لقد اجتمع في الشيخ حماد "رحمه الله تعالى" عدة أمور ميّزته عن كثيرٍ من أهل العلم؛ فقلَّ أن تجتمع هذه الأمور إلا عند القليل النادر من أهل العلم؛
[ ١ / ١٠٦ ]
هذا بخلاف ما أتقنه من فنون العلم عامة.
ومن أبرز هذه الأمور:
أولًا: اعتناء الشيخ حماد بعقيدة السلف الصحيحة دراسة وتدريسًا وتأليفًا: فقد أمضى عمره في تحقيق التوحيد بعد أن تلقّاه عن مشايخ هذه البلاد، فنفع الله به في ذلك واستفاد منه ذلك جلّ طلبته.
ومما ألّفه الشيخ في ذلك: "كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر"، و"عقيدة أبي الحسن الأشعري"، وغير ذلك مما سيأتي في مؤلفاته.
ثانيًا: اشتهر الشيخ حماد بعلم الحديث وقدمه ومشاركته الدرس والتدريس لهذا العلم الشريف حتى أصبحَ علَمًا فيه: ذكره بذلك الموافق والمخالف؛ فأمضى حياته في طلب العلم، فتعلمه وبرع فيه؛ وكان يبذل في طلبه كل وقته حتى حصل منه، فاستفاد وأفاد، وشارك في التأليف في علوم الحديث بأكثر مؤلفاته "كما سيأتي".
وصار الشيخُ مرجعًا لعلوم الحديث، وأشرف فيه على رسائل لطلاب الدراسات العليا بالجامعات الإسلامية، وبقيت كتبه شاهدةً على توسّعه وصبره في هذا العلم.
ثالثًا: تكون لدى الشيخ حماد مكتبة قيِّمة فيها من نفائس الكتب والمخطوطات الشيء الكثير، ولم يكن هذا إلا بعد بذل ماله وراحته في جمعِها واقتنائها والسفر لتحصيلِها؛ فاجتمع لديه من مهمات المخطوطات ما جعله منارًا في هذا الباب، وجعل طلاب العلم يفدون إلى مكتبته للنهل من معينِها والاستفادة من عيونها؛ فأصبح الشيخُ حماد علَمًا في المخطوطات، فلا تذكر إلا ويذكر معها؛ ومع هذا بذل هذه المكتبة لطلاّب العلم وفتح بابها طيلة الأيام؛
[ ١ / ١٠٧ ]
نسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناته.
رابعًا: إن الشيخ قد حاز في هذا الزمان النصيب الوافر في باب الإجازة والرواية التي هي سنة عن سلفنا الصالح. وباب الإجازة والرواية قد اعتني به سلفُنا وأقبلوا عليه بالارتحال والسماع، وألّفوا في ذلك المؤلفات الكبيرة؛ وممن اشتهر في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية "﵀"، حيث إنه أول من أجاز بالألفية في السند وهو في السجن، وكتب إجازة لبعض من طلبه في ورقات من حفظه؛ قال عنها الحافظ الذهبي: "عجز عن كتابة بعضها كبار الحفّاظ"؛ وكذلك كان السلفُ في هذا؛ فكان الشيخ حماد "﵀" ممن اعتنى بذلك فاستجاز وأجاز.
فاستجاز من الشيخ حماد عددٌ من العلماء الأفاضل وطلاب العلم؛ وقد تميّز إجازة بعدة أمور، من أهمها:
١- أنه جمع الرواية والدراية؛ فكان عالمًا بخلاف بعض من اهتم بالإجازة والرواية ممن لم يكن من أهل العلم.
٢- أنه ممن اتصف بالعقيدة الصحيحة التي هي مناط الأمر، وهي الأصلُ في كل شيء.
٣- أن الإجازة عند الشيخ حماد تمثل الإجازة رواية ودراية؛ ولذا لم يكن يجيز إلا من اتصف بالعلم، وذلك بأحد أمرين:
أحدهما: أن يختبر علم المستجيز، ويطلع مبلغ عمله وتمكّنه من ذلك.
والثاني: أن يزكي المستجيز بعض أهل العلم ممن يثق فيهم الشيخ.
٤- أن الشيخ حماد روى عن عددٍ من كبار علماء العصر ممن له اعتناء بعلم الحديث والاعتقاد الصحيح.
[ ١ / ١٠٨ ]
وغير ذلك مما امتاز به الشيخ حماد "﵀" في باب الإجازة والرواية.
خامسًا: (مجلس المدينة) لعل هذا الوصف ينطبقُ على مجلس الشيخ حماد؛ إذْ كان مجلسُه يمثل علماء المدينة وطلاّب العلم بها، وهو محطّ رحال الطلاب والعلماء من أهل المدينة وغيرها، ومجلسه العامر بالعلم والفوائد، الذي قلَّ أن يوجد مثله؛ ويعزى أهل المدينة في فقده، فبوفاة الشيخ حماد فقَد أهلُ المدينة مجلسها؛ أخلفهم الله في ذلك.
[ ١ / ١٠٩ ]