الكلام حول هذا المبحث من باب تحصيل الحاصل؛ لأنه مما لا شَكَّ فيه أن المعلِّم الأول والأخير لبناتِ النبيِّ - ﷺ - ومُربيهن هو والدُهن - ﷺ -، فقد أخذن منه ومِن خديجة أحسنَ تربية، قبل النبوة وبعدَها، فصلاتُهن، وحجُّهن، وأذكارُهن، وتلاوتُهن للقرآن، وسائر عبادتهن، وجميع محاسن الأخلاق أخذنها مباشرةً مِن والدهن - ﷺ -، فسواء صحَّت الأحاديث المروية - على قِلَّتِها - أو لم تصِحَّ، فإنَّ مَصدَر عِلْمِهِنَّ هو والدهنَّ النبيُّ - ﷺ -، وقد تميَّزَتْ فاطمةُ عن أخواتها بملازمة والدِها - ﷺ - إلى وفاتِه، وذهابِه معه عام الفتح، وفي حجة الوداع، وقُربِ مَسكَنِها من بيت عائشة - ﵄ -.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سورة آل عمران، آية (١٦٤) (.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سورة الجمعة، آية (٢».
ولا شَكَّ أنَّ بنَاتِ النبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وأزواجَه أولَى الناس استفادةً مِن تَعليمِه وتزكيتِه، وكان بهنَّ حريصًا شفيقًا، وبأمَّتِه أجمعين.
[ ١٢٢ ]
عن عَلِيِّ بن أبي طالب، أَنَّ فَاطِمَةَ - ﵄ - أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمَا»، فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي، فَقَالَ: «أَلا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا
_________________
(١) أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًَا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًَا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًَا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ». أخرجه: البخاري ومسلم. وفي رواية عند أبي داوود في «سننه» أنه قال لها: «اتَّقِي اللَّهَ يا فاطمة، وأدِّي فريضة ربك، واعمَلي عمَل أهلِكِ، فإذا أخذتِ مضجَعَكِ فسبِّحي ثلاثًا وثلاثين. الحديث. وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: أتت فاطمةُ النبيَّ - ﷺ - تسأله خادمًا، فقال لها: «قولي: اللَّهم ربَّ السماوات وربَّ الأرض وربَّ العرش العظيم، ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ، فالقَ الحبِّ والنَّوى، ومنزلَ التَوراةِ والإنجيلِ والفُرقَان، أعوذُ بِكَ من شرِّ كل شيء أنتَ آخِذٌ بناصيته، اللَّهم أنتَ الأوَّل فليس قبلَكَ شَيءٌ، وأنتَ الآخِر فليس بعدَكَ شيءٌ، وأنتَ الظاهر فليسَ فوقَكَ شيءٌ، وأنتَ الباطِنُ فلَيس دُونَكَ شيءٌ، اقضِ عنَّا الدَّين، وأَغْنِنَا مِن
[ ١٢٣ ]
الفَقْرِ».
أخرجه: مسلم في «صحيحه».
وعن أمِّ سلمة - ﵂ - قالت: جاءت فاطمة - ﵂ - فقالت: يا رسُولَ اللهِ، واللهِ لقد مجلَتْ يدَاي من الرَّحى، أطحَنُ مرَّةً، وأعجِنُ مرَّة .. الحديث، وفي آخره قال - ﷺ - لها: وإذا صلَّيتِ صلاةَ الصبح، فقُولي: لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. عشر مرات بعد صلاة الصبح، وعشر مرات بعد صلاة المغرب، فإن كل واحدة منهن تُكتب عشر حسنات، وتحطُّ عشر سيئات، وكل واحدة منهن كعتق رقبة من ولد إسماعيل، ولا يحل لذنب كسب ذلك اليوم أن يدركه إلا أن يكون الشرك، لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وهو حرسك، ما بين أن تقوليه غدوة إلى أن تقوليه عشية، من كل شيطان، ومن كل سوء».
أخرجه: أحمد في «مسنده»، وغيرُه، وفيه ضعف.
وللذكر الوارد المقيَّد بالفجر والمغرب شواهد كلُّها ضعيفة، وبعض العلماء يحسِّنُها بمجموعها
_________________
(١) والله أعلم . وعن أنسِ بن مالك - ﵁ - يقول: قال النبيُّ - ﷺ - لفاطمة - ﵂ -: «ما يمنعك أن تسمعي ما أُوصيكِ به، أن تقولي إذا أصبحتِ وإذا
[ ١٢٤ ]
أمسيتِ: يا حيُّ يا قيومُ برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كلَّه، ولا تَكِلْنِي إلى نفْسِي طَرْفَةَ عَيْن».
رواه النسائي في «الكبرى»، والراجح أنه ضعيف، وتحسينُه محتمل، وقد حسَّنه بعض العلماء.
وعن ثوبانَ - ﵁ - مولى رسول اللهِ - ﷺ - حدَّثَه: أنَّ ابنَةَ هُبَيْرَةَ (^١) دخَلَتْ عَلى رسُولِ اللهِ - ﷺ - وفِي يَدِهَا خَواتِيمُ مِنْ ذهَبٍ، يُقال لها: الفَتْخَ، فجعَلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يقرَعُ يدَهَا بعصَيَّةٍ معَه يقول لها: «أيسرُّكِ أن يجعلَ اللَّهُ في يدِكِ خَواتِيم مِنْ نَار»؟ !
فأتَتْ فاطمةَ فشكَتْ إليها ما صنَعَ بها رسُولُ اللهِ - ﷺ - قال: وانطلَقَتُ أنا معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - فقامَ خلفَ الباب، وكان إذا استَأذَنَ قامَ خَلْفَ الباب، قال: فقالت لها فاطمة: انظري إلى هذه السِّلْسِلَةِ التي أهداها إليَّ أبُو حَسن.
قال: وفي يدِهَا سِلسِلَةٌ من ذَهَبٍ، فدَخَلَ النبيُّ - ﷺ - فقال: «يَا فاطمةُ بالعدل أن يقولَ الناسُ: فاطمةُ بنتُ محمد، وفي يَدِكِ سِلْسِلَةٌ مِن نَار»؟ ! ثمَّ عَذَمَها عَذْمًَا شَدِيْدًَا (^٢)، ثم خرَجَ ولَمْ يقْعُدْ، فأمَرَتْ بالسِّلْسِلَةِ فبِيْعَتْ، فاشْتَرَتْ بثَمَنِهَا عَبْدًَا، فأعْتَقَتْهُ، فَلَمَّا سَمِعَ بذلكَ
_________________
(١) هند بنت هبيرة - ﵂ -.
(٢) لامَها لومًا شديدًَا.
[ ١٢٥ ]
النبيُّ - ﷺ - كبَّر، وقال: «الحمْدُ للهِ الذِي نَجَّى فَاطمَةَ مِنْ النَّارِ».
أخرجه: أحمد، وغيرُه، والراجح ضعفه، وتحسينُه محتمل.
وسببُ معاتبة النبي - ﷺ - ابنتَه فاطمة - ﵂ -، مع أن الفعل جائزٌ شرعًا؛ لأنه كان يحمل آل بيته على الورع والزهد.
إنَّ كثيرًا من أحاديث فاطمة تدخل ضمن تعليمِ النبيِّ - ﷺ - فاطمة وإرشادِه إياها، مِن ذلك ــ زيادةً على ما سبق ــ:
حديثُ جابر في الحج، وفيه أمرُها بالإحلال، وحديثُ أمْرِها بالعقيقة وحلقِ رأسِ المولود بعد ولادتها الحسن أو الحسين، وغيرها. (^١)
_________________
(١) عن عبداللَّه بن عَمْرو بن العاص - ﵄ - قال: بينما نحن نسير مع رسول اللَّه - ﷺ - إذ بصُر بامرأة لا تظنُّ أنه عرَفَها، فلما توسَّط الطريق وقفَ حتى انتهتْ إليه، فإذا فاطمةُ بنتُ رسُولِ اللَّه - ﷺ -، قال لها: «ما أخرجَكِ من بيتكِ يا فاطمة»؟ قالت: أتيتُ أهلَ هذا الميِّت، فترحَّمْتُ إليهم، وعزَّيتُهم بميِّتِهم، قال: «لعلك بلغْتِ معهم الكُدَى»؟ قالت: معاذَ اللَّهِ أنْ أكونَ بلغتُها، وقد سمِعْتُكَ تذكُر في ذلك ما تَذكُر، فقال لها: «لو بلَغْتِها معَهم؛ ما رأيتِ الجنَّةَ حتى يَراها جَدُّ أبيكِ». أخرجه: أحمد، وأبو داوود، والنسائي، وهو حديثٌ ضعيفٌ مُنكر. وكذا ما رُوي أنه - ﷺ - قال لفاطمة - ﵂ -: «قومي إلى أضحيتك فاشهَدِيْهَا، فإنَّه يُغْفَرُ لَكِ عندَ أوَّل قطرةٍ من دَمِهَا كُلَّ ذنْبٍ عمِلْتِيْهِ، وقُوْلِي: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة الأنعام)، قال: عمران، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، هذا لكَ، ولأهلِ بيتكَ خاصَّةً، أمْ للمسلمينَ عامَّةً؟ قال: «لا، بَلْ للمُسْلِمينَ عامَّةً». أخرجه: إسحاق بن راهويه، والطبراني، وغيرهما، وهو حديث ضعيف جدًَّا. رُوي في حديث: «أنَّ النبيَّ - ﷺ - شبَّر لفاطمة شبرًا من نطاقها» وفي رواية: «مِن ذَيلها»، ورواية: «مِن عَقِبها»، وفي رواية: «أو شبرين». وفي رواية: ثم قال لها: «هذا قَدْرُ ذَيلِكِ». وهو حديث ضعيف. ورُوي أَنَّ النبيَّ - ﷺ - كان في عاشوراء يتفل في أفواه رُضعاءِ فاطمة، ويأمُرُها أن لا تُرضِعَهُ إلى الليل. حديث ضعيف. ذكرتُ هذه الأحاديث الأربعة الضعيفة - خلاف شرطي في الكِتَاب ـ؛ لاشتهارها عند الكُتَّاب في سيرة فاطمة - ﵂ -.
[ ١٢٦ ]