إنَّ لكلِّ نابغةٍ وعبقري خصائص ومزايا تخصُّه وينفردُ بها عمّن سواه؛ تلك الخصائص والمزايا مؤهّلات لما ينتظره في عالم السموّ من التفرد والنبوغ والذكر الحسن الخالد.
ولقد كان للعلامة الأنصاري "يرحمه الله" خصائص امتاز بها عن غيره ومزايا تفرّد بها عن أقرانه ومعاصريه مما كان سببًا في نبوغه وتميُّزه، ومن ثَمَّ تربعه على عرش (المرجعية العلمية) .
فكان مرجع العلماء والطلاب على حدٍّ ساء، ولقد تفرَّست فيه طيلة ملازمتي له خلال عشر سنوات؛ فرأيت فيه من سمات الفطنة والذكاء وقوّة الذاكرة وخصائص الألمعية ما يؤهله لمرتبة العبقرية وما يجعله في مصافِّ الأفذاذ البارزين والنوابغ النادرين الذين لا نظيرَ لهم في عصرهم؛ فلقد كان بحقٍّ علَمًا فذًّا، وسيدا جهبِذًا.
[ ١ / ٢٠٩ ]
فيا ترى ما هي أبرز خصائصه التي حباه الله تعالى إياها حتى تميّز بها عمن سواه ونبغ بها عن غيره؟، وللإجابة عن ذلك فإنه يمكن إيجاز تلك الخصائص في التالي:
أولًا: الهمّة العالية:
كان العلامة الأنصاري "يرحمه الله" ذا همّة عالية، تفوق همم كثيرٍ ممن كان لهم عناية بطلب العلم وتتبع آثاره الدّارسة.
همّةٌ عالية قويّة تتطلع إلى الميزة في كلِّ علم وفن وفي كلِّ زمان ومكان؛ لقد كان هذه الخصِّيصة من أبزر الخصائص التي يتمتع بها المحدث الأنصاري، مما جعله قمَّةً من القِمَمِ المنيفة في حيازة العلم وفي سعة الأفق وتفتح المدارك.
فلم يكن يهدأ للشيخ بالٌ ولا يقرُّ له قرار دون بلوغ منيته في القراءة والإطلاع والتأليف والجمع وفي البحث والتنقيب عن نفائس العلم ومخطوطاته في شتّى بقاع الأرض، ولم يكن يسأم من الساعات الطويلة التي يقضيها في ردهات المكتبات في أنحاء البلاد الإسلامية التي رحل إليها في تقصِّي البحث عن الكتب النادرة النفيسة، مع البحث الدءوب والعمل المتواصل ليل نهار تبعثه همّته القوية العلية وعزيمة الصلبة على تخطِّي العقبات وتذليل الصعوبات مهما كانت التضحيات كبيرة وغالية؛ إذْ كان يبذل وقتَه وجهدَه وماله من أجل تطلب العلم والكتب والمخطوطات بلا ضجرٍ أو سآمة، ولو كان ذلك على حساب صحّته البدنية حتى مع كبر السن وتقدُّم العمر.
وإذا كانت النفوسُ كِبارًا تعبت في مرادها الأجسامُ
وكانت تعترضه في البحث أحيانًا مسائلُ عويصة ومشكلاتٌ معضلة، ولكن بالهمّة العالية التي لا يخالطها قنوطٌ ولا يأسٌ أو تردّد كانت تهون وتتيسر
[ ١ / ٢١٠ ]
تلك المسائل والمشكلات حتى يبلغ منها مناه "يرحمه الله"؛ وكان كثيرًا ما يحثني على بذل الجهد في التحصيل والهمة فيه، ويتمثّل قولَ الناظم:
والعلم ليس بقرقرٍ (١) بل في ذرى نيقٍ (٢) يفوت مدى البزاة الصُّيَّد
لم يصمه (٣) سهمٌ ولم يبتزه بازٍ ولم يصرع برمية مِلْقد (٤)
لكن بأشراك الحُلوم وهمَّةٍ نفَّاذة الأغراض فليُتصيَّدِ
ثانيًا: الصبر والجلَد والمثابرة:
كان العلامة الأنصاري "يرحمه الله" ذا جلدٍ كبير، وصبر عظيم، ومثابرةٍ على التحصيل العلمي في شتّى الفنون بلا كللٍ أو مللٍ أو تضجُّر؛ فلا يبلغ مداه في ذلك أحد.
وكان يحمل نفسه على عظائم الأمور وسائر المشاق في سبيل بلوغ غايةٍ علمية أو شاردة حديثيّة أو فقهية أو تراثٍ قديم.
كان "يرحمه الله" يُجهد نفسه في التنقيب عن مخطوطةٍ نادرة أو كتابٍ نفيس مفقود أو تراثٍ عزيز ليُحييَ أثره ويعيده إلى الوجود بعد أن كان حبيس خزائن الكتب دهرًا طويلًا؛ حتى أنه رحل رحلات كثيرة لأجل هذه الغايات النبيلة؛ لقد صبر على لأواء رحلته من إفريقيا وشدائدها المُرَّة؛ حيث رحل إلى السودان، ومِن ثَم الجزيرة العربية؛ حدثني شيخنا الأنصاري قال: (ما خرجت
_________________
(١) المكان المستوي والأرض السهلة.
(٢) الجبل الشاهق.
(٣) يصبه.
(٤) العصا.
[ ١ / ٢١١ ]
من إفريقيا إلاّ لأجل الحديث، وكان عندنا مكتبةٌ كبيرة كلُّ كتابٍ فيها ما عدا كتب الحديث)؛ فخرج للبحث عن تراث الحديث النبوي الذي لم يكن عندهم في إفريقيا منه إلا الكتب التالية:
١- (الموطأ) مع الزرقاني.
٢- (صحيح البخاري) .
٣- (صحيح مسلم) .
٤- (سنن أبي داود) .
ومِن ثَم هاجر راحلًا باحثًا عن تراث السنة النبوية في غير إفريقيا؛ فرحل إلى الهند، وباكستان (١)، والأردن، وسوريا، وتركيا، ومصر، والمغرب، وتونس، والجزائر، وليبيا، وأسبانيا، وإيطاليا؛ كلُّ ذلك لأجل البحث عن التراث العلمي المفقود والبعيد الموجود.
ولم يكن يدركه قنوطٌ أو يأسٌ حينما تُغلق السبل في طريق البحث عن تراث علميٍّ مخطوط، بل كان يواصل رحلة البحث أيّامًا وشهورًا؛ وقد تنقضي السنين ولا يزال يسأل عما يبحث عنه من مخطوطات بدون تراجع أو تردد.
ومِن جلَدِه على القراءة: أنه كان يمضي الساعات الطويلة ناظرًا في المطبوعات أو مفتِّشًا في المخطوطات؛ وإذا جاءه مخطوط نادر أو كتابٌ جديد فإنه لا ينام حتى يتمّ قراءته كاملًا حتى يطلع عليه الفجر ولم يكمله، وقد يجيء الضحى وهو مستغرقٌ في القراءة والإطلاع، وكان إدمانه على القراءة "سيّما
_________________
(١) قلت: الأردن، وباكستان، تركيان ليبيا لم يرحل إليها ا. هـ (عبد الأول) .
[ ١ / ٢١٢ ]
المخطوطات" أحد أسباب مرض عينيه "يرحمه الله"؛ وقد ذكر لي أنه قرأ (فتح الباري) عشرين مرّة، وما ذلك إلاّ لصبرٍ طويل ودأبٍ على التحصيل.
ثالثًا: البحث والاستقصاء:
يعتبر العلامة الأنصاري "﵀" أحد الأعلام البارزين في مجال البحث العلمي، وعلي يديه قامت حركة علمية؛ فهو الباعث لكثيرٍ من طلاب العلم على البحث والتقصِّي ومواصلة العمل الجادّ، مما شكَّل نهضة علميّةً كبرى سيما في الجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي؛ فقد كان له طلاّب لا يُحصون كثرةً منتشرين في سائر بقاع العالم الإسلامي.
هذا، ولقد كان الأنصاري "﵀" باحثًا من الدرجة الأولى، وتميَّز بعدّة مزايا وخصائص في هذا المجال ويمكن تلخيصها في الآتي:
١- اختيار العناوين اللطيفة لمؤلفاته وبحوثه:
كان العلامة الأنصاري "يرحمه الله" يُعنى بانتقاء الاسم المناسب لما يؤلف، ويحرص أن يكون جذّابا للقارئ ومطابقًا للمضمون، ولطيفًا في الوقت نفسه؛ ومن ذلك: (أين القمر؟)، و(ثمرات المطالعة)، و(إعلام الحميم بأقسام العلوم) "مخطوطة".
٢- التنوُّع: كان العلامة الأنصاري متنوع الثقافة، موسوعي المعرفة؛ لذا جاءت مؤلفاته فيضًا من مناهل علمه الواسع العميق؛ لذا نراه قد ألّف في عددٍ من التخصصات:
ففي العقيدة: (عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري)، و(إتحاف الخلاَّن بما ورد في ليلة النصف من شعبان)، و(تحفة القاري في الردِّ على الغماري)، وهي مطبوعة.
[ ١ / ٢١٣ ]
وفي الفقه: (رفع الأسى عن المضطر لرمي الجمار في المسا)، و(إعلام الزمرة بأحكام الهجرة)، و(تحفة السائل عن صوم المرضع والحامل)، و(كشف اللثام عما ورد في دخول مكة بلا إحرام)، و(الإعلان بأنّ "لعمري" ليست من الأيمان) وهي منشورة.
وفي الحديث وعلومه: (بطلان الخبر الذي تضمَّن عرض السنُّة على القرآن) "مخطوط"، (تعريف أهل الطاعة بما ورد في التوقيت بالساعة) "مخطوط"، و(تعليق الأنواط في التعليق على صاحب الاغتباط) "مخطوط"، وغيرها.
وفي التاريخ والسيرة: (تحقيق السيرة النبوية) "مخطوط"، (تاريخ ملِّي "أي: مالي" في القديم والحديث) "مخطوط".
وفي التراجم: (إتحاف ذوي الرسوخ بمن رمي بالتدليس من الشيوخ) "مطبوع"، و(فتح الوهاب فيمن اشتهر من المحدِّثين بالألقاب) "مطبوع"، (دعوة الشيخ محمد عبد الله المدني في الصحراء الكبرى وأثرها)، (ترجمة لأبي حنيفة)، (ترجمة كنيز) "مخطوط".
وفي التفسير: (مبادئ في أصول التفسير) "مخطوط"، و(مختصر التفسير) "مخطوط".
وفي النحو: (الأجوبة الوفيّة على أسئلة الألفية) "مخطوط".
إلى غيرِ ذلك من مؤلفاته وبحوثه ورسائله المتنوعة في سائر الفنون.
٣- التحقيق والاستقصاء والعمق:
من مزايا بحوث محدِّث المدينة النبوية "يرحمه الله" ورسائله ومؤلفاته: تحرير المسائل وتحقيقها مع العمق والاستقصاء؛ حيث إنَّ القارئ يجد فيها ما يروى
[ ١ / ٢١٤ ]
غلّته ويشفي علّته، ولا يحتاج بعد ذلك إلى عناء البحث والتحقيق، مع الاطمئنان للنتائج التي يتوصل إليها العلامة الأنصاري من خلال تحقيقاته العلمية واستقرائه لسائر جوانب الموضوعات التي يطرقها.
ويتجلّى ذلك في كتبه التالية:
١- (بلغة القاصي والدَّاني في تراجم شيوخ الطبراني) (مطبوع): قال في مقدِّمته: (وقد جرّدت أسماءَهم من المعجم الصغير وغيره من مؤلفاته فبلغت عدّتهم: ثلاثة وخمسين ومائتين وألف شيخ، وأعتقد أن ليس للطبراني من المشايخ أكثر من هذا العدد) .
فاستقرأ العلامة الأنصاري كلّ هذه التراجم النادرة، وترجم لكلّ علمٍ بترجمة مستقلّة؛ وهذا يدلُّ على سعة اطلاعِه واستقرائه واستقصائه.
٢- (إزاحة الغطاء عن أدلة رفع اليدين في الدعاء): استقصى فيه سائر ما ورد في رفع اليدين في الدعاء، وبين درجة كلّ حديثٍ من الصحة أو الضعف.
٣- (سبيل الرشد في تخريج أحاديث بداية ابن رشد): عمد الأنصاري "﵀" إلى (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) فاعتنى بالأحاديث والآثار الواردة فيه، فخرَّجها تخريجًا علميًّا على منهج المحدِّثين، ثم بيّن حكم تلك الأحاديث والآثار من حيث الصحة والضعف.
هذا غيضٌ من فيض يدلّ على عمق علامة المدينة النبوية ومحدِّثها "يرحمه الله" واستقصائه في بحوثه وحسن استقرائه.
[ ١ / ٢١٥ ]