عن أبي هريرة - ﵁ - قال: خَرجتُ مع رسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في طائفةٍ من النهار، لا يُكلِّمُني ولا أكلِّمُه، حتى جاء سُوقَ بني قَينُقَاع، ثم انصرفَ، حتى أتى خِبَاء (^١) فاطمة فقال: «أثَمَّ لُكَعُ؟ أثَمَّ لُكَعُ»؟ (^٢) يعني حسَنًا فظنَنَّا أنه إنما تحْبِسُهُ أمُّه لأن تغسِلَه وتُلبِسَه سِخَابًا (^٣)، فلم يلبَث أنْ جاء يَسعى، حتى اعتنقَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، فقال رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اللهمَّ إني أُحِبُّه، فأَحِبَّه، وأحبِبْ مَنْ يُحِبُّه».
متفق عليه ــ واللفظ لمسلم ــ.
_________________
(١) أي منزلها، وحجرتها.
(٢) المراد به هنا: الصغير، سمَّاه لُكَعًا لِصِباه وصِغَره.
(٣) خيط يُنظم فيه خرَز، للصبيان والجواري.
[ ١١٠ ]
في لفظ للبخاري: كنتُ مع رسولِ اللهِ - ﷺ - في سُوق من أسواق المدينة، فانصرفَ فانصرفتُ، فقال: «أينَ لُكَعُ؟ - ثلاثًا - ادْع الحسنَ بنَ علي». فقام الحسن بنُ علي يمشي وفي عنقه السخاب، فقال النبي - ﷺ - بيده هكذا، فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه فقال: «اللهم إني أحبُّه فأحبَّه، وأحبَّ من يحبُّه».
وقال أبو هريرة: فما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من الحسنِ بنِ علي، بعدما قال رسولُ اللهِ - ﷺ - ما قال.
وعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: إنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - طَرَقَه وفاطمةَ - ﵍ - بنتَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقال لهم: «ألا تُصلُّون»؟
فقال علي: فقلت: يا رسولَ اللَّهِ، إنما أنفسنا بيد اللهِ، فإذا شاءَ أن يبعثَنا بعَثَنا، فانصرفَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - حين قال له ذلك، ولم يرجع إليه شيئًا، ثم سمِعَهُ وهو مُدبِر، يضربُ فخذَه وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (سورة الكهف، آية ٥٤). أخرجه: البخاري ومسلم.
وعند أحمد، والنسائي، وأبي يعلى - بإسناد حَسَنٍ ـ: دخل عليَّ رسولُ اللهِ - ﷺ - وعلَى فاطمةَ من الليل، فأيقظَنا للصلاة، قال: ثم رجَعَ إلى بيتِه، فَصلَّى هويًا (^١) من الليل، قال: فلم يسمعْ لنا حِسًَّا، قال:
_________________
(١) الهَوي بالفتح: الحين الطويل من الزمان. وقيل: هو مختص بالليل. وهَوِيٌّ، كَغَنِيٍّ ويُضَمُّ، وتَهْواءٌ من اللَّيْلِ: ساعَةٌ.
[ ١١١ ]
فرجع إلينا، فأيقظنا وقال: «قُومَا فصَلِّيا». قال: فجلستُ وأنا أعركُ عيني، وأقول: إنَّا واللهِ ما نُصلِّي إلا ما كُتِبَ لنا، إنما أنفسنا بيدِ اللَّهِ، فإذا شاء أنْ يبعثَنا بعثَنَا. قال: فولَّى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وهو يقول، ويَضرِب بيده على فخذه: «ما نصلي إلا ما كُتِبَ لنا، مَا نُصَلِّي إلا ما كُتِبَ لنا! ! وكان الإنسان أكثر شيءٍ جدَلًا».
كان النبيُّ - ﷺ - معتنيًا بأولاده، مع محبته لهم، ومن مظاهر العناية: زيارتهم، وتفقد أحوالهم، وهذا يدل أيضًا على بشرية النَّبيِّ - ﷺ -، لمحبته ورعايته أولاده، ويدل على كمال خُلُقه، فلم تكن النبوةُ ومهمامُّها، وما يواجهُه من الأذى والمصائب حائلةً دون رعايته لأولاده، وزيارتهم، وتفقدهم، وفي هذا الموضع ما يخص فاطمة - ﵂ -، وكما قلتُ من قبل: لم يكن يخصها بشَيءٍ من الزيارة والاحتفاء في حياة أخواتها، فهو إمام العادلين - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
إن تفرد فاطمة في آخر حياة النبي - ﷺ - بموت أخواتها كلها، يدعو والدَها النبيَّ - ﷺ - إلى تكرار الزيارة والإيناس، خاصةً مع قُرْب بيتها، فهو مجاور لبيت عائشة - ﵂ - من جهة الشمال
_________________
(١) كما سبق بيانه . ومما يدلُّ على عِنايته - ﷺ - وزيارتِه ابنتَه فاطمةَ في بيتها - زيادةً على ماسبق - أحاديثُ كثيرة، دالَّةٌ على ذلك، منها: حديثُ
[ ١١٢ ]
سهل بن سعد - ﵁ - قال: جاء رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بيتَ فاطمة فلمْ يجِدْ عليًَّا في البيت، فقال: «أينَ ابنُ عمِّك»؟ قالت فاطمة: كان بيني وبينه شيءٌ، فغاضَبَنِي، فخرج، وقوله: «قُمْ أبا تُراب، قُمْ أبا تُراب».
متفق عليه.
وحديثُ طلبِها الخادم، ثم مجيئ النبي - ﷺ - إليها في بيتها.
متفق عليه.
وحديثُ فاطمة - ﵁ - أنه - ﷺ - دخل عليها مرةً فأكل عندها مما مسَّتْهُ النارُ، ولم يتوضأ.
أخرجه: أحمد، وابن أبي أسامة، وأبو يعلى، وغيرهم. وهو ضعيف.
وحديث سهل بن سعدٍ: أن عليَّ بن أبي طالب دَخَلَ على فاطمةَ، وحسنٌ وحسينٌ - ﵃ - يبكيان، فقال: ما يُبْكيهما؟ قالت: الجوعُ، فخرج عليٌّ، فوجد دينارًَا بالسُّوق، . وفيه زيارة النبي - ﷺ - لهما.
أخرجه: أبو داوود، والطبراني، والبيهقي، وغيرهم، وهو حديث حسن لغيره.