آلُ بَيْتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - هُمْ: مَن تحرُم عليهم الصدقةُ، وهُمْ على الصحيح: أزواجُه، وذرِّيتُه، وأقاربُه المسلمون من بني هاشم بن عبد مناف. وقيل: وبَنِي المطلب بن عبد مناف أيضًا.
وقد دلَّ على فَضْلِهِم: الكتابُ، والسُّنَّةُ، وإجماعُ سلَفِ الأمَّةِ.
قال اللَّهُ - ﵎ - عن أُمَّهَاتِ المؤمنين:
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (سورة الأحزاب، آية ٣١، ٣٤).
فالآية في أمهات المؤمنين، ويدخل ضمن آية التطهير أيضًا ذرية النبي - ﷺ -؛ لأنه تلاها في حديث الكساء الآتي.
عن عائشة - ﵂ -: خرج النبي - ﷺ - غداةً، وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل، من شَعْرٍ أسود، فجاء الحسَنُ بنُ علي فأدخلَه، ثم جاءَ الحُسَين
[ ١٣ ]
فدخل معه، ثم جاءت فاطمةُ فأدخلَها، ثم جاء عليُّ فأدخلَهُ، ثمَّ قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
أخرجه: مسلم.
وعن زيد بن أرقم - ﵁ - قال: قام رسول اللهِ - ﷺ - يومًا فينا خطيبًا، بماء يُدعى «خُمًَّا» بين مكة والمدينة، فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ووعظ وذَكَّر، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بَشَرٌ يُوشِكُ أن يأتي رسولُ ربي فأُجِيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقَلَين: أولهما كتابُ الله فيه الهُدَى والنور، فخذوا بكتاب اللَّهِ، واستمسكوا به»، فحثَّ على كتَابِ اللَّهِ ورغَّبَ فيه، ثم قال: «وأهلُ بَيتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهلِ بَيتي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهل بيتي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهل بيتي». الحديث.
أخرجه: مسلم.
قوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهل بيتي» أي: (اذكُرُوا اللهَ، اذكُرُوا خَوفَهُ وانتقَامَه إنْ أضعَتُم حقَّ آل البيت، واذكُروا رحمتَه وثوابَه إنْ قُمْتُمْ في حقِّهِم). قاله ابن عثيمين، وقال أيضًا: (اعرفوا لهم حقَّهم، ولا تظلموهم، ولا تعتدوا عليهم، هذا من باب التوكيد، وإلا فكُلُّ إنسانٍ مُؤمِنٍ له حقٌّ على أخيه، لا يحقُّ له أن يعتدِيَ عليه، ولا أنْ يَظلِمَهُ؛ لكِنْ لآلِ النبيِّ - ﷺ - حَقٌّ زَائِدٌ على حُقُوقِ غَيرِهِمْ مِن المسلمين).
[ ١٤ ]
قال صديق خان: (فالمراد بالتذكير فيهم: حِفظُ رُتبَتهم في الإسلام، وتعظيمُهم، وحبُّهم في الدِّين، وصَونُ عظيمِ عِزِّهم في الأمة، وتقدِيمُهم على غيرِهم في: المجلس، والكلامِ، والخطابِ، والمشيِ، والقعودِ، والقيامِ؛ وبذلُ الأموال لهم، ونُصرَتُهم في مقابل أعدائهم، والتمسُّكُ بهم إنْ كانوا أهلَ العِلْمِ والتقوى).
فالحديث بمجموع رواياته (تضمَّن الحثَّ على المودَّةِ لهم، والإحسانِ إليهم، والمحافظةِ بهم، واحترامِهم، وإكرامِهم، وتأدِيَةِ حُقُوقِهِم الواجبة والمستحبَّة، فإنهم مِن ذُرِّيَّةٍ طَاهِرَةٍ، مِن أشرَفِ مَن وُجِد على وَجْهِ الأرضِ، فَخْرًَا وحَسَبًَا ونَسَبًَا، ولا سِيَّما إذا كانُوا متَّبعِينَ للسُّنَّة النبويَّةِ الصَحِيحَةِ الواضِحَةِ الجَلِيَّة، كما كَانَ علَيهِ سَلَفُهُم كالعبَّاسِ وبَنِيه، وعَليٍّ وآلِ بَيتِه وذَوِيْهِ - ﵃ -. ذكره السخاوي وبنحوه عند ابن كثير، زاد السخاوي: وكذا يَتضمَنُ تَقدِيمَ المتأهِّلِ مِنهُم لِلْوِلايَاتِ عَلى غَيرِهِ.).
هذا، وقَد اتَّبَعَ سلَفُ الأمة بدءًا من أبي بكر وعمر وعثمان وبقية الصحب الكرام - ﵃ - وصيةَ النبيِّ - ﷺ - بالعنايةِ والرِّعايةِ لآلِ البيتِ - ﵃ -.
فهذا خليفةُ رسُولِ اللهِ، الصِّدِّيقُ أبو بكر - ﵁ - يقول: «ارْقُبُوا محمَّدًَا - ﷺ - في أهلِ بَيْتِهِ».
أي: احفظُوه فيهم، فلا تُؤذُوهُمْ، ولا تُسِيؤوا إليهِم.
[ ١٥ ]
ويقول أبو بكر - ﵁ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي».
ثم خليفةُ خليفةِ رسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: الفاروقُ عُمرُ بنُ الخطاب - ﵁ - اعتنى بآل البيت عنايةً فائقة، من ذلك: أنه بدأ بهم لمَّا وضَعَ الديوانَ للعطاء؛ مَحبَّةً لهم، واحترامًا وتقديرًا ومعرفةً بمكانتهم، وامتثالًا لأمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - برعايتهم.
وهكذا السلَفُ الصالحُ جيلًا بعد جيل، إلى زماننا هذا
_________________
(١) ولله الحمدُ والمِنَّةُ على الهدايةِ والسُّنَّةِ . قال الشيخ: ابن سِعدي: (فمَحبَّةُ أهلِ بيتِ النبيِّ - ﷺ - وَاجِبةٌ من وُجُوهٍ، منها: أولًا: لإسلامهم، وفضلهم وسوابقهم. ومنها: لما تميَّزوا به من قُرْبِ النبي - ﷺ - واتصالهم بنسبه. ومنها: لما حثَّ عليه ورَغَّب فيه. ولما في ذلك من علامة محبة الرسول - ﷺ -). قال محمد الحضرمي «بَحرَق»: (وإذا كانَتْ أبناءُ الرَّجُلِ الرئيس، بَلْ وعشيرَتُه، بَلْ وغِلْمَانُهُ وأتبَاعُهُ، بَلْ وقَبيلَتُهُ، بَلْ وأهلُ بَلَدِهِ، بَلْ وأهْلُ قُطْرِه، بَلْ وأهلُ عصرِهِ، قَدْ يَسُودُون بسيادتِه، ويشرُفونَ بِشَرَفِ رئاسَتِهِ، ويفتَخِرُونَ عَلى مَن سِوَاهُم بفَضلِهِ، ويعلُونَ بِعُلُوِّ مَنصِبِهِ ونُبْلِه، فهَل أحَدٌ أجَلُّ قَدرًَا، وأعظمُ مَرتَبَةً وفَخْرًَا ممن ينْتَسِبُ أهلُ البيتِ إليه؟ !
[ ١٦ ]
إلى أن قال: وقد كانت قلوبُ السلَفِ الأخيارِ، والعلماءِ الأحبَارِ، مجبولةً على حُبِّهِم واحتِرامِهِم، ومَعرِفَةِ ما يجِبُ لهم طبعًا، فمِصْدَاقُ ذلك تعظيمُ وحُبُّ كلِّ مَن يُنسَبُ إليه بقُربةٍ أو قَرَابَةِ أو صُحْبَةٍ، أو اتِّبَاعِ سُنَّةٍ؛ إذْ كُلُّ ما يُنسَبُ إلى المحبوبِ مَحبُوبٌ).
إنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ لَيرَونَ الحقَّ لآل البيت: حَقَّ الإيمان، والصُّحْبَةِ، وحَقَّ القَرَابَة والسَّبْقِ لِلْخَيرِ، ويُنزِلُونَهُم مَنزِلَتَهُم الحقيقية الشَّرعِيَّة.
يُحبُّونَهُمْ جميعًا، ويُوقِّرُونَهُم كلَّهم دُونَ إفرَاطٍ ولَا تَفرِيطٍ، فَهُمْ في هذا البابِ: «آل البيت» وَسَطٌ بين الفِرَقِ الضَّالة، بين طرفَين ضالَّين: غَالِينَ وجَافِينَ، بين مُفْرِطِينَ ومُفَرِّطِينَ:
١. الخوارج، والنواصب الذين كفَّروا أو فسَّقوا آلَ البَيْتِ - ﵈ - و- ﵃ -، وناصبُوهم العَدَاء.
٢. الإمامية الذين غَلَوا في محبَّتِهِم لآلِ البيت، حتى اعتقَدُوا فيهم عِلْمَهُمْ الغَيْبَ! وعِصمَتَهُم من الخطأ! وسُؤالَهم مِن دُونِ اللَّهِ - ﷾ -، وغَيْرَ ذلِكَ كَثِيرٌ.
[ ١٧ ]