محدث المدينة المنورة الشيخ العلامة: حماد بن محمد لأنصاري "﵀".
بقلم: الدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي (مكة المكرمة) .
في يوم الأربعاء ٢١ من شهر جماد الآخرة ١٤١٨هـ الموافق ٢٢ أكتوبر١٩٩٧م فقدت الأمة الإسلامية علما شامخا من أعلام السنة النبوية ورمزا بارزا من رموزها في هذا العصر بعدما ظل سنين طويلة ينهل طلبة العلم من نبعه الفياض، بل من بحره الزخار ما يرون به غليلهم ويشفي به عليلهم.
كان أستاذنا وشيخنا محدث المدينة المنورة ومسندها العلامة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري "﵀" من أبرز من عرفته العلماء ممن يرجع إليهم في هذا العصر لمعرفة السنة النبوية وعلومها، ومصادرها، وأصولها، وقواعدها، وفوائدها، وعللها، وشرحها، وفقهها، والتميز بين صحيحها وضعيفها، ومعرفة غوامضها ومعانيها.
ولقد كانت وفاته خسارة كبيرة لطلبة العلوم الشرعية عامة ولطلبة علوم السنة النبوية خاصة.
وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
دراسته وشيوخه:
ولد الشيخ في أسرة مشهورة في مالي بالعلم والفتيا والقضاء؛ فحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب وهو في الخامسة عشرة من عمره، وحفظ الكثير من كتب المتون وهو في سن التاسعة عشرة، وكان لا يزال يحفظها حتى إلى السنوات الأخيرة من عمره؛ وهذا ميزت بما يمتاز بها كثير من علماء شنقيط والغرب الإفريقي، ومن أبرز ما شاهدت في هذا المجال: شيخنا العلامة محمد أمين الشنقيطي "﵀" صاحب كتاب (أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن)، وقد حضرت عليه درسا واحدا في الجامعة الإسلامية وكثير من دروسه في المسجد النبوي؛ فكان لا تمرّ عليه مسألة في الأصول، أو المصطلح أو
[ ١ / ١٨٧ ]
القواعد، أو غيرها من العلوم إلاّ ويتبعها ببيت من الشعر يدل عليها، وكأن تلك الكتب كلها بين يديه يأخذ منها ما يشاء كالذي يغرف من البحر دون تعب أو مشقة.
وكان شيخنا حماد الأنصاري "﵀ منهم"؛ وكما قيل: (من حفظ المتون حاز على الفنون)، وهذا لا شك إذا كان الحفظ مقرونا بالفهم والنظر كما كان الحال عند هؤلاء العلماء الأجلاء.
تلقى الشيخ تعليمه الأول من مشايخ بلده، ومن بينهم: عمه الشيخ أحمد بن محمد الذي يلقب "بالبحر" لتبحره في العلوم، ومن خاله محمد أحمد بن تقي، وابن عمه موسى بن الكسائي، والفرضي حمود بن محمود الشريف الحسني.
وإبان الحرب العالمية الثانية اشتد ضغط الفرنسيين المحتلين على المسلمين في مالي حتى أظهر الشيخ وكثير غيره إلى الهجرة من (تاد مكة) إلى (مكة المكرمة)، حيث وصل المملكة العربية السعودية عام ١٣٦٦هـ؛ ولشيخنا رسالة في وصف هجرته من مالي إلى المملكة العربية السعودية كما كنت سمعت منه في بعض مجالسه في بيته، وأظنها مازالت مسودة والله أعلم.
وفي بلاد الحرمين التقى الشيخ بكثير من كبار علماء العالم الإسلامي، وحصل منهم على إجازات للرواية والتحديث؛ ومن بينهم: الشيخ أبو محمد عبد الحق العمري الهندي، المدرس بالمسجد الحرام "﵀"، والشيخ عبد الشكور الهندي، والشيخ عبد الحفيظ الفلسطيني، والسيد قاسم بن عبد الجبار الفرغاني، والشيخ أبو بكر التنبكتي، والشيخ محمد ابن تركي، والشيخ محمد
[ ١ / ١٨٨ ]
الخيال النجدي، والشيخ عمار المغربي، والأستاذ محمد الشعراوي البنجري، والشيخ محمد بن عيسى الفاداني الجاوي المكي.
ومن بينهم: محدث الهند العلامة الشيخ عبد الله المباركفوري "﵀" صاحب كتاب (مراعاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح) المتوفى سنة ١٤١٤هـ.
وعندي "أيضا" إجازة من شيخنا المباركفوري "﵀" برواية كتابه (مشكاة المصابيح) وجميع مسموعاته من شيوخه، كتبها لي "﵀" يوم الأربعاء ٢٦ جماد الآخرة ١٤١٠هـ الموافق ٢٤ يناير ١٩٩٠م.
وقد أفاد شيخنا الأنصاري "﵀" في إجازته التي كتبها لي في بيته في المدينة المنورة يوم الأربعاء الموافق ٩/٤/١٤١٥هـ أنه يروي أيضا عن الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان مدرس التوحيد والحديث في المسجد الحرام كل ما حواه ثبته، ومنه الحديث المسلسل بالأولية.
وكذلك يرويه "أي: الحديث المسلسل بالأولية" شيخنا عن شيخه حافظ العصر ومسند الوقت ومحدثه أبي الأسعاد (١) وأبي الإقبال محمد بن عبد الحي بن عبد الكبير المغربي الفاسي، وعن شيخه السيد قاسم عبد الجبار الفرغاني الأندجاني، وعن الشيخ حمود بن عبد الله التويجري.
وكانت للشيخ الأنصاري "﵀" إجازة أيضا من الشيخ راغب بن حمود الطباخ "﵀" برواية كل ما جاء في ثبته (الأنوار الجليلة في مختصر الإثبات الحلبية) مكاتبة.
_________________
(١) الشيخ حماد "﵀" لا يروي عنه عبد الحي الكتاني إلاّ بواسطة؛ وهذا وهمٌ من الكاتب.
[ ١ / ١٨٩ ]