عن عبداللهِ بن مسعود - ﵁ - قال: بينما رسول اللَّهِ - ﷺ - قائم يصلي عند الكعبة وجَمْعُ قريش في مجالسهم، إذْ قال قائلٌ منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي أيكم يقوم إلى جَزُورِ (^١) آل فلان، فيعمد إلى فَرْثِهَا (^٢) ودَمِها وسَلَاها (^٣)، فيجيءُ به، ثم يُمْهِلُه حتى إذا سجَدَ وضعَهُ بين كتفَيه، فانبعثَ أشقَاهم، فلمَّا سجدَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وضعَه بين كتفيه! ! وثبَتَ النبيُّ - ﷺ - ساجدًا، فضحكوا حتى مالَ بعضُهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلقٌ إلى فاطمة - ﵍ - - وهي جويرية ـ، فأقبلت تسعى، وثبتَ النبي - ﷺ - ساجدًا حتى ألقَتْهُ عنه، وأقبلَتْ عليهم تسُبُّهم، فلمَّا قضَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - الصلاة، قال: «اللَّهم عليكَ بقُريش، اللَّهُم عليكَ بِقُريش، اللَّهُم عليك بِقُريش»، ثم سمَّى:
_________________
(١) الجَزورُ من الإبل: يَقَعُ على الذكَر والأنثى.
(٢) الفَرْث: السِّرجين ما دام في الكَرِشِ.
(٣) الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفًا فيه.
[ ٧٩ ]
«اللَّهُم عليكَ بعَمْرو بنِ هشام، وعُتبةَ بنِ ربيعة، وشيبةَ بنِ ربيعة، والوليدَ بنِ عتبة، وأُمَيَّةَ بنِ خلف، وعقبةَ بنِ أبي مُعيط، وعمارة بنِ الوليد».
قال عبدُاللهِ بن مسعود: فوَ اللهِ لقد رأيتُهم صرعى يوم بدر، ثم سُحِبوا إلى القليب، قليبِ بدر، ثم قال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: «وأُتبِعَ أصحابُ القليبِ لَعْنَةً». متفق عليه.
في رواية في «الصحيحين»: أن الذي جاء بِسَلَى الجزور، ووَضَعَه على ظهر النبيِّ - ﷺ -، هو عقبة بن أبي مُعيط.
حتى جاءت فاطمة - ﵍ -، فأخذت من ظهره، ودَعَتْ على مَن صنع ذلك.
تأمَّلْ قُدُومَها
_________________
(١) وهي جاريةٌ صغيرةٌ دون البلوغ - لترفع الأذى عن والدها - ﷺ -، ثم تتوجَّه إليهم وهم كبار قريش فتسبُّهم، ولم يَتعَرَّضوا لها - ﵂ -. قال الحافظ ابنُ حجَر - كما سبق ـ: (وفيه قوةُ نَفْس فاطمةَ الزهراء من صِغَرها؛ لِشَرَفِها في قومِها ونفسِها، لِكونها صرَخَتْ بشتمهم وهُم رؤوس قريش، فلم يردُّوا عليها). عن ابن عباس - ﵄ - قال: إنَّ الملأ من قريش اجتمعوا في الحِجْرِ، فتعاهدوا باللات، والعُزَّى، ومنَاة الثالثة الأخرى: لو قَدْ رأينا محمدًَا، قُمْنَا إليه قيام رجُلٍ واحِدٍ، فلم نُفَارِقْهُ حتَّى نقتله، قال: فأقبلَتْ
[ ٨٠ ]
فاطمةُ تبْكِي حتَّى دخلَتْ على أبيها، فقالت: هؤلاء الملأُ مِنْ قَومِكَ في الحِجْرِ، قد تعاهدوا: أنْ لَوْ قدْ رَأوكَ قامُوا إليك فقتَلُوكَ، فليس منهم رجلٌ إلا قَدْ عَرَفَ نصيبَهُ مِن دَمِكَ، قال: «يا بُنَيَّة، أدْنِي وضوءًا»، فتوضأَ، ثم دخل عليهم المسجدَ، فلمَّا رأوه، قالوا: هُوَ هذا، هُوَ هَذَا. فخَفَضُوا أبصارَهُم، وعقَرُوا (^١) في مجالِسِهِم، فلَمْ يرفَعُوا إليه أبصارَهُم، ولم يقَمْ منهم رجُلٌ، فأقبلَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - حتَّى قامَ عَلى رءوسِهِم، فأخَذَ قبضَةً مِن تُرَابٍ، فحصَبَهُمْ بها، وقال: «شَاهَت الوُجُوه».
قال: فما أصابَتْ رجُلًا منهُم حصَاةٌ إلا قُتِلَ يومَ بَدْرٍ كافِرًَا.
أخرجه: الإمام أحمد، وسعيد بن منصور، وهو حديث حسن.