عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّ قُرَيْشًَا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ»؟ فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقُطِعَتْ يَدُهَا.
أخرجه: البخاري، ومسلم
_________________
(١) واللفظ له . عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ - ﷺ -، فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَالله لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»، فَقُطِعَتْ. أخرجه: مسلم. عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قامَ رسولُ اللهِ - ﷺ - حين أنزلَ
[ ٩٣ ]
اللهُ - ﷿ -: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قال: «يا معشر قريش
_________________
(١) أو كلمةً نحوها اشتَروا أنفسكم، لا أُغْنِي عنكم من اللَّهِ شيئًا، يا بني عبدِ مَناف لا أُغنِي عنكم من اللَّه شيئًا، يا عباسَ بنَ عبد المطلب لا أُغنِي عنك من اللَّهِ شيئًا، ويا صفيةَ عمَّةَ رسولِ اللَّهِ لا أُغنِي عنكِ من اللَّهِ شيئًا، ويا فاطمةَ بنتَ محمَّد سَلِيْنِي ما شِئتِ من مالي، لا أُغنِي عنكِ من اللهِ شَيئًا». متفق عليه واللفظ للبخاري . وفي لفظ لمسلم: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ «يَا بَنِى كَعْبِ بْنِ لُؤَىٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِى نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّى لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًَا سَأَبُلُّهَا بِبَلالِهَا». دلَّت الأحاديث السابقة على قيام نبينا - ﷺ - بالعدل الذي قامت عليه السماوات والأرض؛ امتثالًا لقول اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (سورة النحل، آية (٩٠) (، فمَعَ حبِّه - ﷺ - لابنتِه فاطمة - ﵂ - وأنها ابنته الصغرى، إلا أنه يُقسِم باللَّهِ - وهو الصَّادقُ
[ ٩٤ ]
المَصدُوق ــ: «أن فاطمة لو سرقَتْ لقطعتُ يدها»! قالها مبالغة في إثبات الحدود وتطبيقها.
فلا محاباة في دين اللَّهِ لأحد، والشرع يُطبَّقُ على الكبير والصغير، وبيَّن - ﷺ - أنَّ سبب هلاك الأمم السابقة حينما ميزت الناس في تطبيق العدل، فيطبق على الوضيع، ويترك الشريف، ثم أقسم بقيامه على ابنته فاطمة بالعدل كغيرها.
قال ابن تيمية - ﵀ -: (وكان بنو مَخزوم من أشرف بطون قريش، واشتدَّ عليهم أنْ تُقطع يدُ امرأةٍ منهم، فبيَّن النبيُّ - ﷺ - أنَّ هلاك بني إسرائيل، إنما كان في تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر أنَّ فاطمة ابنته ــ التي هي أشرفُ النساء ــ لو سَرَقَتْ ــ وقد أعاذها اللُّهُ مِن ذلك ــ، لقَطَعَ يدَهَا؛ لِيُبَيِّنَ: أنَّ وجوبَ العدل والتعميم في الحدود، لا يُستثنى منه بنتُ الرسول، فضلًا عن بنتِ غيره).
وقال ابن حجر - ﵀ -: (وإنما خَصَّ - ﷺ - فاطمةَ ابنتَه بالذِّكر؛ لأنها أعزُّ أهلِه عندَه، ولأنه لم يبقَ من بنَاتِه حينئذٍ غيرُها (^١)، فأراد المبالغة في إثبات إقامةِ الحَدِّ على كلِّ مُكلَّفٍ، وتَركِ المحابَاةِ في ذلك؛ ولأن
_________________
(١) يُشكل عليه أنَّ أم كلثوم - ﵂ - توفيت في شعبان، سنة (٩ هـ)، كما في ترجمتها: «سير أعلام النبلاء» (٢/ ٢٥٣)، «الإصابة» (٨/ ٤٦٠)، والمرأة المخزومية سَرقَت عام الفتح (٨ هـ).
[ ٩٥ ]
اسم السارقة وافَقَ اسمَها - ﵍ -؛ فناسَب أن يَضرِبَ المثلَ بها).
قال أبو زرعة أحمد ابنُ العراقي - ﵀ -: (والظاهرُ أنَّ ذِكر فاطمة - ﵂ - دون غيرها؛ لأنها أفضل نساء زمانها، فهي غايةٌ في النساء لا شيءَ بعدها، فلا يحصل تأكيد المبالغة إلا بذكرِها، وانضمَّ إلى هذا أنها عضوٌ من النبي - ﷺ -، ومع ذلك فلم يحمله ذلك على محاباتها في الحقِّ.
وفيها شيء آخر وهو: أنها مشارِكةً لهذه المرأة في الاسم، فينتقل اللفظُ والذِّهْنُ من إحداهما إلى الأخرى، وإن تبايَن ما بين المحَلَّيْن). (^١)