كان من الفارِّين بدينِهم الذين نالهم أذى الغزو التكروري أحد أجداد شيخنا (محمد بن يوسف الأنصاري)، وكان من العلماء الكبار آنذاك، ومعه تلميذه: (الشريف: محمد إسحاق أبو الهدى الدَّغوغي (٢) .
وقد هربا إلى (النيجر) إلى بلدة اسمها (آير) شرق (النيجر) على حدود ليبيا، وهناك اجتمعا مع الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، وعبد الكريم المغيلي التواتي، وكان قد قدما من القاهرة إلى (النيجر) للدعوة والتعليم، بدعوة من قاضي (آير) محمود البغدادي؛ وهناك اجتمع الثلاثة من غير
_________________
(١) الدغوغي: نسبة إلى بلدة في المغرب، تسمّى (دغوغ): قريبة من مرّاكش ا. هـ.
[ ١ / ٢٠٤ ]
مواعدةٍ بينهم، ففتحوا دروسًا في المنطقة تحت إشراف القاضي البغدادي والحافظ السيوطي "رحمهما الله".
ولما انتهت الدَّورة الدراسية وعزم كلُّ واحد من الثلاثة (السيوطين والمغيلي، وجدُّ شيخنا) على الرحيل ذهب السيوطي إلى عاصمة نيجيريا (كانوا) بدعوة من رئيسها للتدريس هناك، وذهب معه تلميذه جدُّ شيخنا، وأبو الهدى الشريف، ورجع عبد الكريم المغيلي إلى مسقط رأسه، ونشأتُه منطقة (أدرار) التي عاصمتها (توات) جنوب الجزائر، ورجع جدُّ شيخنا الأعلى محمد بن يوسف الأنصاري إلى وسط مالي في المنطقة الشرقية التي عاصمتها (تنبكتو) جنوب (تادا مكة) التي هُدمت (١) .
هذا، وفي (تادا مكة) كان مولد الأنصاري ونشأته؛ حيث نشأ في بيت علم وفتوى وقضاء، وتوفي والده وهو ابن ثمان سنين فكفله عمُّه البحر محمد أحمد "وهو أولُ شيوخه"، ثم أخذه خاله محمد أحمد بن تقي الأنصاري، وعنه أخذ بعض العلوم والمعارف سيّما اللغة.
ومن شيوخه في أفريقيا: موسى بن الكسائي، والشريف الإدريسي، والشيخ محمد عبد الله المدني؛ وقد درس عليهم حتى أتمَّ سائرَ الفنون من تفسيرٍ ونحو وفقه وحديث وأدبٍ وشعر وغير ذلك، ثم ترقّى الأنصاري في مراقي العلوم حتى شبَّ عن الطوق وصار صاحب فنٍّ وذوق.
ومِن هنا أزمع على الهجرة بعد مجيء الاستعمار الفرنسي بتشجيعٍ من شيخه محمد عبد الله المدني "﵀" الذي أخذ عنه علم التوحيد السلفي،
_________________
(١) من إجابات شيخنا الأنصاري - رحمه الله تعالى - على أسئلة له في رمضان المبارك قُبيل مرضه بأيّام عام ١٤١٧هـ.
[ ١ / ٢٠٥ ]
وعلم الحديث، فاتّجه إلى الحرمين الشريفين، وأخذ عن علمائها، ومنهم: محمد الخيَّال، ومحمد بن تركي، وحامد فقي، وحسن مشّاط، وعبد الرزاق حمزة، والشيخ عمر برِّي، والشيخ عبد الرحمن الإفريقي، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وغيرهم كثير.
وأُجيز بالحديث وسائر الفنون، كما أُجيز بالتدريس؛ فدرَّس النحوَ، والبلاغة، وأصول الفقه، وأصول الحديث، والمنطق، وصحيحي البخاري ومسلم، و(سنن الترمذي)، و(التوحيد) لابن خزيمة، وغيرها.
وفاق أقرانَه، واشتهر ذكرُه حتى ذاعَ صيتُه في الأقطار.
وكان "يرحمه الله" ذات سمتٍ حسن وهدي نبويٍّ، يعمل بالسنن، طيِّب السيرة، نقيّ السريرة، مع التقوى والورع والزهد في حطام الدنيا، عالمًا، عاملًا، باذلًا نفسَه لطلاّب العلم، لا يبخل بعمله ولا بفهمه، صبورًا على مشاقّ العلم وعقباته، بعيد الهمَّة، حاضر البديهة، سريع الاستحضار، قويّ الذاكرة، حافظًا، زاخرًا بللآلئ العلم ودرارِيه، وسع الإطلاع، غزير المعرفة، مع الحلم والتواضع، والجود والكرم، وبذل النفس، وغير ذلك من الخصال الجميلة والصفات الحميدة؛ فرحمه الله رحمةً واسعة، وجمعنا به في مستقرِّ رحمته.
[ ١ / ٢٠٦ ]