قضى العلامة حماد بن محمد الأنصاري حياته معنيًّا بجمع تراث السلف الصالح المخطوط منه والمطبوع؛ وكان يبذل قصارى جهده في البحث والتنقيب عن مخطوط نفيس أو قطعةٍ مفقودة أو تتمة كتاب لديه بشتّى السبل من سفرٍ أو سؤال أو فحص.
وكان للشيخ الأنصاري "يرحمه الله" القدحُ المعلَّى في هذا الجانب؛ فهو خبيرٌ بالمخطوطات، عارفٌ بخطوطها، قارئ بارعٌ لها حتى الخطوط التي يعجز عن قرائتها الفحول، إلاّ أنه سرعان ما يفكّ رموزها؛ ولقد أطلعني في حياته "يرحمه الله" على كتاب (شرح اعتقاد أصول أهل السنة والجماعة) للالكائي مخطوطًا فرأيته بخطٍّ صغيرٍ دقيق وغير واضح لا يكاد يُقرأ، ورأيته قد نسخه كاملًا بخطّه الجلي فعجبت من معرفة الشيخ وجلده على مثل ذلك السِّفر الضخم؛ ومما يجدر الإشارة إليه أن المحقّق لذلك الكتاب لم يجد عناءً؛ حيث أخذ نسخة الشيخ وهي تعتبر نسخة أخرى للكتاب واعتمدها في التحقيق لعدم قدرته على قرائتها؛ هذا مثالٌ من أمثلةٍ كثيرة تدلُّ على جليل قدر الأنصاري وعلوّ كعبه في مجال المخطوطات؛ لذا كان أغلب طلاب الجامعات في المملكة يعتمدون عليه في هذا الجانب الذي سبقت الإشارة إليه.
[ ١ / ٢٢٠ ]
هذا، وقد حوت مكتبة الأنصاري أكثر من ألفي مخطوط، جمعها من مكتبات العالم شرقًا وغربًا خلال تطوافه فيها، وعني بها حيث قام بتجليدِها بتجليدٍ فاخر، مع فهرس داخلي لموضوعات بعضها تسهيلًا على الباحث والمطالع.
ومن النفائس التي يحويها قسم المخطوطات بالمكتبة الأنصارية:
(تاريخ دمشق) لابن عساكر، نسختان، منها نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق التي يعتمدها محدِّث الديار الشامية ناصر الدين الألباني.
وأجزاء من (تهذيب الكمال) للمزي.
و(التكميل في الجرح والتعديل) لابن كثير، ولم يكمل.
و(المتفق والمفترق) للخطيب.
وكتابي (الإمام) و(الإلمام) لابن دقيق العيد، أجزاء منها.
وغيرها كثير.
هذا، ومكتبته حافلةٌ بالكتب المطبوعة القديمة والحديثة؛ فلقد كان العلامة الأنصاري "﵀" حريصًا على اقتناء الكتب النادرة والطبعات القديمة والحديث، مع متابعةٍ حثيثةٍ لكل جديد يصدر، سيما في علمي الحديث والعقيدة.
ومكتبته مقسّمة إلى أقسام ومرتّبةٌ على حروف المعجم؛ فقسم للعقيدة، وقسم للحديث وعلومه، وقسم للرجال والتراجم، وقسمٌ للتفسير وعلومه، وقسم للفقه وأصوله، وقسم للغة والمعاجم، وقسم للسيرة والتاريخ.
وهناك قسم مخصَّصٌ للرسائل الجامعة، وغالبها مما أشرف عليه أو كان عضوًا في مناقشته، وقسم للفهارس العلمية لمكتبات العالم؛ وأحفل هذه الأقسام
[ ١ / ٢٢١ ]
الخاص بالحديث وعلومه ورجاله؛ وقد أخبرني شيخنا "يرحمه الله" أن هذا القسم يشمل سبعين نوعًا من أنواع علوم الحديث، منها خمسة وستون نوعًا ذكرها ابن الصلاح في مقدّمته، والباقي مما زاده العراقي، حيث أوصلها للمائة.
وبهذا تكون المكتبة الأنصارية من أجمع المكتبات الخاصة في المملكة التي عنيت بالحديث وعلومه.
هذا، وكان الشيخ حماد الأنصاري "﵀" قد جعل غالب وقتِه في المكتبة لخدمة طلاب العلم والوافدين عليه من أقطار العالم الإسلامي؛ حيث تُفتح المكتبة من بعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء يوميًّا طيلة أيام الأسبوع، وأما في يوم الخميس فهي مفتوحة من الساعة التاسعة صباحًا إلى العشاء.
وكان من عادته أن يدخل المكتبة ويبدأ بالمطالعة والبحث، وفي تلك الأثناء يستقبل طلاب العلم القادمين إليه إمّا لزيارة أو للسؤال أو لبحث معتمدين على الشيخ في مصادر البحث المخطوطة والمطبوعة.
وكان أول الداخلين عليه كاتب هذه السطور؛ لأنني أحيانًا كنت أصلي مع الشيخ وندخل وإياه المكتبة معًا، وكان يلاطفني أحيانًا ويقول: (أنت سمكة المكتبة)؛ فرحم الله شيخنا الأنصاري، وجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء وأوفاه، وجمعنا به في مستقرّ رحمته.
[ ١ / ٢٢٢ ]