقال: بَيِّنْ أمره، قلت لأبي مسهر: أترى ذلك من الغيبة؟ قال: لا (٢).
حدثنا الحسن بن سفيان، قال: سمعت معاذ بن شعبة يقول: قال أبو داود: جاء عباد بن صهيب إلى شعبة، فقال: إن لي إليك حاجة فقال: ما هو؟ فقال: تكف عن أبان بن أبي عياش، فقال: أنظرني ثلاثًا، فجاءه بعد الثالثة فقال: يا عباد نظرت فيما قلتَ فرأيت أنه لا يحل السكوت عنه (٣).
حدثنا محمد بن عبد الرحمن [الفقه] قال: حدثنا الحسين بن الفرج، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، قال: جاءني أبان بن أبي عياش، فقال: أحب أن تكلم شعبة أن يكف عني، قال: فكلمته فكف عنه أيامًا، فأتاني في بعض الليل، فقال: إنك سألتني أن أكف عن أبان، وإنه لا يحل الكف عنه، فإنه يكذب على رسول الله -ﷺ- (٤).
حدثنا محمد بن عبد الله الهجري بالأبلة، قال: حدثنا عبد الله بن جنيق، قال: قال سفيان الثوري: من هم أن يكذب في الحديث سقط حديثه.
حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثنا أبو قدامة، قال: سمعت ابن مهدي يقول: مررت مع سفيان الثوري برجل، فقال: كذاب، والله لولا أنه لا يحل لي أن أسكت لسكت.
_________________
(١) ورواه مسلم في المقدمة (١/ ١٧) والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٨٥٠ و٨٥١) والخطيب في الكفاية (ص ٤٣) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٢٤).
(٢) ورواه الخطيب في الكفاية (ص ٤٥).
(٣) سيأتي في ترجمة أبان بن أبي عياش.
(٤) سيأتي كذلك في ترجمة أبان.
[ ١ / ٢٦ ]
حدثني محمد بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، عن أبي الحارث الزبيري [الزبيدي]، قال: سمعت الثوري يقول: ما سترت على أحد يكذب في حديثه (١).
قال أبو حاتم: فهؤلاء أئمة المسلمين وأهل الورع في الدين أباحوا القدح في المحدثين وبينوا الضعفاء والمتروكين، وأخبروا أن السكوت عنه ليس مما يحل، وأن إبداءه أفضل من الإغضاء عنه، وقد تقدمهم فيه أئمة قبلهم ذكروا بعضهم، وحثوا على أخذ العلم من أهله.
حدثنا الحسين بن إسحاق الأصبهاني بالكرج، قال: حدثنا حميد بن الربيع الخزاز، قال: حدثنا محمد بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم (٢).
حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، عن ابن سيرين، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون (٣).
حدثنا محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن المصري، قال: حدثنا ابن بكير، قال: حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم.
حدثنا الحسين بن إسحاق الأصبهاني، قال: حدثنا عقيل بن يحيى الطهراني، قال: حدثنا أصرم بن حوشب، عن الواقع بن سويد، عن أبي هريرة، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
_________________
(١) هو عند ابن الجوزي في الموضوعات من طريق محمد بن عبد الله بن سليمان مطين عن جمهور بن منصور عن أبي الحارث الزبيدي به ولفظه: ما ستر الله ﷿ أحدًا يكذب في الحديث. وجمهور هذا ذكره ابن حبان في الثقات، ولا أعرف أبا الحارث هذا هل هو محمد بن مصعب الدمشقي أو غيره.
(٢) في إسناده كذاب وآخر متهم بالكذب.
(٣) ورواه مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ١٤).
[ ١ / ٢٧ ]
حدثنا محمد بن عبدان بن هارون الأزرق بواسط، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل السكري، الكوفي، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: دخلنا على أنس بن سيرين في مرضه، فقال: اتقوا الله يا معشر الشباب، وانظروا ممن تأخذون هذه الأحاديث، فإنها دينكم.
حدثنا الضحاك بن هارون بجنديسابور، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن زيد المذاري. قال: حدثنا الأنصاري، عن الأشعث، عن الحسن، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه.
حدثنا الحسن بن محمد بن مصعب، قال: حدثنا سليمان بن معبد، عن يونس بن محمد، قال: قال أبو المهلب المغيرة بن محمد، قال: حدثنا الضحاك بن مزاحم، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه (١).
حدثنا محمد بن عبد الله بن المهدي بإسفرايين، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الحداد، قال: حدثنا داود بن سليمان القصار، قال: حدثنا سويد بن عبد العزيز، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه.
حدثنا محمد بن المنذر، قال: حدثنا ربيعة بن الحارث قاضي حمص، قال: حدثنا محمد بن زياد الحمصي، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
قال مغيرة: كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه نظرنا إلى سمته وإلى صلاته، ثم أخذنا عنه.
حدثنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا أبو غسان زنيج الرازي، قال: قال بهز: دين الله أحق من طُلِبَ له العدول.
_________________
(١) ورواه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ١٥).
[ ١ / ٢٨ ]
سمعت إبراهيم بن نصر العنبري، يقول: سمعت علي بن خشرم، يقول: سمعت ابن إدريس يقول: لا يسمع الحديث ممن يشرب المسكر لا ولا كرامة.
حدثنا ابن قتيبة بعسقلان، قال: حدثنا محمد بن المتوكل بن أبي السري، قال: حدثنا يحيى بن سليم، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: قال ابن سيرين: إن الرجل ليحدثني بالحديث فما أتهمه، ولكن أتهم من حدثه، وإن الرجل ليحدثني بالحديث فما أتهم من حدثه، ولكن أتهمه هو.
حدثنا أبو المعافي أحمد بن محمد بن إبراهيم الأنصاري بِخُبَيل، قال: حدثنا يوسف بن بحر الجبلي، قال: سمعت سَلْم بن ميمون الخواص، يقول: كنت آتي الرجل أريد أن أسمع منه، فأسأل: من أين خبره؟ فإن كان خبره من جهته سمعت منه، وإلا لم أسمع منه.
سمعت إبراهيم بن نصر العنبري، قال: سمعت محمد بن بحير الهمداني، يقول: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت أبا أسامة، يقول: قد يكون الرجل كثير الصلاة، كثير الصوم، ورعًا، جائز الشهادة في الحديث لا يسوى ذِه، ورفع شيئًا ورمي به.
قال إبراهيم بن الأشعث: إذا وجدتم رجلًا معروفًا بشدة الطلب ومجالسة الرجال فاكتبوا عنه.
سمعت يعقوب بن يوسف بن عاصم ببخارى، يقول: سمعت أبا قلابة الرقاشي، يقول: سمعت أبا صفوان القديدي، يقول: قال شعبة بن الحجاج: الأشراف لا يكذبون.
حدثنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا الوليد بن شجاع، قال: حدثنا الأشجعي، قال: سمعت سفيان يقول: لو هَمَّ الرجل أن يكذب في الحديث وهو في جوف بيت لأظهر الله عليه.
قال أبو حاتم: ما كلف الله عباده أخذ الدين عمن ليس بثقة، ولا أمرهم بالانقياد للحجاج بمن ليس بعدل مرضي.
[ ١ / ٢٩ ]
وقد روي عن النبي -ﷺ- في نفي جواز أخذ العلم عمن لا يجوز شهادته خبر غير محفوظ.
حدثنا به الحسن بن سفيان، قال: حدثنا محمد بن بكار بن الريان، قال: حدثنا حفص بن عمر قاضي حلب، عن صالح بن حسان، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لَا تَأخُذُوا العِلْمَ إِلا مِمن تُجِيزُونَ شَهَادَتَهُ" (١).
قال أبو حاتم: هذا خبر باطل رفعه، وإنما هو قول ابن عباس، فرفعه حفص بن عمر هذا، ولسنا بخير أن نحتج بخبر لا يصح من جهة النقل في شيء من كتبنا، ولأن فيما يصح من الأخبار بحمد الله ومنه كاف يغني عنا عن الاحتجاج في الدين بما لا يصح منها، ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم، وذاك أنه لم تكن أمة لنبي قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة، حتى لا يتهيأ أن يزداد في سنة من سنن رسول الله -ﷺ- ألف ولا واو، كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن، لحفظ هذه الطائفة السنن على المسلمين وكثرة عنايتهم بأمر الدين، ولولاهم لقال من شاء ما شاء.
حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال: حدثنا عبدان بن عثمان، قال: سمعت ابن المبارك يقول: الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا قيل: عمن بَقِيَ (٢).
حدثني محمد بن المنذر، قال: حدثنا أبو الحسين الأصبهاني، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: سمعت أبا سعيد الحداد، يقول: الحديث درج، والرأي مرج، فإذا كنت في المرج فاذهب كيف شئت، وإذا كنت في درج فانظر أن لا تزلق فيندق عنقك.
حدثنا محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا أبو رفاعة العدوي، قال:
_________________
(١) سيأتي في ترجمة حفص بن عمر.
(٢) انظر تعليقنا على بغية الملتمس (ص ٣٧).
[ ١ / ٣٠ ]
حدثنا يوسف بن سلمان، قال: حدثنا سفيان، قال: قال الزهري لأبي بكر الهذلي: إني أراك يعجبك الحديث، فقال: أجل، قال: أما إنه لا يعجب إلا ذكور الرجال.
حدثنا محمد بن أحمد بن أبي عون، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا بكر بن سلام، عن أبي بكر الهذلي، قال: قال لي الزهري: يا هذلي أيعجبك الحديث؟ قال: قلت: نعم، قال: أما إنه يعجبه ذكور الرجال، ويكرهه مؤنثوهم.
حدثنا محمد بن المسيب بن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: ربما حدث الأعمش بالحديث ثم يقول: بقي رأس المال حدثني فلان، قال: حدثنا فلان عن فلان.
حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، عن عبد الصمد بن حسان، قال: سمعت الثوري يقول: الإسناد سلاح المؤمن، إذالم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟
حدثنا مكحول، قال: حدثنا النضر بن سلمة، قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: سمعت شعبة يقول: كل حديث ليس فيه حدثنا وحدثنا فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام.
حدثنا الحسن بن سفيان، قال: سمعت صالح بن حاتم بن وردان، يقول: سمعت يزيد بن زريع، يقول: لكل شيء فرسان، ولهذا العلم فرسان.
قال أبو حاتم: فرسان هذا العلم الذين حفظوا على المسلمين الدين، وهدوهم إلى الصراط المستقيم، الذين آثروا قطع الفاوز والقفار على التنعم في الدمن والأوطار في طلب السنن في الأمصار، وجمعها بالرحل والأسفار والدوران في جميع الأقطار، حتى إن أحدهم ليرحل في الحديث الواحد الفراسخ البعيدة وفي الكلمة الواحدة الأيام الكثيرة، لئلا يُدْخل فصل في السنن شيئًا يضل به، وإن فعل فهم الذابون عن رسول الله -ﷺ- ذلك الكذب، والقائمون نصرة الدين.
[ ١ / ٣١ ]
وإن من التفتيش والبحث عن هذا الشأن ما:
حدثنا عبد الله بن قحطبة بِفَمِ الصلح، قال: حدثنا أحمد بن زكريا الواسطي، قال: سمعت أبا الحارث الوراق (١)، يقول: جلسنا على باب شعبة نتذاكر السند، فقلت: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، عن النبي -ﷺ-، قال: "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ" فخرج شعبة بن الحجاج وأنا أحدث بهذا الحديث فصفعني، ثم قال: يا مجنون سمعتُ أبا إسحاق يحدث، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، فقلتُ: يا أبا إسحاق سمعت عبد الله بن عطاء يحدث عن عقبة بن عامر؟ [قال:] سمعت عبد الله بن عطاء، قلت: عبد الله سمع عقبة بن عامر، فقال: اسكت، فقلت: لا أسكت، فالتفت إليَّ مسعر بن كدام، فقال: يا شعبة عبد الله بن عطاء حي بمكة، فخرجت إلى مكة، فلقيت عبد الله بن عطاء، فقلت: حديثَ الوضوء، فقال: عقبة بن عامر، قلت: يرحمك الله سمعته منه؟ قال: لا، حدثني سعد بن إبراهيم، فمضيت فلقيت سعد بن إبراهيم، فقلت: حديثَ الوضوء، فقال: من عندكم خرج، حدثني زياد بن مخراق، فانحدرت إلى البصرة، فلقيت زياد بن مخراق وأنا شحب اللون وسخ الثياب كثير الشعر، فقال: من أين؟ فحدثته الحديث، فقال: ليس هو من حاجتك، قلت: فما بد، قال: حتى تذهب تدخل الحمام وتغسل ثيابك، ثم تجيء فأحدثك به، قال: فدخلت الحمام وغسلت ثيابي، ثم أتيت فقال: حدثني شهر بن حوشب، قلت: شهر بن حوشب عمن؟ قال؟ عن أبي ريحانة، قلت: هذا حديث صعد، ثم نزل، دمروا عليه، ليس له أصل.
حدثنا إسحاق بن أحمد القطان بتستر [بتنيس]، قال: حدثنا محمد بن سعيد بن غالب، قال: حدثنا نصر بن حماد، قال: كنا بباب شعبة ومعي جماعة وأنا أقول لهم: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر في الوضوء عن النبي -ﷺ- قال: فلطمني شعبة
_________________
(١) قال أبو الحسن الدارقطني: اسمه نصر بن حماد.
[ ١ / ٣٢ ]
لطمة ودخل الدار ومعه عبد الله بن إدريس قال: ثم خرج بعد ذلك وأنا قاعد أبكي، فقال لعبد الله بن إدريس: بعد هو يبكي، فقال عبد الله: إنك لطمت الرجل، فقال: إنه لا يدري ما يحدث، إني سمعت أبا إسحاق يحدث بهذا الحديث عن عبد الله بن عطاء، فقال لأبي إسحاق: من عبد الله هذا؟ فغضب، فقال مسعر: إن عبد الله بن عطاء حي بمكة، قال: فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث، فأتيت مكة فسألت عن عبد الله بن عطاء، فدخلت عليه، فإذا فتىً شاب، فقلت: أي شيء حدثني عنك أبو إسرائيل؟ فقال لي: نعم، قلت: لقيت عقبة؟ قال: لا، ولكن سعد بن إبراهيم حدثنيه، قال: فأتيت مالك بن أنس وهو حاج، فسألته عن سعد بن إبراهيم، فقال لي: ما حج العام، فلما قضيت نسكي مضيت إلى المدينة، فأتيت سعد بن إبراهيم، فسألته عن الحديث، فقال لي: هذا الحديث من عندكم خرج، فقلت له: كيف؟ قال: حدثني زياد بن مخراق، قلت: دَمِّر على هذا الحديث، مرة كوفي، ومرة مكي، ومرة مدني، قال: فقدمت البصرة، فأتيت زياد بن مخراق، فسألته عن الحديث، فقال: لا تُرِده، فقلت: ولِمَ؟ قال: لا ترده، فقلت: ليس منه بد، قال: حدثني شهر بن حوشب، قلت: دَمِّر على هذا الحديت، والله لو صح هذا الحديث كان أحب إلي من أهلي ومالي.
حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا قطن بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن جعفر المدائني، قال: حدثنا ورقاء بن عمر، قال: قلت لشعبة: ما لك تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يُركض دابة فتركت حديثه.
قال أبو حاتم: فهذا كان دأب شعبة في تفتيش الأخبار والبحث عن سقيم الآثار، ولم يكن يعد السماع من الشيخ إلا بعد أن يسمعه مرارًا، وكذلك كان زائدة بن قدامة إذا سمع الحديث مرة لم يُجز عليه، فإذا سمعه أخرى لم يُجزه، فإذا سمعه ثالثة أجاز عليه، وقال: قد صح.
حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعت أبا قدامة يقول: قال
[ ١ / ٣٣ ]
أبو الوليد: سألت شعبة عن حديث، فقال: والله لا حدثتك به، لم أسمعه إلا مرة.
أخبرنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا أبو زرعة الرازي، قال: حدثنا مقاتل بن محمد، قال: سمعت وكيعًا يقول: إني لأرجو أن يرفع الله ﷿ لشعبة درجات في الجنة بِذَبِّه عن رسول الله -ﷺ-.
حدثني محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا الأخفش، قال: حدثني بعض البصريين، قال: رأيت أبا سعيد الحداد يكتب أصناف حماد بن سلمة عن هذا، ثم يجيء فيعرضها على شيخ آخر، فقلت له في ذلك، فقال: اسكت أُخرِجُ جِزعًا أُدخِلُ ساجةً.
سمعت أحمد بن إسحاق السني الدينوري يقول: رأى أحمد بن حنبل رحمة الله عليه يحيى بن معين في زاوية بصنعاء وهو يكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، فإذا طلع عليه إنسان كتمه، فقال أحمد بن حنبل ﵀ له: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك القائل؟ أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه؟ قال: رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر، عن أبان، عن أنس، وأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء بعدنا إنسان فيجعل بدل أبان ثابتًا، ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقول له: كذبتَ، إنما هي أبان لا ثابت.
سمعت محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي، يقول: جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة، فقال له: ما سمعتها من أحد؟ قال: نعم، حدثني سبعة عشر نفسًا عن حماد بن سلمة، فقال: والله لا حدثتك، فقال: إنما هو دِرْهَم، وأنحدر إلى البصرة، فأسمع من التبوذكي، فقال: شأنك، فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى موسى بن إسماعيل، فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب عن أحد؟ قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفسًا وأنت الثامن، فقال: وما تصنع بهذا؟ فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطىء، فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره، فإذا
[ ١ / ٣٤ ]
رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اتجمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافهم علمت أن الخطأ منه لا من حماد، فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطىء عليه.
حدثنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن علي المحرمي، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، عن نعيم بن حماد، قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: كيف نعرف صحيح الحديث من خطئه؟ قال: كما يعرف الطيب المجنون.
سمعت هارون بن عيسى بن السُّكَين ببلد، قال: سمعت أحمد بن منصور الرمادي، يقول: كنا عند أبي نعيم نسمع مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قال: فجاءني يومًا يحيى ومعه ورقة قد كتب فيها أحاديث من أحاديث أبي نعيم وأدخل في خلالها ما ليس من حديثه، وقال: أعطه بحضرتنا حتى يقرأ، وكان أبو نعيم إذا قعد في تيك الأيام للحديث كان أحمد على يمينه ويحيى على يساره، فملما خف المجلس ناولته الورقة فنظر فيها كلها، ثم تأملني ونظر إليهما، ثم قال وأشار إلى أحمد: أما هذا فأدين من أن يفعل مثل هذا، وأما أنت فلا تفعلن، وليس هذا إلا من عمل هذا، ثم رفس يحيى رفسة رماه إلى أسفل السرير، وقال: علي تعمل؟ فقام إليه يحيى وقبله، وقال: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، مثلك من يحدث، إنما أردت أن أُجَرِّبَكَ.
أخبرنا عبد الملك بن محمد، قال: سمعت عباس بن محمد يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه.
قال أبو حاتم: فهذه عناية هذه الطائفة بحفظ السنن على المسلمين وذب الكذب عن رسول الله -ﷺ-، ولولاهم لتغيرت الأحكام عن سننها حتى لم يكن يعرف أحد مخرج صحيحها من سقيمها، والملزق بالنبي -ﷺ- والموضوع عليه مما روى عنه الثقات والأئمة في الدين.
فإن قال قائل: فكيف جرحت من بعد الصحابة وأبيت ذلك في
[ ١ / ٣٥ ]
الصحابة؟ والسهو والخطأ موجودان في أصحاب رسول الله -ﷺ- كما وجد فيمن بعدهم من المحدثين.
يقال له: إن الله ﵎ نزه أقدار أصحاب رسول الله -ﷺ- عن ثلب قادح، وصان أقدارهم عن وقيعة منتقص، وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم، وقد قال ﵎: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم قال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ فمن أخبر الله ﷿ أنه لا يخزيه في القيامة، وقد شهد له باتباعه ملة إبراهيم حنيفًا لا يجوز أن يجرح بالكذب، لأنه يستحيل أن يقول الله ﵎: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ثم يقول النبي -ﷺ-: "مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأْ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ" فيطلق النبي -ﷺ- إيجاب النار لمن أخبر الله ﷿ أنه لا يخزيه في القيامة، بل الخطاب في الخبر وقع على من بعد الصحابة، وأما من شهد التنزيلَ وصحب الرسولَ -ﷺ- فالثلب لهم غير حلال، والقدح فيهم ضد الإيمان، والتنقص لأحدهم نفس النفاق، لأنهم خير الناس قرنًا بعد رسول الله -ﷺ- بحكم من ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ -ﷺ- وأن من تولى رسول الله -ﷺ- إيداعهم ما ولاه الله بيانه للناس، لبالحري أن لا يجرح، لأن رسول الله -ﷺ- لم يودع أصحابه الرسالة وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب إلا وهم عنده صادقون جائزوا الشهادة، ولو لم يكونوا كذلك لم يأمرهم بتبليغ من بعدهم ما شهدوا منه، لأنه لو كان كذلك لكان فيه قدحًا في الرسالة، وكفى بمن عَدَّلَهُ رسول الله -ﷺ- شرفًا، وأن من بعد الصحابة ليسوا كذلك، لأن الصحابي إذا أدى إلى من بعده يحتمل أن يكون المبلغ إليه منافقًا أو متدعًا ضالًا لا ينقص من الخبر أو يزيد فيه ليضل به العالم من الناس، فمن أجله ما فرقنا بينهم وبين الصحابة، إذ صان الله ﷿ أقدار الصحابة عن البدع والضلال، جمعنا الله وإياهم في مستقر رحمته بمنه.