عالمٌ فقدناه - بقلم الشيخ المحقق: محمد بن ناصر العجمي.
فجع العالم الإسلامي بعامة والحرَمان الشريفان بخاصة بوفاة شيخنا العلامة المتقن المحدّث حماد بن محمد الأنصاري. حيث وافاه أجله المحتوم بعض مرض ألمّ به منذ السنة الماضية؛ وقد صلي عليه في المسجد النبوي يوم الأربعاء ٢١ من جمادى الآخرة ١٤١٨هـ - الموافق: ٢٢/١٠/١٩٩٧م.
عرفتُ شيخنا العلامة حماد الأنصاري منذ أكثر من اثني عشر عامًا، وقد فتح مكتبته لطلاّب العلم، فما من طالب علم في المدينة النبوية أو قادم إليها من أهل العلم إلا وزار الشيخ حماد الأنصاري واستفاد من مكتبته العامرة بنفائس الكتب والمخطوطات، وكذلك طلاب الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية، بل وفي غيرها من الجامعات قلما يستغنون عن هذه المكتبة، وعن مشاورة صاحبها، فيفيدهم من فيض علمه الواسع، وينير لهم الطريق.
هذا، وقد رزق شيخنا الإطلاع الواسعَ على علم الحديث، ومعرفة صحيحه من سقيمه؛ وكان "﵀" وجهًا للسنة النبوية في المدينة المنورة؛ يشهد له بذلك أهل العلم والفضل: يقول المحدِّث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في معرض كلامٍ له: "مع اعترافي بعلمه وفضله وإفادته للطلبة وبخاصة في الجامعة الإسلامية؛ جزاه الله خيرًا". "الأحاديث الضعيفة" (٣/٣١٩) .
هذا فضلًا عن معرفته لعلوم أخرى كان مشاركًا فيها وعلى رأسِها علم التوحيد الذي كان من المبرزين فيه، كما كان "﵀" آيةً في الحرص على
[ ١ / ٢٧ ]
المخطوطات وتتبّع أخبارِها وتصوير ما يمكن تصويره منها.
ولد "رحمه الله تعالى" بـ"تاد مكة" من بلاد "مالي" من عام ١٣٤٤هـ؛ وأخذ العلومَ في بلاده من مشايخ عدة، ثم رحل إلى الحرمين الشريفين، وأخذ عن علمائها؛ فأخذ في مكة عن العلاّمة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ حسن المشّاط؛ واستجاز جماعةً من العلماء الواردين على مكة المكرمة كالشيخ المحدث عبد الشكور الهندي، والشيخ عبد الحق العمري، والشيخ محمد بن عيسى الفاداني، وعبد الحفيظ الفلسطيني، وغيرهم.
ودرَس "﵀" في دار العلوم الشرعية بالمدينة المنورة على الشيخ عمر بري، حيث درس عليه الفقه الحنفي و"صحيح مسلم" و"ديوان المتنبي" و"ألفية ابن مالك"؛ ودرس على الشيخ محمد بن تركي النجدي "الموطأ" للإمام مالك، و"المغني" لابن قدامة.
كما أن من الشيوخ الذين تركوا أثرًا في حياته: الشيخ محمد عبد الله بن محمود المدني "إمام المسجد النبوي"، والمفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ "رحم اللهُ الجميع".
عمل الشيخ حماد الأنصاري مدرسًا في المدرسة الصولتية بمكة المكرمة، ثم انتقل مدرّسًا إلى المعهد العلمي بالرياض سنة ١٣٧٤هـ، ثم في معهد إمام الدعوة سنة ١٣٧٥هـ، ثم انتقل إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٣٨٥هـ؛ وقد حضر عنده الطلبة صغارهم وكبارهم إلى أن بلغ سن التقاعد عام ١٤٠٧هـ.
أما عن مؤلفات الشيخ حماد فليست على قدر علمه وإفادته للطلبة؛ فمن مؤلفاته:
[ ١ / ٢٨ ]
١- "بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني".
٢- "سبيل الرشد في تخريج أحاديث ابن رشد".
٣- "فتح الوهاب في الألقاب".
٤- "إتحاف ذوي الرسوخ بمن دلس من الشيوخ".
٥- "ذيل ديوان الضعفاء والمتروكين" للذهبي "تحقيق وتعليق".
وغيرها من الكتب والرسائل.
أما حافظة الشيخ وقدرته العلمية على استخراج ما يسأل عنه فهذا أمرٌ مشهورٌ عنه؛ يقول الشيخ الأديب محمد المجذوب في كتابه "علماء ومفكرون عرفتهم" (١/٥٩): "في رحلة جامعية صحبناه فيها استمعنا إليه يحدثنا عن فاتحة الكتاب، وأشهدُ لقد تدفّق كالسيل الهادي، يقذف أفانين الدرر؛ فما تلكأ، ولا ارتجّ عليه؛ فكأنما يقرأ في كتاب، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من كنوز هذه السورة؛ فهو يتحف سامعيه من هذه الكنوز".
رحم الله شيخنا العلامة حماد الأنصاري؛ فلقد غاب وفي صدره علم كثير؛ وإنا والله بفراقه لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي الرب.
الشيخ المحقق: محمد بن ناصر العجمي.
[ ١ / ٢٩ ]