بسم الله الرحمن الرحيم
فقدت المدينة صباح يوم الأربعاء الموافق:٢١/٦/١٤١٨هـ محدثها وأحد علمائها الأجلاء العلامة المحقق الرحالة الشيخ حماد الأنصاري؛ فبفقده فقد العالم أحد أبرز رجالات العلم والمعرفة، ممن بذل في العلم وتحصيله تعلما وتعليما النفس بالنفس حتى اقتنى من نفائس كتب العلم مالا يحصى كثرة؛ فصار المرجع في ذلك والمعول عليه في بابه حتى لا يكاد يشرع محقق لكتاب من كتب التراث إلا ويحقق من الشيخ عن نسخ الكتاب وأماكن وجودها وما عنده منها في مكتبته العامرة بالنفائس، ولذا كان مجلسه عامرا بأهل العلم من أصحاب الفضيلة المشائخ وطلبة العلم والوافدين من خارج البلاد من كبار العلماء والوجهاء؛ فلا يكاد يخلوا مجلسه منهم فيجد طلاب العلم في هذا المجلس بغيتهم ويتذكروا به مجالس العلماء الذين سمعوا أو قرأوا عنهم.
والشيخ هو أبو عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري الخزرجي، من ذرية سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي (كتبه بخط يداه ﵀) .
ولد شيخنا "﵀" عام ١٣٤٤هـ في مدينة تسمى (تاد مكة) بصحراء إفريقيا الغربية، وتوفي والده فنشأ يتيما في كنف خاله ببيت علم؛ فقد اشتهرت أسرته في موطنها بالعلم والفتيا والقضاء والسيادة.
وباشر دراسته بها؛ فدرس على أجلة علماء بلده في جميع العلوم، وذلك بعد أن شرع في حفظ القرآن الكريم حفظا وتجويدا وهو في العاشرة من عمره، ولم يبلغ التاسعة عشرة، حتى حفظ كثيرًا من المتون العلمية في مختلف الفنون، ودرس على مشايخ البلد في الفقه، والحديث، والتفسير، والتوحيد، والعربية، والبلاغة، وأصول الشافعي في الفقه.
[ ١ / ١١٥ ]
وممن أخد عنهم في هذا الفترة من مشايخه:
١- خاله المقرئ: محمد أحمد بن تقي، وعليه حفظ القرآن، وأخذ علم التجويد والنحو والصرف، وقرأ رسالة "ابن أبي زيد القيرواني".
٢- عمه الشيخ: محمد أحمد بن محمد (الملقب بالبحر، لتبحره في العلوم)، وعنه أخذ التفسير، وسمع "الموطأ" والصحيحين، و"سنن أبي داود"، وعلم النحو والفقه.
٣- ابن عمه: موسى بن الكسائي، عنه أخذ علم البلاغة.
٤- الفرضي حمود بن محمود الشريف الحسني، وأخذ عنه علم الفرائض وغيره من العلوم.
وخلق كثير من أمثالهم، سمع من هؤلاء العلماء بالأسانيد المتصلة إلى المؤلفين في معظم ما درس عليهم من العلوم وأجازه فيما سواه.
واتصل الشيخ بعدد من أهل العلم بعد قدومه إلى بلاد الحرمين أخذ عنهم العلم وأجازه البعض الآخر، منهم:
* شيوخه في مكة: الشيخ عبد الرزاق حمزة (قرأ عليه "تفسير ابن كثير")، والشيخ العلامة حسن المشاط (وقرأ عليه "سنن الترمذي")، والشيخ محمد العربي التباني، والشيخ محمد أمين الحلبي (أخذ عنه النحو)، والشيخ حامد الفقي.
* شيوخه في المدينة: الشيخ محمد بن تركي (قاضي المحكمة المستعجلة، قرأ عليه "الموطأ" للإمام مالك، و"المغني" لابن قدامة)، والشيخ محمد الخيال النجدي (رئيس المحكمة)، والشيخ عمر بري (وقرأ عليه "صحيح مسلم"، و"الهداية" للمرغيني في الفقه الحنفي، و"ألفية" ابن مالك، و"ديوان" المتنبي)، والشيخ محمد الحافظ (قرأ عليه "سنن النسائي"، وبعض "ألفية ابن مالك")،
[ ١ / ١١٦ ]
والشيخ عمار المغربي، والشيخ حبيب الرحمن الهندي، والشيخ عبده خديع، الشيخ عبد الرحمن الإفريقي، وغيرهم.
وأما المشايخ الذين استجازهم الشيخ، فمنهم:
الشيخ عبد الشكور الهندي، والشيخ سليمان بن حمدان، والشيخ محدث الحجاز عبد الحق الهاشمي العمري، ومحمد عيسى الفاداني، وعبد الحفيظ الفلسطيني، والشيخ حمود التويجري، وقاسم بن عبد الجبار الفرغاني، والشيخ عبيد الله الرحماني المباركفوري، وخلق كثير سواهم.
وقد جمع الشيخ أسماء شيوخه مرتبة على الحروف الأبجدية في ثبت خاص.
أما المشايخ الذين كان لهم أكبر الأثر في حياة الشيخ: الشيخ محمد عبد الله ابن محمود المدني إمام المسجد النبوي سابقًا، وسماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية "رحمهما الله".
وكان رحيل الشيخ من بلاده "بعد أن دب فيها الفساد" إلى الحرم المكي سنة ١٣٦٥هـ، رغبة منه في الاستزاد من العلم الشرعي على مشايخ أهل السنة في الحديث وعلومه "ولم يبلغ العشرين من عمره بعد" فوصلها ١٣٦٦هـ، فأقام بمكة نحو أربع سنوات، وانضم خلالها إلى الحلقات العلمية في الحرم.
وفي سنة ١٣٦٩هـ انتقل الشيخ من مكة إلى المدينة النبوية، واستقر بها، والتحق خلال هذه الفترة بدار العلوم الشرعية حتى نهاية عام ١٣٧٠هـ، ودرس على عدد من مشاهير علمائها الذين كانت لهم حلقات بالمسجد النبوي "وممن سبق ذكرهم".
[ ١ / ١١٧ ]
وبعد أن أنهى الشيخ دراسته بدار العلوم كتب إليه الشيخ العلامة إسماعيل الأنصاري "﵀" طالبا منه القدوم إلى مكة للتدريس معه في المدرسة الصولتية، فأجابه الشيخ حماد إلى ذلك، ودرس في القسم العالي منها عام١٣٧١هـ، ثم طلب منه أهالي مكة وأعيانها أن يدرس في الحرم المكي لما ظهر لهم من علم الشيخ وفضله وسعة اطلاعه، فدرس فيه علم التوحيد والحديث، بعد أن أجازه بذلك سماحة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ "رئيس القضاة في ذلك الوقت ﵀".
وبطلب من سماحة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ "﵀" انتقل الشيخ حماد إلى الرياض ليدرس في المعهد العلمي وذلك سنة ١٣٧٤هـ، وبعد أن درس فيه سنة افتتح سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ "﵀" معهد إمام الدعوة فكان الشيخ حماد من المشايخ الذين وقع الاختيار عليهم للتدريس في هذا المعهد؛ فدرس في القسم العالي منه عام ١٣٧٥هـ، واستمر حتى نهاية عام ١٣هـ حيث نقل إلى كلية الشريعة بالرياض والتي بقي فيها من سنة١٣هـ حتى عام ١٣٨٤هـ.
وقد تميزت هذه الفترة من حياة الشيخ بالنشاط العلمي الواسع؛ فكان له عدة جهود علمية بارزة من بينها: كتابة البحوث في علم الحديث وعلومه، والتوحيد، ونشرها في المجلات العلمية والجرائد.
ومشاركته بإنشاء مكتبته الرياض السعودية "وهي من أقدم المكاتب التي مازال أهل العلم وطلابه يستفيدون منها إلى وقتنا هذا"، كما جالس كبار أهل العلم آنذاك، واستفاد منهم وانتفع به وأخذ عنه العلم تلامذة كثر ممن التقى به ودرس عليه.
وفي نهاية العام ١٣٨٣هـ قرر الشيخ حماد العودة إلى الحجاز "مقره
[ ١ / ١١٨ ]
الأول بعد قدومه من بلده"؛ فمكث سنة في مكة من بداية سنة ١٣٨٤هـ درس في المعهد العلمي بها، وبعده استقر به المقام بالمدينة النبوية في مستهل سنة ١٣٨٥هـ مدرسا بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية، واستمر في الجامعة حتى أصبح رئيسا لقسم السنة والعقيدة، أشرف خلالها على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه بالجامعة، وفي عام ١٤٠٧هـ تقاعد الشيخ عن الأعمال الوظيفية بعد أن أمضى فيها ما يقارب من أربعين سنة، اجتهد "﵀" من خلالها على التحصيل والطلب وجدَّ في خدمة العلم وأهله، حتى منحه الله أمورا قل أن تجتمع لغيره في هذا الزمن؛ فكان ملازما لنشر علوم الحديث، وحبب إليه هذا الشأن "ابتداء من عام (١٣٦٧هـ) " فاعتنى به وتميّز فيه عن غيره، فسار من أجله وارتحل إلى الأقاليم النائية في طلبه، والبحث عن تراث المسلمين فيه عدة رحلات من بينها رحلته إلى الهند أكثر من مرة، وإلى أسبانيا، والجزائر، والمغرب، وتونس، وليبيا، وسوريا فأتى بالعجيب "من ولعه وعنايته البالغة بكتب التراث الإسلامي" عنها؛ فقل أن يوجد مخطوط مهم في الحديث وعلومه أو التوحيد إلا وعند الشيخ نسخة منه؛ إذ كان مبعوثا من قبل الجامعة الإسلامية للبحث والتنقيب عن المخطوطات، وتصوير المهم منها، وقد كان "﵀" كل ما جلب مخطوطا أخذ نسخة منه لمكتبته الخاصة حتى تكونت عنده "على ضيق ذات يده" مكتبته زاخرة ثرية بالنفائس من أمهات الكتب ونوادر المخطوطات، والتي استفاد منها كثير من أهل العلم، والمراكز العلمية في البلاد الإسلامية.
وقد بذل الشيخ حماد جهده ومكتبته لأهل العلم وطلابه؛ فأصبح مجلسه
[ ١ / ١١٩ ]
مهوى أفئدتهم ومقصدهم داخل البلاد وخارجها.
وتميز الشيخ حماد "﵀" بكثرة مشايخه الذين استجازهم وأخذ العلم عنهم رواية ودراية متبعا في ذلك ما كان عليه السلف الصالح؛ حيث أجازه أكثر من خمسين شيخا؛ وكان في الغالب لا يأخذ إلا من عرف مع علمه بسلامة المعتقد مما أذعن له الكثير من طلبة العلم في هذه البلاد وخارجها؛ فقصده لأخذ علم الحديث والرواية عنه "مع تشدّد منه في الإجازة وامتحان لمن طلبها" لمعرفتهم بتحقيقه وضبطه وسعة روايته فيه، وكثرة من لقي من مشايخه، حتى حصل له من ذلك علم كثير.
ولقد عرف الشيخ بالعقيدة السلفية الصحيحة، والغيرة على اعتقاد السلف الصالح، والنبذ للبدع والبغض لأهلها منذ قدومه الحجاز ودراسته على مشايخ الحرمين؛ فأخذت العقيدة منه نصيبًا كبيرا في الإعتناء بها دراسة وتدريسًا، وبحثًا، وله في ذلك بعض المؤلفات.
مؤلفات الشيخ:
الشيخ حماد "﵀" من كبار المصنفين في علم الحديث مع مشاركته له في الفنون الأخرى على اختلافها، وبيان مؤلفاته كما يلي:
١- سيبل الرشد في تخريج أحاديث ابن رشد (في أربع أجزاء، ولم يكمل، خ) .
٢- عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري (ط) .
٣- بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني (طبع المجلد الأول منه) .
٤- الأجوبة الوفية عن أسئلة الألفية.
[ ١ / ١٢٠ ]
٥- إتحاف ذوي الرسوخ بمن دلس من الشيوخ (ط) .
وفاته:
وبعد أن لازمه المرض فترة طويلة (تزيد عن ثمانية أشهر)، توفاه الله ﷿ في صباح يوم الأربعاء ٢١/٦/١٤١٨هـ وقد استكمل أربع وسبعون سنة. ﵀ رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكتبه: عبد العزيز إبراهيم بن عبد الله آل حسين في ٩/٧/١٤١٨هـ الرياض.
[ ١ / ١٢١ ]