قال المزي (ت ٧٤٢ هـ) - ﵀ -: (ومناقبها، وفضائلها كثيرةٌ جدًَا - ﵂ - وأرضاها).
قال الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) - ﵀ -: (وقد كان النبي - ﷺ - يحبُّها ويكرِمُها ويُسِرُّ إليها. (^١) ومناقبها غزيرة.
وكانت صابرةً، ديِّنةً، خَيِّرةً، صيِّنَةً، قانِعَةً، شاكِرَةً للهِ).
من مناقبها وخصائصها:
أنها مِن أول الناس إسلامًا، فقد اتفق العلماء على أنَّ أولَ الناس إسلامًا: أمُّ المؤمنين خديجة - ﵂ -.
_________________
(١) كان تمييز النبي - ﷺ -، وإسراره لها، بعد وفاة أخواتها، وانفرادها.
[ ١٢٧ ]
قال الزرقاني (ت ١١٢٢ هـ) - ﵀ -: (ولم يُذكر بناتُه - ﷺ -؛ لأنه لا شَكَّ في تمسُّكِهِنَّ قبل البعثة بهديِه وسيرتِه، وقد روى ابنُ إسحاق عن عائشة: لما أكرمَ الله نبيَّه بالنبوَّةِ، أسلَمَتْ خديجةُ وبناتُه.
وقال الزرقاني: والحاصلُ أنه لا يحتاجُ للنصِّ على سبقهن للإسلام؛ لأنه معلوم هذا إلخ.
وذكر السفَّاريني (ت ١١٨٨ هـ) - ﵀ - أنه لما أكرمَ الله نَبِيَّه بالنُّبُوَّةِ، آمنَتْ به خديجةُ، وبناتُه، فصَدَّقْنَه، وشَهِدْنَ أنَّ ما جاءَ بِهِ الحقُّ، ودِنَّ بِدِيْنِه.
قلت: هل يمكن أن يُقال: بأنَّ أوَّل مَن أسلَم خديجةُ، ثم بناتُ النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قبل أبي بكر وعلي؟ فيَكُنَّ أولَ مَن أسلم مطلقًا بعد خديجة - ﵃ -؟
وهل يمكن أن يقال
_________________
(١) أيضًا : أوَّلُ مَن أسلَمَ من البنات مطلقًا، كما أنَّ عليًَّا أول من أسلم من الصبيان؟ وإسلامُهُنَّ تبعًا لوالديهنَّ؛ لأن زينب - أكبر البنات - عمرها أوَّل البعثة عشر سنوات، وفاطمة - ﵂ - - أصغرهن - كان عمرها أول البعثة خمس سنوات على القول الراجح ـ، فَلِمَ لا يُذكَرْنَ بأنهن أول مَن أسلم بعد خديجة؟ ! لم أجدْ مَن تطرَّق لهذا غير الزرقاني، ثم السفاريني، وهو قَولٌ قَويٌّ فيما يظهَرُ لي واللَّهُ تعالى أعلَمُ .
[ ١٢٨ ]
وقد يُقال: بأنَّ البحثَ فيمَن أسلَم ممَّن دعاهُ النبيُّ - ﷺ -، وأما بناتُه فهُنَّ تبعٌ له خاصة أنهن كلهن ــ أو عدا زينب ــ دون البلوغ.
لكن سياق الحديث عند مَن بحث في المسألة: عَمَّنْ دخل في الإسلام أولًا، لا فرق بين مَن دخل تبعًا كبناته، ومولاه، وعليٍّ - على الصحيح (^١) ـ، ومَن دعاه فاستجاب كأبي بكر، وغيره.
على كُلٍّ، هذه المسألة لا ينبني عليها حُكْم، ولا عَمَل - والعِلْمُ عندَ اللَّهِ تعالى ـ.
ومن مناقبها: أنَّ النبيَّ - ﷺ - جلَّلها بكِسَائه مع ابنَيْها الحَسن والحُسين، وزَوْجِها عليٍّ - ﵃ -، وقرأَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (سورة الأحزاب، آية ٣٣) وقال: «اللهم هؤلاء أهلُ بيتي، وأهلُ بيتي أحقُّ».
ومن مناقبها: شَبَهُهَا بأبِيْهَا - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في حَديثِهَا، ومِشْيَتِهَا، وصِدْقِ لَهْجَتِهَا، وغَيْرِ ذَلك - ﵂ -.
من خصائصها: أنها سيِّدة نساء هذه الأمة = سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة بعد مريم بنت عمران، وقد بُشِّرَتْ بالجنة، وكذا زوجُها، وابنَاها، وأمُّها - ﵃ -.
_________________
(١) قال ابن حجر: (ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح). وقيل: أسلم وهو ابن ثمان سنين، وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: أربع/خمس/ست/ثمان عشرة.
[ ١٢٩ ]
ومن خصائصها: أنها أطولُ آلِ البيت ملازمةً للنبيِّ - ﷺ -، ولم أجدْ مَن ذكر هذه المعلومة
_________________
(١) والحمدُ للَّهِ على فَضْلِه . ومما ساعدها في ملازمتها: أنها مُنذ ولادتها - ﵂ - وهي مع والدها، وكانت آخر أخواتها زواجًا، وكان بيتها بعد زواجها ملاصقًا بيتَ والدها - ﷺ - = بيت عائشة - ﵄ -. وقد بقيت معه حياتَه كلها، بخلاف بقية بناته، فقد متن في حياة النبي - ﷺ -. وقد شَهِدَتْ مَراحِلَ الدَّعْوة الإسلامية كلَّها من بدئها إلى وفاةِ النبي - ﷺ -. فلَها - ﵂ - مُلازَمَةٌ خاصةٌ لأبيها، ولها حُضُورٌ لكثير من مَشاهِدِه، مع بِرِّها، ومُناصَرَتِهَا وذَبِّهَا عنْهُ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. ففي العهد المكي، أزالَتْ عن ظهر والدها الأذى الذي وضَعَهُ كُفَّارُ قُريش، وكانت - ﵂ - تُعِينُه - ﷺ -. وفي غزوة أُحُد (٣ هـ)، داوَتْ جِراحَه، وأوقفَتِ الدمَ الذي يسيل على وجهِهِ الشريف - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. وكانت - ﵂ - معه في «عمرة القضاء» (٧ هـ) - كما في «صحيح البخاري» في حديث تنَازُعِ عليٍّ وجعفرٍ في ابنة حمزة. وكانت معه أيضًا في «فتح مكة» (٨ هـ)، وقد سترته لما أراد الاغتسال بعد الفتح مباشرة.
[ ١٣٠ ]
وكذا كانت معه في حجة الوداع (١٠ هـ) - ﵂ -.
وقد نَوَّه بذكرها في مَواطن:
في مكة على الصفا: يافاطمة سليني من مالي، لا أغني عنك من اللَّه شيئًا، وفي خُطبتِه: لو أن فاطمة بنت محمد سرقَتْ لقطعتُ يدها.
وفي خُطْبته - لما أراد عليٌّ أن يتزوَّج عليها ـ: فاطمةُ بَضعَةٌ مِنِّي، يُريبني ما يُريبُها.
ومن خصائصها:
أن عقِب النبي - ﷺ - انحصر في ولدها، فمِنْهَا امتدادُ ذريته - ﷺ - مِن بَعده، وأن المهدي المنتظر
_________________
(١) عند أهل السنة والجماعة - من ولد الحسن بن علي - ﵄ -. ومن ذلك: إسرار النبي - ﷺ - لها بقُرْبِ أجَلِهِ، وأنَّها أوَّلُ أهلِهِ لحاقًا به. وقد حَفِظَتْ لأبيها السِّرَّ الذي استودَعها إياه، فلم تُخبِرْ به أحدًَا، مع تشوُّفِ نساء النبي - ﷺ - إلى معرفته، وكُنَّ حاضرات كلُّهُنَّ وقتَ الإسرار، وشاهدوا أمرًَا غريبًا من بُكائها ثم ضَحِكها في وقت قريب.
[ ١٣١ ]