شُطْفَة (^١) = قِطعَةٌ خضراء على العمامة، ثم توسَّعَ بعضُهم فجَعَلَ العِمامةَ كلَّها خضراء.
ليس لها أصل في الشرع الحكيم، ولا في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم.
أصلها: أنَّ الخليفة المأمون: أبا العباس، عبدَ الله بنَ هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور العباسي، (^٢) بَايع بالعَهْدِ (سنة ٢٠١ هـ) لِـ: علي بن مُوسى - الرِّضَا - بن جعفر بن محمد - الصادق - بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵃ - (ت ٢٠٣ هـ)، ونوَّهَ بِذكِرِه، ونبذَ السَّوادَ، واتَّخَذَ لهم شِعَارًَا أخضَرَا؛ فهاجَتْ بنو العباس، وخلَعُوا المأمون، ثم بايعوا عمَّه إبراهيم بنَ المهدي. ثم انثنى عزمُه، وردَّ الخلافة إلى بني العباس.
فبقي الأخضرُ شِعَارَ الأشرَافِ من ذُرِّيةِ السِّبْطَين.
ثم اختَصَرُوا الثياب إلى قِطعَةِ ثَوبِ خَضْرَاءَ = شُطْفَة خضراء، تُوضَعُ عَلى عَمائِمِهِمْ؛ شِعَارًَا لهم، ثمَّ انقطعَ ذلكَ إلى أواخِرِ القَرنِ الثامِنِ الهجرِي.
_________________
(١) شُطْفَة بزِنَة غُرْفَة: لفظة عامية محدَثة، وهي علامةٌ خضراءُ تُجْعَل في عمائم الأشراف.
(٢) خِلافتُه من أول سنة (١٩٨ هـ) إلى (٢١٨ هـ).
[ ٦٩ ]
ففي سنةِ ثلاثٍ وسبعين وسَبعِمئة (٧٧٣ هـ) أمَرَ السلطانُ الأشرفُ: شعبان بنُ حسين بن الناصر محمد بن قلاوون الصالحي النجمي، سلطان الديار المصرية والشامية (ت ٧٧٨ هـ) وعُمُره (٢٤ سنة) (^١)
أنْ يمتَازُوا عَلى الناسِ بعصَائِبَ خُضْرٍ = علامة خضراء = شُطْفة أي قطعة خضراء عَلَى العمائم (^٢) ولَيسَ عمامةً خضراء، فَفُعِلَ ذِلكَ بِأكثرِ البلادِ كمِصْرَ، والشامِ، وغيرِهما.
وذكر السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) بقاءَ هذا الشعار إلى وقته.
قال أبو عبد الله بن جابر الأندلسي الأعمى نزيل حلب:
جعلوا لأبناءِ الرسولِ علامةً إنَّ العلامةَ شأنُ مَن لم يشهر
نورُ النبوةِ في كريمِ وجُوهِهم يُغنِي الشريفَ عن الطِرازِ الأخضر
وقال الأديب محمد بن إبراهيم بن بركة الدمشقي المزين:
أطرافُ تِيجان أتَتْ من سُنْدُسٍ خُضْرٍ بأعلامٍ على الأشراف
والأشرفُ السلطانُ خصَّصَهمْ بها شَرَفًا لِيفَرقَهُم مِن الأطراف
_________________
(١) أجمع مَن ترجم للأشرف على الثناء عليه، وذِكر محاسنِهِ الجمَّة. وباعث هذا التمييز: محبة آل البيت، وأن يعرفهم الناس ويقدرونهم. وليس صحيحًا ما ظنه بعض المعاصرين من أن أمره بذلك لأجل استمالة الأشراف له، في زمن اضطراب مُلكه.
(٢) زاد المقريزي في «السلوك»: والعلامة الخضراء - أيضًا - في أُزُر النساء! ! وكذا ذكره ابن إياس، ولعله نقله من المقريزي، ولم أجد هذه الإضافة عند غيرهما.
[ ٧٠ ]
وقد اختلف العلماء في هذا التمييز لغير عقب فاطمة - ﵂ - = ذرية السبطين الحسن والحسين - ﵃ -:
منهم مَن يرى أنه لا يجوز لأحدٍ من غير ذرية السبطين لُبْس العمامة الخضراء أو الشُّطْفَةِ الخضراء، المختصة عرفًا بذرية السبطين؛ لئلا يحصل اختلاط في الأنساب، وقد يسبب ذلك اختلاطًا وإشكالًا في الاستفادة من الأوقاف المخصصة للأشراف من ذرية السبطين.
ذكر ذلك وشدَّدَ فيه بعضُ المتأخرين من المالكية، بل رأوا تأديب مَن يلبسها من غير ذرية السبطين.
ويبدو أن الاختصاص لم يستمر؛ لأنَّ الدسوقي المالكي (ت ١٢٣٠ هـ) يرى أنه لَمْ تَعُدْ الشطفة الخضراء في زمانه مختصةً بالأشراف، وذكر أنه عمَّت بها البلوى، ولَبِسَها غيرُهم، فلا تأديبَ إذَنْ.
ومع ذلك يرى أنَّ الأفضلَ عدمُ لُبْسِها لغير ذُرية السبطين.
ومِن العلماء مَن يرى الجواز، وأنه لا دليل على تخصيص اللباس الأخضر، ولا على منع غيرهم من لبسه، وأن الاختلاط والاشتباه متوهَّم؛ لأن الأنساب محفوظة مضبوطة لا تتأثر باللباس.
فيجوز للناس كلهم لبس العمائم الخضر، وأن يُلقَّب غيرُ الهاشميين بالأشراف.
[ ٧١ ]
- نكاح الفاطميات
يجوز لكل عربي كفؤ في النسب أن يتزوج الفاطميات = ذرية الحسن أو الحسين؛ ولا يجوز منع تزويج الفاطميات إلا من الفاطميين أو الهاشميين، فهذا القول بدعة منكرة، وضرر بالغ بنساء آل البيت.
وقَصْرُ الفاطميات على الفاطميين قولٌ مَشهُورٌ عند الزيدية، وأوَّلُ مَن قال به: العياني (ت ٤٠٤ هـ)، ولا يَعرِفُ هذا القولَ عُلماءُ السُّنَّةِ والجَمَاعَة.