التراث الإسلامي تراثٌ خالد زاخر بالعلوم والمعارف، وله أثرٌ عظيم في سموّ الأمة ورُقيِّها وتطوّرها فكريًّا وثقافيًا وسياسيًّا واقتصاديًا، وفي كافة
[ ١ / ٢١٥ ]
مناحي الحياة؛ وأمّة بلا تراث لا تاريخ لها، ومن لا يعرف تراثه فلا حاضر له ولا مستقبل.
ومن هذا المنطلق فقد كان العلامة الأنصاري "يرحمه الله" معنيًّا بالتراث الإسلامي، سيما ما يتعلّق بالعقيدة والشريعة والسنة النبوية؛ وقد صرف جلّ وقتِه الثمين في البحث عن التراث والتنقيب عنه وإبرازه للوجود بكلِّ ما لديه من طاقاتٍ وإمكانيات.
هذا، وتتجلّى عنايته بالتراث وخدمته له وللباحثين عنه في أمور كثيرة أوجزها فيما يلي:
أولًا: رحلته في البحث عنه عبر أقطار العالم، ومحاولته جمع كنوزه وفحصها واقتناءها والعناية بها.
ثانيًا: تزويد الجامعات الإسلامية والمكتبات العامة بنفائس المخطوطات المفقودة والبعيدة الموجودة؛ فقد كان "﵀" يحرص أشد الحرص على اقتناء المخطوطات النفيسة ومِن ثَم تصويرها وإعطاء الأصل للجامعات أو المكتبات العامة، حتى إن أغلب ما في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية من المخطوطات هي من انتقاء شيخنا الأنصاري "يرحمه الله".
ومن المخطوطات النادرة التي كانت في حكم المفقود كتاب (التكميل في الجرح والتعديل) لابن كثير "﵀"، وكان يوجد منه قطعة في مكتبة الحرم النبوي وبقيّته مفقود، وبتفتيش العلامة الأنصاري وجد تتمة الكتاب بمصر عند أحد الورّاقين فاشتراه ثم قام بتصويره، وزوّد مكتبة الحرم بنسخة منه؛ وقد أطلعني شيخنا عليه في مكتبه العامرة، وهو الذي قصّ عليّ قصة هذا الكتاب النفيس المتعلّق بعلم الرجال.
[ ١ / ٢١٦ ]
ومن المخطوطات النفيسة التي يعود الفضل لشيخنا الأنصاري في بعثها إلى الوجود بعد أن كانت في حكم المفقود كتاب: (المتفق والمفترق) للخطيب، الذي كان دهرًا طويلًا لا يُعرف عنه شيء، وقد كان العلامة الأنصاري "يرحمه الله" دائم السؤال والتنقيب عنه حتى عثر على جزءٍ منه في مكتبة فضيلة الشيخ ابن حميد "﵀"؛ ولمعرفة شيخنا باشتمال تلك المكتبة على نفائس فقد استأذن في مطالعتها فوجد فيها جزءًا منه، ثم استأذن في تصويره فأذن له، وتابع شيخنا البحث حتى وجد بقية الكتاب، ثم أرسل بقيته مصوّرًا إلى فضيلة الشيخ ابن حميد "﵀" الجميع.
وهو أول من أدخل (سنن سعيد بن منصور) إلى المدينة النبوية.
ثالثًا: خدمة الباحثين عن التراث:
وهم على قسمين:
١- طلاب الدارسات العليا بالجامعات؛ حيث كان الباحثون يفِدون إلى العلامة الأنصاري زرافاتٍ ووحدانًا للاستفادة من شيخنا في عددٍ من الجوانب أهما:
الأول: استشارته في موضوعات رسائلهم للماجستير وأطروحاتهم للدكتوراه وأخذ رأيه السديد في قيمة ما يسجلونه من مخطوطات ومدى الإفادة منها.
الثاني: التعرف على أماكن المخطوطات وما طبع منها وما لم يُطبع وعدد نسخها وصفتها من حيث الجودة ونوع الخط ووضوحه ونحو ذلك.
الثالث: الإشراف على الرسائل والأطروحات العلمية أو مناقشتها.
[ ١ / ٢١٧ ]