جاء أبو سفيان - قبل إسلامه
_________________
(١) إلى المدينة، قبل فتح مكة، يريد العفو من النبي - ﷺ - بعد نقض العهد، فطلب من فاطمة - ﵂ - أن تشفعَ له عند رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؛ لِيجدد الهُدنة التي بينه وبين قريش. والروايات في هذا مُرسَلَة، غير متِّصلة، وهي من أحاديث السيرة. قال عبدالرزاق الصنعاني (ت ٢١١ هـ) - ﵀ -: عن مَعمَر، عن عثمان الجزَرِي، عن مِقْسَمٍ. قال مَعْمَر: وكان يُقال لعثمان الجزري المشاهد، عن مِقْسَمٍ مَولى ابن عباس (ت ١٠١ هـ)، قال: لما كانت المدَّةُ التي كانت بينَ رسولِ اللَّه - ﷺ - وبين قريش زمن الحديبية، وكانت سنين ذَكرَ أنها كانت حَربٌ بَين بني بكرٍ وهم حُلَفَاءُ قُريش ، وبين خُزَاعَة - وهُمْ حُلَفاءُ رسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ـ؛ فأعانَت قريشٌ حُلَفاءَه عَلى خُزاعة، فبلغَ ذلكَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فقال: «والذي نَفسي بيدِه، لأمنعَنَّهُم مما أمنَعُ مِنهُ نَفْسِي وأهلَ بَيتِي». وأخذَ في الجهَازِ إليهم، فبلَغَ ذلكَ قُرَيشًَا، فقالوا لأبي سفيان: ما تصنَعُ وهذهِ الجيوش تجهَّزُ إلينا؟ ! انطَلِقْ فجَدِّدْ بينَنا وبينَ محمَّدٍ كِتَابًَا،
[ ١٤٩ ]
وذلك مَقدَمَهُ مِن الشام.
فخرَجَ أبو سفيان حتَّى قَدِمَ المدينة، فكَلَّمَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فقال: هَلُمَّ فلَنْجُدِّدْ بيننا وبينَك كِتَابًَا.
فقال النبيُّ - ﷺ -: «فنحنُ على أمرِنَا الذي كانَ، وهَلْ أحدَثْتُمْ مِن حَدَثٍ»؟
فقال أبو سفيان: لا.
فقال النبيُّ - ﷺ -: «فنحنُ عَلى أمْرِنَا الذي كان بيننا».
فجاءَ عَليَّ بنَ أبي طالب فقال: هَلْ لكَ عَلى أنْ تسُودَ العرَبَ، وتمُنَّ عَلى قَومِكَ فتُجِيْرَهُمْ، وتُجَدِّدَ لهم كتابًا؟ فقال عليٌّ: ما كنتُ لأفتَاتَ عَلى رسُولِ الله - ﷺ - بأمْرٍ.
ثمَّ دخَلَ ــ أبو سفيان ــ عَلى فاطِمَةَ، فقالَ: هَل لَكِ أنْ تَكُوْنِي خَيْرَ سَخْلَةٍ (^١) في العَرَبِ؟ أنْ تُجيرِي بَينَ الناس، فقد أجارَتْ أختُكِ عَلى رسُولِ الله - ﷺ - زوجَها أبا العاص بن الربيع فلَمْ يُغَيِّرْ ذلِكَ.
فقالت فاطمة: ما كنتُ لأفتَاتَ عَلى رسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بأمرٍ.
ثم قال ذلكَ للحسَنِ والحُسَين: أجِيرَا بَين الناس، قُولا: نَعَمْ، فلَمْ يقُولا شيئًا، ونظَرَا إلى أمِّهِما وقالا: نقولُ ما قالَتْ أمُّنَا.
فلَم يَنجح مِن واحِدٍ منهم مَا طلَب. الحديث.
_________________
(١) كذا في طبعة الأعظمي، وط. التأصيل لِـ «مصنَّف عبدالرزاق».
[ ١٥٠ ]
وعند ابن أبي شيبة: قال أبو سفيان لفاطمة: يا فاطمة، هل لك في أمر تَسُودِين فيه نساءَ قومك، ثم ذكر لها نَحوًَا مما ذكرَ لأبي بكر، فقالت: ليس الأمرُ إليَّ، الأمرُ إلى اللَّهِ وإلى رسُولِه. ثمَّ أتى عَلِيًَّا الحديث.
عند الواقدي: دخل أبو سفيان على فاطمة بنت النبيِّ - ﷺ - فكلَّمَها، فقال: أجيري بين الناس!
فقالت - ﵂ -: إنما أنا امرأةٌ.
قال: إنَّ جِوارَكِ جَائِزٌ، قَدْ أجارَتْ أُختُكِ أبا العاص بن الربيع، فأجازَ ذلكَ محمد.
قالت فاطمة: ذلكَ إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ -! وأبَت ذلك عليه.
فقال: مُرِي أحدَ بَنِيكِ يُجِيرُ بين الناس!
قالت فاطمة: إنهما صَبِيَّان، وليس مِثلُهُما يُجير.
وعند البيهقي: قالت: إنما أنا امرأة، وإنما ذاك إلى رسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
قال: فأمُرِي أحدَ ابنَيْكِ، قالت - ﵂ -: إنما هما صبيَّان ليس مثلهما يُجِير، قال: فكلِّمِي عليًَّا، قالت: أنتَ فكلِّمْهُ، فكلَّمَ عليًَّا الحديث.
وعند البيهقي - أيضًا ـ: ثمَّ خرَجَ أبو سفيان فدخلَ عَلَى عَلِيِّ بنِ أبي طالب وعندَه فاطمةُ بنتُ رسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وعندَهَا حسَنٌ، غلامٌ يدبُّ بين يديها، فقال: يا عليٌّ، إنك أمسُّ القومِ بي رَحِمًَا، وأقربُهُمْ مِنِّي
[ ١٥١ ]
قَرابَةً، وقد جِئتُ في حَاجَةٍ، فلا أرجِعَنَّ كما جِئتُ خَائِبًَا، فاشْفَعْ لي إلى رسُولِ الله - ﷺ -، فقال: ويحك يا أبا سفيان، واللَّهِ لقد عزمَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - على أمر ما نستطيع أن نكلمَه فيه، فالتَفَتَ إلى فاطمة - ﵂ -، فقال: يا بنتَ محمَّدٍ، هل لكِ أن تَأمُرِي بَنِيْكِ هَذَا، فيُجِيرَ بَينَ الناس؛ فيَكُونَ سَيِّدَ العَرَبِ إلى آخر الدهر؟
فقالت فاطمة - ﵂ -: واللَّهِ ما بلغَ بَنِييَّ ذاكَ أنْ يُجيرَ بَينَ الناس، وما يُجيرُ أحدٌ على رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
أقول: يُلحظ أنَّ في رواية ابنِ إسحاق، لم يطلُبْ أبو سفيان من فاطمة أن تشفع، بل أن تأمُرَ ولدَها الحسن - ﵃ -، بخلاف رواية الواقدي، وموسى بن عُقبة، ومِقْسَم، وعكرمة
_________________
(١) واللَّهُ أعلم .
[ ١٥٢ ]