عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كُنَّ حِزْبَيْنِ:
فَحِزْبٌ فِيهِ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ.
وَالحِزْبُ الآخَرُ: أُمُّ سَلَمَةَ، وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - (^١)،
وَكَانَ المُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَائِشَةَ، فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ أَحَدِهِمْ هَدِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ يُهْدِيَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَخَّرَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، بَعَثَ صَاحِبُ الهَدِيَّةِ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي بَيْتِ عَائِشَةَ.
فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَيَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - هَدِيَّةً، فَلْيُهْدِهِ إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ بُيُوتِ نِسَائِهِ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِمَا قُلْنَ، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًَا، فَسَأَلْنَهَا، فَقَالَتْ: مَا قَالَ لِي شَيْئًَا، فَقُلْنَ لَهَا، فَكَلِّمِيهِ قَالَتْ: فَكَلَّمَتْهُ حِينَ دَارَ إِلَيْهَا أَيْضًَا، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًَا، فَسَأَلْنَهَا، فَقَالَتْ: مَا قَالَ لِي شَيْئًَا، فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِيهِ حَتَّى يُكَلِّمَكِ، فَدَارَ إِلَيْهَا فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَ لَهَا: «لَا تُؤْذِينِي فِي
_________________
(١) أي بقيتهن، وهن: زينب بنت جحش الأسدية، وأم حبيبة الأموية، وجويرية بنت الحارث الخزاعية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، دون زينب بنت خزيمة أم المساكين. انظر: «فتح الباري» لابن حجر.
[ ١٤١ ]
عَائِشَةَ فَإِنَّ الوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ، إِلَّا عَائِشَةَ».
قَالَتْ: فَقَالَتْ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تَقُولُ: إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ اللهَ العَدْلَ فِي بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَ: «يَا بُنَيَّةُ أَلَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ»؟ قَالَتْ: بَلَى، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ، فَأَخْبَرَتْهُنَّ، فَقُلْنَ: ارْجِعِي إِلَيْهِ، فَأَبَتْ أَنْ تَرْجِعَ.
فَأَرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ (^١)، فَأَتَتْهُ، فَأَغْلَظَتْ، وَقَالَتْ: إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ اللهَ العَدْلَ فِي بِنْتِ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ، فَرَفَعَتْ صَوْتَهَا حَتَّى تَنَاوَلَتْ عَائِشَةَ وَهِيَ قَاعِدَةٌ فَسَبَّتْهَا، حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَيَنْظُرُ إِلَى عَائِشَةَ، هَلْ تَكَلَّمُ، قَالَ: فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ تَرُدُّ عَلَى زَيْنَبَ حَتَّى أَسْكَتَتْهَا، قَالَتْ: فَنَظَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى عَائِشَةَ، وَقَالَ: «إِنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ».
متفق عليه، واللفظ للبخاري.
وفي لفظ مسلم: قالت عائشة، فأرسل أزواج النبي - ﷺ - زينبَ بنتَ جحش، زوجَ النبي - ﷺ -، وهي التي كانت تُسَامِيني (^٢) منهُنَّ في المنزلةِ عند رسول اللَّه - ﷺ -، ولم أرَ امرأة قطُّ خيرًَا في
_________________
(١) قال ابن حجر: (وفيه إدلالُ زينب بنت جحش على النبي - ﷺ -؛ لكونها كانت بنت عمَّته، كانت أمُّها أُمَيْمَةَ - بالتصغير - بنتَ عبدِالمطلب).
(٢) أي تُعاليني وتفاخرني.
[ ١٤٢ ]
الدِّين من زينب، وأتقى للَّهِ وأصدقَ حديثًا، وأوصلَ للرَّحِمِ، وأعظمَ صدَقَةً، وأشَدَّ ابتذَالًا لِنفسِهَا في العَمَلِ الذي تصدق به، وتقربَ به إلى اللَّهِ تعالى، ما عدا سَوْرةٍ (^١) من حِدَّةٍ كانت فيها، تُسْرعُ مِنها الفَيْئَةُ، قالت: فاستأذَنتْ على رَسُولِ اللَّه - ﷺ -، ورَسولُ اللَّهِ - ﷺ - مع عائشة في مِرْطِهَا، على الحالة التي دخلَتْ فاطمةُ عليها وهُوَ بِهَا، فأذن لها رسولُ اللَّهِ - ﷺ -.
حديث آخر:
عن سعيدِ بنِ المسيب، قال: «قَدِمَتْ صَفِيةُ بنتُ حُييٍّ وفي أُذُنيها أخْرِصَةٌ مِن ذَهَبٍ، فوَهَبَتْ لِفَاطِمَةَ بنتِ رسُولِ الله - ﷺ -، ولِنسَاءٍ معَهَا».
أخرجه: ابن وهب، وابن سعد، وهو مُرسلٌ، وصحَّحَ إسنادَه ابنُ حجر.
وأخرج: ابنُ وهب ــ بنحوه ــ من قول الإمام مالك.
هذا، وإنَّ العَلاقةَ بين فاطمة، وعائشة - ﵄ - عَلاقةٌ حَمِيمِيَّةٌ، ملؤها المحبة والصلة والوفاء، ولم يُنقَل عنهما شَيءٌ يدل على مُباعدة ومُنافرة؛ فضلًا عن عَدَاء وبُغْض، وهذه المحبةُ والألفةُ لا تنافي وجود خلافات عائلية،
_________________
(١) أي ثَوْرَة ووَثْبَة.
[ ١٤٣ ]
تقع في البيوت كلها، منشؤها النَّزَعات الإنسانية، والاختلافات الشخصية، مع قرب الجوار، وكثرة المخالطة، وهما - ﵄ - غير معصومتين.
فإذا كانت الخلافاتُ الزوجية = العائليَّة تقع في بيت النبوة مع أفضلِ الخلق، وأصدَقِهم، وأتقاهم، وأكملِهم هَدْيًا، وأحسَنِهم خُلُقًا، وأكرَمِهم - ﷺ -، فالحالُ بين الزوجات، أو فاطمة مع غيرها من باب أولى.
وإني أرى أنَّ قبولَ فاطمة الوسَاطةَ والرسالَةَ من حِزب أمِّ سلمة - ﵅ - إلى النبي - ﷺ -، ثم حديثَها بالطلب صراحةً مع وجود عائشة، يَشِي بأمرٍ يَسيرٍ من الاختلافاتِ العائلية بين فاطمة وعائشة - ﵄ -.
لكن لم يُنقل شَيءٌ مُفصَّل من ذلك؛ لعدم بلوغِه درجةَ الاهتمام والنقل، ولكونه من الأحداث اليومية الظاهرة التي تُمحَى سَرِيعًا، ولِعدَمِ تمكُّنِها في القَلْب، ولِوجُود الصلاح والتُّقَى الذي يَحمِي صاحِبَها عن الاستمرار، فضلًا عن القطيعة والافتراء.
ومما يدلُّ على وجود مثل هذا المعتاد في البيوت، ما رُوي في حديث عائشة - ﵂ -: «ما رأيتُ أحدًا قط أصدق من فاطمة غير أبيها - وكان بينهما شَيءٌ
_________________
(١) فقالت: يا رسول اللَّه، سَلْهَا فإنها لا تكذب». فقولُ الراوي: «وكان بينهما شَيءٌ» - إنْ صحَّت هذه الجملة ـ، لا يدل على نزاع مستمر، أو نزاع شديد مؤثِّر، بل هو شَيءٌ محدد في موضوع
[ ١٤٤ ]