عُمرها عند هِجْرَتِها نحو ثمان عشرة سنة، بناءً على الراجح أنَّ مَولدَها قبل النبوة بخمس سنين.
هاجرت مع أختها أم كلثوم، وسودة زوج النبي - ﷺ - مع زيد بن حارثة، وآل أبي بكر - ﵃ -، لم يختلِف في ذلك المؤرِّخون.
وكان هجرتهم بعد مَقدَمِ النبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - المدينة بنحو سبعة أشهر.
عن عائشة - ﵂ - أنها سُئلتْ: متى بنَى بكِ رسولُ الله - ﷺ -؟
فقالت: لما هاجرَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إلى المدينة، خلَّفَنَا وخَلَّفَ بَنَاتِهِ.
فلما قَدِمَ المدينةَ بعَثَ إلينا زيدَ بنَ حارثة، وبعثَ معَهُ أبا رافعٍ مَولاهُ، وأعطاهُمَا بَعِيرَيْنِ وخَمسمَئةِ درهم، أخذَهَا رسُولُ اللَّهِ - ﷺ - من أبي بكر، يشتريان بها ما يحتاجان إليه من الظهْر، وبعثَ أبو بكر معهما عبدَالله بن أُرَيْقِط الدِّيلي بِبَعِيرين أو ثلاثة، وكتبَ إلى عبدِالله بنِ أبي بَكر يأمرُهُ أنْ يحمِلَ أهلَه: أُمِّي أمَّ رُومَان، وأنَا، وأُخْتِي أسماء
_________________
(١) امرأةَ الزبير ؛ فخَرجُوا مُصْطَحِبِينَ.
[ ٣٥ ]
فلما انْتَهَوا إلى قُدَيْد اشتَرى زيدُ بنُ حَارثة بتلك الخمسمئة ثلاثةَ أَبعِرَة، ثمَّ رحَلُوا مِن مكة جميعًا.
وصَادَفُوا طلحةَ بنَ عُبَيدِالله يُريدُ الهجرَةَ بآلِ أبي بكر، فخرَجْنَا جميعًا.
وخرَجَ زيدُ بنُ حارِثةَ، وأبُو رافعٍ، بِفَاطِمَةَ وأُمِّ كُلثُومِ، وسَودَةَ بنتِ زَمعَةَ، وحمَلَ زيدٌ أمَّ أيمنَ، وأسامةَ بنَ زيد.
وخرَجَ عبدُاللَّه بنُ أبي بكر بأمِّ رُومَان وأُختَيْهِ، وخرَجَ طلحةُ بنُ عُبَيدِاللَّه، واصطَحَبَنَا جَميعًَا.
حتَّى إذا كُنَّا بِالبيضِ مِن تَمَن (^١)، نَفَر بَعِيرِي ــ وأنا في مَحَفَّةٍ مَعِي فيها أُمِّي ــ، فجَعَلَتْ أُمِّي تقُولُ: وَابِنْتَاه، واعَرُوسَاه، حتَّى أُدْرِكَ بَعِيرُنا وقَد هَبَطَ مِن لَفْتٍ (^٢)، فسَلَّمَ اللَّهُ - ﷿ -.
ثم إنَّا قدِمنا المدينةَ فنزلتُ مع عيالِ أبي بكر، ونَزَلَ آلُ رسولِ اللَّهِ.
_________________
(١) تَمَن: أرض مستوية بيضاء للبلادية، شرق الخريبة، إذا خرجتَ من «هرشى» شمالًا تجد «تمنًا» على ثلاثة أكيال. ويسارك يظلِّلُكَ «العشي» جبال طوال «الطوال البيض». «معجم معالم الحجاز» د. عاتق البلادي.
(٢) قال د. البلادي: تُعرَفُ اليوم باسم «الفَيْت» كانت تصل بين قُدَيد وخُلَيْص، تأتي خليصًا من الشمال، وعليها طريق القوافل، ثم سدَّتها الرمال في أول العهد السعودي، فتحول الطريق خُلَيص غربًا عنها، ولم تعد تُطرق). من «مكة» إلى «خليص» (١٣٠ كلم)، ومن «مكة» إلى «قديد» (١٥٧ كلم)، ومن «مكة» إلى «الفَيْت» (١٤٠ كلم تقريبًا).
[ ٣٦ ]
ورَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يومئذ يَبنِي المسجدَ وأبيَاتًَا (^١) حولَ المسجد، فأنزلَ فيها أهلَهُ، ومَكثْنَا أيامًا في مَنزِلِ أبي بكر، ثم قال أبو بكر: يا رسولَ اللهِ، ما يمنَعُكَ من أنْ تَبنِيَ بِأهلِكَ؟
قال رسول اللَّهِ - ﷺ -: «الصداق».
فأعطاهُ أبو بكر الصداق اثنتَي عشرةَ أُوقِيَّةً ونَشًَّا (^٢)؛ فبعثَ بها رسولُ الله - ﷺ - إلينا، وبَنَى بِي رسولُ اللَّهِ - ﷺ - في بَيتِي هذا الذي أنا فيه، وهُو الذي تُوفِّي فيهِ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، وجعلَ رسولُ اللَّهِ لِنفسه بابًا في المسجد وِجَاهَ بابِ عائشة.
قالت: وبنَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بِسَوْدَةَ في أحَدِ تِلكَ البُيُوتِ التي إلى جنبي. فكان رسول اللَّهِ - ﷺ - يكونُ عندَهَا).
أخرجه: ابن سعد، والحاكم، وغيرهما.
وأما زينب - ﵂ - فحبَسَها زوجُها أبو العاص - ﵁ -، ثم هاجرَتْ بَعْدُ في السنة الثانية للهجرة، فنَخَسَها الحُويرثُ بن نُقَيذ، وهبَّارُ بن الأسود.
وقد وَهِمَ ابنُ هشام في «السيرة» فجعل النَّخْسَ علَى فاطمة وأمِّ كلثوم،
_________________
(١) الصواب أنه لم يَبْنِ إلا بيتًا واحدًا لِسَودَة، ثم بنَى فيما بعدُ بيتًا لعائشة - ﵄ -. رجَّح ذلك الذهبيُّ، وتعقَّبَ أهلَ السِّيَر.
(٢) أي خَمسمئة (٥٠٠) درهم.
[ ٣٧ ]
ولم يتعقبه شارحه السهيلي.
وجعلَ الذي خرجَ بهما العباس بن عبدالمطلب.
وبيَّن هذا الوهمَ التقيُّ الفاسي.
ومن ذلك يُعلَم خطأُ ما أوردَه عَددٌ من المترجمين لفاطمة من المعاصرين، الذين ذكروا هذه القضية كما ذكرها ابنُ هشام.
[١ ١] زواجها، وحالها مع زوجها.
زوجها: هو ابنُ عَمِّ النبيِّ - ﷺ -: عليُّ بنُ أبي طالب بنِ عبدالمطلب بن هاشم القُرَشِيِّ، أفضلُ هذه الأمَّةِ بعد أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ -. وهو رابع الخلفاء الراشدين.
قُتل شهيدًَا عام (٤٠ هـ) - ﵁ -.
أمُّه: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية، وهي بنتُ عمِّ أبي طالب، كانت من المهاجرات، توفيت في حياة النبي - ﷺ - بالمدينة.
قال الحافظ ابن حجَر: (عليٌّ أوَّلُ الناسِ إسلامًا في قولِ كَثيرٍ مِن أهل العلم. وُلِد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، فرُبِّيَ في حَجْر النبيِّ - ﷺ - ولم يُفارِقْهُ، وشهِد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة: «ألا ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى».
[ ٣٨ ]
ومناقبه كثيرة، حتى قال الإمام أحمد: لم يُنقل لأَحَدٍ من الصحابة ما نُقل لعليٍّ.
وقال غيرُه: وكان سببُ ذلك: بُغض بني أمية له، فكان كلُّ من كان عنده عِلْمٌ من شيءٍ مِن مناقبِهِ مِن الصحابة يبُثُّهُ، وكلما أرادوا إخماده وهدَّدوا من حدَّث بمناقبه لا يزداد إلا انتشارًا.
وقد وَلَّدَ له الرافضةُ مناقبَ مَوضوعَة، هو غَنيٌّ عنها، وتتبَّع النسائيُّ ما خُصَّ به من دون الصحابة - ﵃ -، فجمَعَ من ذلك شيئًا كثيرًا بأسانيد أكثرُها جِيَاد.
روى عن النبيِّ - ﷺ - كثيرًا.
وكان - ﵁ - قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام، وكان أحدَ الشورى الذين نصَّ عليهم عمرُ بنُ الخطاب - ﵁ -.
ومن خصائص عليٍّ: قولُه - ﷺ - يوم خيبر: «لأدفعنَّ الرَّاية غدًا إلى رجُلٍ يحبُّ اللَّهَ ورسُولَه، ويحبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُه، يفتحُ اللهُ على يديه». فلما أصبحَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - غدوا كلُّهم يرجو أن يُعطاها، فقال رسول اللَّهِ - ﷺ -: «أينَ عليُّ بنَ أبي طالب»؟ فقالوا: هو يشتكي عينيه، فأُتيَ به فبصَقَ في عينَيه، فدعا له فبرَأَ، فأعطاهُ الرَّايةَ».).
وهو مِن الذين بشَّرَهم النبيُّ - ﷺ - بالجنة.
ففاطمةُ، وأمُّها، وزوجُها، وولدَاها: الحسنُ والحسينُ، كلُّهم مِن
[ ٣٩ ]
المبشَّرِينَ بالجنة - ﵃ -.
لَمْ يتيسَّرْ الزواج لفاطمة في مكة؛ لِشدة أذى المشركين للنبي - ﷺ - والمؤمنين، وهِجرة بعضهم للحبشة، وحِصار بني هاشم في الشِّعْب، ثم موتِ خديجة - ﵂ -، ولما هاجرَ النبيُّ - ﷺ - تقدَّم لخِطْبَتِها أبو بكر وعمر - ﵄ - فاعتذر لهما النبيُّ - ﷺ - بأنها صغيرة أي بالنسبة لهما.
عن بُرَيْدَة - ﵁ -، قال: خطبَ أبو بكر، وعمرُ - ﵄ - فاطمةَ - ﵂ -، فقال رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إنها صَغِيرةٌ». فخَطبَهَا عليٌّ - ﵁ -، فَزوَّجَهَا منه. أخرجه: النسائي.
وكان عُمْرُ أبي بكر الصديق - ﵁ - حين خطب فاطمة: خمسين سنة تقريبًا، لأنه تُوفي سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة.
وكان عُمْرُ عُمَرَ بنِ الخطاب - ﵁ - حين خطب فاطمة: أربعين سنة تقريبًا، لأنه تُوفي سنة ثلاث وعشرين، وله ثلاث وستون سنة.
وقد بوَّب النسائي حديث بريدة - السابق - بقوله: باب تزوُّج المرأة مثلها في السن.
ثم خطبها عليٌّ، فاستأذنَها النبيُّ - ﷺ -، فقبِلَتْ، ثم زوَّجها.
وكان عُمْرُ عليٍّ - ﵁ - حين خطب فاطمة: ثلاثًا وعشرين سنة؛ لأنه توفي سنة أربعين، وله ثلاثٌ وستون سنة.
[ ٤٠ ]
وقيل: إحدى وعشرين سنةً، وخمسة أشهر.
فبَينهما قرابة خمس سنوات
_________________
(١) على القول الراجح . وكان - ﷺ - يستشير بناته عند الخِطبة عن عائشة قالت: كان رسول اللَّهِ - ﷺ - إذا أراد أنْ يُزَوِّجَ شيئًا مِنْ بنَاتِه، جلَسَ إلى خِدْرِها فقال: «إنَّ فلانًا يذكر فلانة»، يُسمِّيها ويُسَمِّي الرجلَ الذي يَذكُرُها، فإنْ هي سكَتَتْ، زوَّجَهَا، وإنْ كَرِهَتْ نَقَرَتْ السِّتْرَ، فَإذَا نَقَرَتْهُ، لَمْ يُزَوِّجْهَا. أخرجه: أحمد. وفي الصحيحين: عن عائشة - ﵂ - قالت: سألتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - عن الجارية ينكحها أهلها، أتُستَأمر أم لا؟ فقال رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -: «نعم، تُستأمر»، فقالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحي، فقال رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «فذلك إذنُها، إذا هي سكتَتْ». هذا لفظُ مسلم. وعند البخاري بنحوه، وفيه: «رضاها صَمتها»، وفي لفظ له: «إذنها صماتها»، وفي لفظ له: «سكاتها إذنها». وكانت الخِطبة في السنة الأولى من الهجرة، والبناء بها بعد غزوة بدر وقبل أُحُد، أي في آخر السنة الثانية أو أوائل السنة الثالثة. وقد نبَّه عَددٌ من الحفاظ كابن حبان، وابن ناصر الدين الدمشقي، وابن كَثِير إلى كَثْرةِ المرويات المكذوبة في زواج فاطمة - ﵂ -.
[ ٤١ ]
عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: أردتُ أنْ أخطُبَ إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ - ابنتَه، فقلتُ: ما لي مِن شيءٍ، فكيف؟ ! ثم ذكرتُ صِلَتَهُ وعَائدَتَهُ، فخطبتُهَا إليه، فقال: «هل لكَ مِن شَيءٍ»؟ قلتُ: لا. قال: «فأينَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ التي أعطيتُكَ يومَ كذا وكذا»؟ قال: هي عندي. قال: «فأعطِنِيْهَا». قال: فأعطيتُها إياه. أخرجه: أحمد.
كان مهرُها - ﵂ - أربعمئة وثمانين درهمًا، قوَّتها الشرائية في ذلك الزمن (٤٨) شاةً.
وهو مَهْرٌ يَسِيرٌ، لا كلَفةَ فيه، ولا مباهاة، وهكذا كان مهر النبيِّ - ﷺ - لأزواجه، وقبولُه مهرَ بناتِه - ﵅ -.
عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، أنه قال: سألت عائشة - ﵂ -: كم كان صداقُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونَشَّا.
قالت: أتدري ما النشُّ؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمئة درهم (^١)، صدَاقُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - لأزواجِه. أخرجه: مسلم.
ورُوي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: «ألا لَا تغلوا صدق النساء، ألا لا تغلوا صدق النساء، قال: فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند اللَّهِ، كان أولاكم بها النبيُّ - ﷺ - ما أصدقَ رسولُ اللَّهِ
_________________
(١) (٥٠٠) درهم، قيمتها السوقية آنذاك تعادل (٥٠) شاة.
[ ٤٢ ]
- ﷺ - امرأةً من نسائه، ولا أُصدِقَتْ امرأةٌ من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية». أخرجه أحمد، وأصحاب السنن.
عن زيد بن أسلم قال: «ما ساق رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إلى امرأةٍ من نسائه، ولا سِيقَ إليه لشيء من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، فذلك أربع مئة وثمانون درهمًا». رواه عبدالرزاق مرسلًا.
قال الإمام الشافعي - ﵀ -: (والقصد في الصداق أحب إلينا، وأستحب أن لا يُزاد في المهر على ما أصدقَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - نساءَه وبناتِه، وذلك خمسمئة درهم؛ طلبًا للبركة في موافقة كل أمر فعلَه رسولُ اللَّهِ - ﷺ -).
ويُروى عن عِلْبَاء اليشكري أن عليًا تزوج فاطمة، فباع بعيرًا له بثمانين وأربعمئة درهم، فقال النبي - ﷺ -: «اجعلوا ثلثين في الطيب، وثُلثًا في الثياب». أخرجه: ابن سعد، وهو مرسل.
عن علي - ﵁ -، قال: «جهَّز رسولُ اللَّهُ - ﷺ - فاطمةَ - ﵂ - في خَمِيْلٍ، وقِرْبَةٍ، وَوِسَادَةِ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيْفُ الإِذْخِرِ».
أخرجه: النسائي، وأحمد.
ومجموع المرويات في جَهَازِها دلَّتْ على أنه كان:
١. خميلًا، وهو كِساء فيه لِين.
٢. وقِربةً، وفي رواية: سِقاء.
[ ٤٣ ]
٣. وَوِسادةً من جِلْد حشْوُها لِيفُ الإذْخِر.
٤. ورَحْيَيْن، تثنية رحى، وهي: التي يُطحن بها.
٥. وجرَّتين وهما إناءان من فَخار.
٦. وسريرًَا مُزيَّنًا بحِبال من خوص أو ليف.
٧. وإناءً من جلد.
٨. وقطعةً من أقط.
وفي حديث عِلْبَاء اليَشْكُري:
٩. أمر - ﷺ - أن يُجعل ثلثا المهر في الطيب، والثلث الباقي في الثياب.
وهذ الجهاز في غايةِ اليُسْر والسُّهولة، وعدَمِ التكلُّفِ، وفيه من دلالات الزهد، والتقَلُّلِ من الدنيا في بيت النبي - ﷺ - وآله، ما يقف عنده المؤمنُ معتبرًا.
ودلَّ حديثُ عِلباء على العناية في الجهاز بالطيب والإكثار منه؛ لِمَا لَهُ من الأهمية والأثر الحسن في الحياة الزوجية.
وللنبي - ﷺ - عنايةٌ بالطيب في عامة أحواله، فكان لايرد الطيب، وقال: «حُبِّب إليَّ من دنياكم النساء والطيب، وجُعل قُرَّةُ عيني في الصلاة». أخرجه: النسائي، وأحمد.
ويُروى عند البناء بها أنَّ النبيَّ - ﷺ - مجَّ في ماء، ثم صبَّ على
[ ٤٤ ]
فاطمة وعلي - ﵄ -، ودعا لهما بقوله: «اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نَسلهما».
بَنَى بها عليٌّ - ﵁ - في منزلِه وكان بعيدًا عن منزل النبي - ﷺ -، ثم حوَّلها - ﷺ - إلى بيتٍ مجاور له من الجهة الشمالية، وكان لحارثة بن النعمان - ﵁ -.
أوْلَمَ عليٌّ - ﵁ - في زواجِه، وساعدَه النبيُّ - ﷺ - بآصُعٍ من تمر وشعير، وكذا ساعدَه الصحابةُ - ﵃ -، فقدَّمَ سعدُ بنُ معاذ كَبشًا، وقدَّم الأنصارُ آصُعًَا من ذُرَةٍ.
روي في حديث بريدة أن النبي - ﷺ - قال: «يا عليُّ، إنَّه لابُدَّ للعروسِ من ولِيمةٍ».
فقال سعدٌ: عندي كَبشٌ، وجمع له رَهطٌ من الأنصار آصُعًَا من ذُرَةٍ، فلمَّا كان ليلةَ البِنَاء، قال: «لا تُحدِثْ شيئًا حتى تلقاني»، قال: فدعا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بإناء، فتوضأ فيه، ثم أفرغه على علي، ثم قال: «اللَّهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما».
أخرجه: النسائي، وابن سعد.
الصحابة - ﵃ -، بل كلُّ مُسلِمٍ يغبطُ أصهارَ النَّبيِّ - ﷺ -؛ لِقُربِهم من النَّبيِّ - ﷺ - خاصةً عليًَّا لزواجه بأفضل بنات النبي - ﷺ -، وبقاءِ نَسْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - منها.
[ ٤٥ ]
عن ابن عمر - ﵄ - قال: (كنَّا نقول في زمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: رسُولُ اللَّهِ خيرُ الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر، ولقد أُوتِيَ ابنُ أبي طالب ثلاثَ خصال، لأَنْ تكُونَ لي واحِدةٌ منهنَّ أحبُّ إليَّ مِن حُمُرِ النَّعَمْ: زوَّجَهُ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ابنَتَهُ، ووَلَدَتْ لَهُ، وَسَدَّ الأبوابَ إلا بَابَهُ في المسجد، وأعطَاهُ الرايةَ يومَ خَيْبَرَ). أخرجه: أحمد، وابن أبي شيبة.
ولا شك بأنَّ عثمان وعليًَّا مغتبطان بمصاهرتهما النبيَّ - ﷺ -، كذلك أبو بكر وعمر، لكن:
لم يَثبُتْ شَيءٌ من المرويات أنَّ علي بن أبي طالب - ﵁ - فاخَر بزوجه أمام الناس، كما أن عثمان بن عفان زوج ابنتَي رسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لم يفاخر بذلك - ﵃ - أجمعين.
خدمتُها لِزَوجِها، وصبرُها على ضيق العيش معه.
عن عَلِيٍّ - ﵁ -، أَنَّ فَاطِمَةَ - ﵂ - أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمَا»، فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي، فَقَالَ: «أَلا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا
_________________
(١) أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا فَسَبِّحَا ثَلاثًَا وَثَلاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاثًَا وَثَلاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًَا وَثَلاثِينَ،
[ ٤٦ ]
فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ».
أخرجه: البخاري، ومسلم.
وعند الطبراني، وأبي نعيم زيادة: أن فاطمة - ﵂ - كانت حاملًا، فكانت إذا خبزت أصاب حرق التنور بطنَها، فأتت النبي - ﷺ - تسأله خادمًا، فقال: «لا أعطيك خادمًا وأدع أهل الصُّفَّة تطوى بطونهم من الجوع. الحديث.
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: أتت فاطمةُ النبيَّ - ﷺ - تسأله خادمًا، فقال لها: «قولي: اللَّهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللَّهم أنتَ الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنَّا الدين، وأغننا من الفقر». أخرجه: مسلم.
كانت فاطمة - ﵂ - خير زوج، صبرت وصابرت على شظف العيش، وخِدمَتِها لزوجها وصبيانها، وفي فترات لم يكن لها خادم يخدمها، ولم يُقدِّمها النبيُّ - ﷺ - على حاجة المسلمين حينما جاءه السبي، وأرشدَها وزوجَها إلى خَيرِ مُعِين لهما، وهو الذكر عند النوم من التسبيح والتحميد والتكبير.
[ ٤٧ ]
عن سهل بن سعدٍ، أن عليَّ بن أبي طالب دَخَلَ على فاطمةَ، وحسنٌ وحسينٌ - ﵃ - يبكيان، فقال: ما يُبْكيهما؟
قالت: الجوعُ.
فخرج عليٌّ، فوجد دينارًا بالسُّوق، فجاء إلى فاطمة فأخبرها، فقالت: اذهبْ إلى فلان اليهوديِّ فخذ لنا دقيقًا، فجاء اليهوديَّ فاشترى به دقيقًا، فقال اليهوديُّ: انتَ خَتَنُ هذا الذي يَزعُمُ أنه رسولُ اللَّهِ؟ قال: نعم، قال: فخذ دينارَك ولكَ الدقيقُ.
فخرج عليٌّ حتى جاء به فاطمةَ، فأخبرها، فقَالت: اذهب إلى فلانٍ الجزار فخذ لنا بدرهم لحمًا، فذهب فرَهَن الدينارَ بدرهم لحمٍ، فجاء به، فعَجَنَتْ، ونَصَبَتْ، وخبَزَت، وأرسلَتْ إلى أبيها، فجاءهم، فقالت: يا رسول اللَّهِ، أذكر لك، فإن رأيتَه لنا حلالًا أكلناه وأكلتَ معنا، مِن شأنه كذا وكذا، فقال: «كُلُوا باسْم اللَّهِ» فأكلوا.
فبينا هم مكانهم إذا غلامٌ يَنشُد اللَّهَ والإسلامَ الدينار، فأمر رسولُ اللَّهِ - ﷺ - فدُعي له، فسأله، فقال: سَقَطَ مني في السوق، فقال النَّبِيُّ - ﷺ -: «يا عليُّ، اذهبْ إلى الجزَّار فقل له: إنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقول لك: أرْسِلْ إليَّ بالدينار، ودِرهَمُكَ عليَّ».
فأرسل به، فدفعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إليه.
أخرجه: أبو داوود.
[ ٤٨ ]
قالت الأديبة: عائشة بنت الشاطئ عن حياة فاطمةَ - ﵂ -: (حياتُها الزوجية تختلف عن حياة أخواتها؛ لأنَّ أزواجهن أصحاب ثَراءٍ مادي بخلاف عليٍّ، فهو فقير، أبوه على شرَف نسبِه ووجاهته كان قليل المال كثير العيال وعليٌّ أسلم قديمًا وهو صبي، ولازم النبي - ﷺ - فلم يشتغل بالتجارة ولا الزراعة، لذا خطب وليس عنده إلا دِرْعه).
وقد أرشد النبيُّ - ﷺ - ابنتَه فاطمة إلى الذكر عند النوم، عوضًا عن إجابتها بخادم، مع علمِه وبيانِه أنَّ أهل الصفة أحوج من فاطمة وزوجها، قال العقاد: (ولم يكُن - ﷺ - يضنُّ على فاطمة - ﵂ - بما يملك من الأنفال، فكان يخصُّها بالقسم الأوفى من حصَّته كلَّما فرَّق رزقًا بين ذويه وزوجاته، ولكنها كانت فاقةً تعمُّهم جميعًا حين لا يجدُ النبيُّ - ﷺ - ما يفرقه بينهم مثَلُ النبيِّ محمَّدٍ - ﷺ - يعلُو على إشفاق المشفِقين، ومَن كان في قُدرته أن ينعمَ من الدنيا بما يقطع قلوب الحاسدين حسدًَا، ثم يَرضَى لنفسِه وآلِه منزلة الإشفاق، فذلك هو الإعظامُ غايةَ الإعظام).
وقوعُ المغاضبةِ بينهما أحيانًا:
يقع بين علي وفاطمة - ﵄ - ما يقع بين الزوجين، وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قريبًا منهما، زيارةً، وتربية، ونُصحًَا وإصلاحًَا.
[ ٤٩ ]
عن سهل بن سعد - ﵁ - قال: جاء رسولُ اللهِ - ﷺ - بيتَ فاطمة فلمْ يَجدْ عليًَّا في البيت، فقال: «أينَ ابنُ عمِّك»؟ قالت: كان بيني وبينه شيءٌ، فغاضَبَنِي، فخرج، فلم يَقِلْ عندي، فقال رسول اللهِ - ﷺ - لإنسان: «انظر أين هو»؟ فجاء فقال: يا رسولَ اللهِ، هو في المسجد رَاقِدٌ، فجاء رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وهو مضطجع، قد سقَطَ رِدَاؤه عن شِقِّه، وأصابه تُرابٌ، فجعل رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يمسَحُه عنه، ويقول: «قُمْ أبا تُراب، قُمْ أبا تُراب». أخرجه: البخاري، ومسلم.
عن جابر بن عبد اللهِ الأنصاري - ﵄ - في حديث حجة الوداع. . . وفيه: وقَدِم عليٌّ من اليَمَن بِبُدْنِ النَّبيِّ - ﷺ - فوجدَ فاطمةَ - ﵂ - ممَّن حَلَّ، ولَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًَا، واكتحَلَتْ، فأنكرَ ذلك عليها، فقالَت: إنَّ أبي أمرَني بهذا.
قال: فكان عليٌّ يقول بالعِراق: فذهبتُ إلى رسول اللَّهِ - ﷺ - محرِّشًَا على فاطمة للذي صَنعَتْ، مُستَفْتِيًا لرسول اللَّهِ - ﷺ - فيما ذكَرَتْ عنْهُ، فأخبرتُه أني أنكَرتُ ذلك عليها، فقال - ﷺ -: «صَدَقَتْ صَدَقَتْ. الحديث. أخرجه: مسلم.
عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كان بين علي وفاطمة كلامٌ، فدَخَل رسولُ اللَّهِ - ﷺ - فألقى له مِثَالًا فاضطَجَعَ عليه، فجاءت فاطمةُ فاضطجعتْ من جانب، وجاءَ عليٌّ فاضطجع من جانب، فأخذ رسول اللَّهِ -
[ ٥٠ ]
ﷺ - بيدِ عليٍّ فوضَعَهَا على سُرَّتِه، وأخذَ بيد فاطمةَ فوضَعَها على سُرَّتِهِ، ولمْ يَزَلْ حتَّى أصلَحَ بينهما، ثم خَرَج، قال: فقيل له: دخلْتَ وَأنتَ عَلى حَالٍ، وخَرجْتَ ونحنُ نَرى البِشْرَ في وجهِكَ، فقال: «وما يَمْنَعُنِي وقَدْ أصْلَحْتُ بين أَحَبِّ اثنَيْنِ إليَّ». أخرجه ابن سعد، وهو مرسل.
لا تخلو الحياةُ الزوجية في أيِّ بيتٍ من وجود خلافات، حتى في بيت النبوة أفضلِ البيوت، فيه أفضلُ البشَرِ - ﷺ - مع أفضلِ النساء أمهاتِ المؤمنين - ﵅ -، يقع منهن ما يقع للبشر من الغَيرة والمخاصمة والزيادة في طلبات النفقة، وغيرها.
وقد نُقل شَيءٌ مما حَدَث؛ تشريعًا للأمَّةِ، وبيانًا لأفضلِ الهَدْي، واتِّسَاءً بخير الناسِ لأهلِهِ - ﷺ -.
مُكْثُ عَليٍّ مع فاطمة - ﵄ - قليلٌ نِسْبِيًَّا، فالمدة قريبة من ثمانِ سنوات فقط
وهذه السنوات كلُّها - عدا ستة أشهر - كانت في حياة النبي - ﷺ - وفي مَقربة منه، فكان بيتُها مجاورًَا لبيتِ النبيِّ - ﷺ -، ينالُه بركةُ النبيِّ - ﷺ - في زياراتِه المتكررة لهما، إضافةً إلى محبة عليٍّ فاطمةَ، ورؤيتِه محبةَ وإجلالَ النبيِّ - ﷺ - الشديدةَ لابنتِه - ﵂ -.
[ ٥١ ]
يُضاف إلى ذلك عِلمُهما - ﵄ - بالحقُوق الزوجية، مع الوصاية النبوية بالإحسان والرفق بالمرأة
ما سبق وغيرُه، يدلنا على قلة الخصومات بين علي وفاطمة - ﵄ -، وإذا وُجِدَتُ
_________________
(١) وهو أمْرٌ طبَعَي فإنها محاطَة بالسِّتر، والدِّيَانة، والعَقْل، والمروءة؛ فلا ضَرْب، ولا تشهير، ولا هجرًا سيئًا، ولا إخراجًا للمرأة من المنزل، ولا غيرَه. قال عباس العقاد: (ولَمْ تَخْلُ هذه الحياةُ - وما خلَتْ حياةُ آدَميٍّ قط - من ساعاتِ خلاف، وساعاتِ شِكَاية، فربَّما شكَتْ فاطمةُ، وربما شَكا عليٌّ، وربما أخذَتْ فاطمةُ على قرينها بعضَ الشدَّةِ وما هي بشِدَّةٍ ، فما كان رَجُلٌ مثلَ عَليٍّ لِيُعَنِّفَ على بنتِ رسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وهو يعلَمُ مكانَها من قَلْبِ رسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، إنَّمَا اعْتِزَازُ فَاطِمَةَ بِنَفْسِهَا وَإبِاؤُهَا أَنْ تُهْمَلَ حَيْثُ كَانَتْ، وإنِّمَا الحَنَانُ الذِي تَعَوَّدَتْهُ مِنْ أَبِيْهَا، فَلا تَسْتَرِيْحُ إلَى مَا دُوْنَهُ، وَكُلُّ حَنَانٍ بَعْدَ حَنَانِ ذَلِكَ القَلْبِ الكَبِيْرِ، فَكَأَنَّهُ قَسْوَةٌ أَوْ قَرِيْبٌ مِنْ القَسْوَةِ عِنْدَ مَنْ يَتَفَقَّدُهُ، فَلا يَجِدُ نَظِيْرَهُ فِي قَلْبِ إِنْسَانٍ). هذا، وقد كان عليٌّ - ﵁ - يستحي أنْ يسألَ النبيَّ - ﷺ - في بعض شؤونه الخاصة لمكانته من فاطمة - ﵂ -. قال - ﵁ -: كُنْتُ رجُلًا مَذَّاءً، وكُنْتُ أستحي أنْ أسألَ النبيَّ
[ ٥٢ ]
- ﷺ - لمكان ابنته، فأمرتُ المقدادَ بن الأسود فسألَه فقال: «يَغسِلُ ذكرَه، ويتوضأ».
وفي لفظ: مِن أجل فاطمة.