أبو العنبس الصيمري أحد الأدباء الملحاء، وكان خبيث اللسان، هاجى أكثر شعراء زمانه، وله كتب ملاح، ونادم المتوكل، وله مع البحتري خبر مشهور، قال أبو العباس المبرد: حضرتُ مجلس المتوكل يومًا وقد عمل فيه النبيذ وبين يديه أبو عبادة البحتري، وهو ينشد قصيدة يمدحه فيها وبالقرب من البحتري أبو العنبس الصيمري، فأنشدها وهي أولها: كامل مجزوء:
عن أي ثغرٍ تبتسمْ وبأي طرف تحتكمْ
حسَنٌ يضن بحسنه والحسن أولى بالكرمْ
حتى بلغ إلى قوله:
قُل للخليفة جعفر ال متوكل ابْنِ المعتصِمْ
أمَّا الرعيَّةُ فهي مِن أَمَناتِ عدلك في حرَمْ
نِعَم عليها في بقا ئكَ فلتَتمَّ لها النعمْ
للمرتضى ابن المجتبى والمنعم ابن المنتقمْ
يا باني المجد الذي قد كان قُوِّض فانهدَمْ
[ ١٣١ ]
إسلم لدينِ محمد فإذا سلمْت فقد سلمْ
نِلنا الهدى بعد العمى بكَ والغِنى بعد العدمْ
فلما انتهى إلى إنشاده، رجع القهقرى لينصرف، فوثب أبو العنبس فقال: يا سيدنا يا أمير المؤمنين تأمر بردِّه؟! فردَّه، فقال له أبو العنبس: قد عارضتك في قصيدتك وأنت بحضرة أمير المؤمنين، ثم اندفع ينشد: كامل مجزوء:
في أيِّ سلح ترتطِمْ وبأي كف تلتقِمْ؟
قد قلت رأس البُحتر يِّ أبي عبيدة في الحرمْ
ووصل ذلك بما أشبهه، فضحك المتوكل وضرب برجله اليسرى وقال: إدفعوا إلى أبا العنبس عشرة آلاف درهم: فقال له الفتح في خاقان وزيره: يا سيدي! فالبحتري الذي هُجيَ وأُسمع المكروه ينصرف خائبًا؟! فقال: ويدفع إليه عشرة آلاف درهم. قال: يا سيدي! وهذا البصري الذي أشخصناه من بلده لا يشركهما فيما حصلاه؟! قال: ويدفع إليه أيضًا عشرة آلاف درهم. قال المبرد: فانصرفنا في ساعة الهزل بثلاثين ألف درهم، ولم ينفع البحتري جدّه ولا اجتهاده وتقدمه؛ وهو القائل يهجو إبراهيم المدَبر: كامل مجزوء:
أَسَل الذي عطف الموا كب بالأعنَّة نحو بابكْ
وأذلَّ موقفيَ العزي زَ على وقوفي في رحابكْ
وأراك نفسك مالكًا ما لم يكن لك في حسابكْ
ألا يُطيلَ تجرُّعي غصص المنية من حجابكْ
[ ١٣٢ ]
وله يمدح الحسن بن مخلد: رمل مجزوء
زارني بدرٌ على غُصنٍ قابلًا وصلي، يقبِّلُني
خِلته لما أتى حلُمًا وهو روحي رُدَّ في بدني
إنَّ لي عن مثله شغلًا بمقال الشعر في الحسنِ
وأبيه مَخْلَدٍ فبهِ قد لبسنا أَسبغ المِننِ
كاتبٌ قلَّ النظيرُ له فاضل في العلم واللَّسَنِ
كتب إليَّ زيد بن الحسن، أنبأنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد، حدثنا أحمد بن علي في كتابه قال: محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أبي العنبس ابن المغيرة بن ماهان، أبو العنبس الصيمري الشاعر، كان أحد الأدباء الملحاء، وكان خبيث اللسان، هاجى أكثر شعراء زمانه، وقدم بغداد، ونادم جعفر المتوكل، وبالاسناد أنبأنا أحمد بن علي بن مهدي، أنبأنا عبد الله بن علي في حَمُّويه الهمذاني بها، أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن الرازي، قال: أنشدنا أبو عمرو لاحق بن الحسين قال: أنشدنا علي في عاذل ابن وهب القطان الحافظ لأبي العنبس: خفيف:
كمر مريض قد عاش من بعد يأس بعد موت الطبيب والعُوَّادِ
قد يصاد القطا فينجو سليمًا ويَحِلُّ القضاءُ بالصيَّادِ
قال الخطيب: وبلغني أن أبا العنبس مات في سنة خمس وسبعين ومائتين وحمل إلى الكوفة فدفن بها.
[ ١٣٣ ]