لم تكُن فاطمة - ﵂ - تَعلَمُ
_________________
(١) كما بقية أزواج النبي - ﷺ - عدا عائشة أنَّ النبيَّ - ﷺ - لا يُورث، فجاءت تطلبُ ميراثها من أبي بكر، فأخبرَها بالسُّنَّة في ذلك، فصدَّقت، ولم تُناقشْهُ في ذلك، ولم تَعُدْ تطلب الميراث منه مرةً ثانية. قال الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) - ﵀ -: (ولما توفي أبوها - ﷺ -، تعلَّقَتْ آمالها بميراثه، وجاءتْ تطلب ذلك من أبي بكر الصديق، فحدَّثها: أنه سمعَ من النبيِّ - ﷺ - يقول: «لا نُورَث، ما تركنا، صدقة». فوَجَدَتْ عَليه، ثم تعَلَّلَتْ. ثم ذكر الذهبيُّ مراضاة أبي بكر لها في مرضها - ﵄ -). قال أبو إسماعيل حماد بن إسحاق المالكي (ت ٢٦٧ هـ) - ﵀ -: (فأمَّا ما يحكيه قومٌ أن فاطمة - ﵍ - طلبتْ فدَك، وذكرَتْ أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - أقطعها إيَّاها، وشهِدَ لها عليٌّ - ﵇ -، فلم يقبل أبو بكر - ﵁ - شهادتَه؛ لأنه زوجها؛ فهذا أمرٌ لا أصَلَ لَهُ، ولا تثْبُتْ بِهِ رواية، أنَّها ادَّعَتْ ذلك، وإنما هُوَ أمْرٌ مُفْتَعَل لا ثَبْتَ فيه، وإنِّما طلَبَتْ وادَّعَت الميراث، هي وغيرها من الورثة؛ وكان النظر والدعوى في ذلك،
[ ١٥٥ ]
وقد بيَّنَا ما جاءت به الروايات الصحاح فيه، وإنما طلبتْ هيَ والعباسُ - ﵉ - من فدَك وغيرها، مما خلَّفَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - الميراث، ولمْ تذْكُرْ أنَّ رسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أقطعها إياها، بل كان طلبها من فدَك وغَيرِ فدَك ميراثها).
وقال أيضًا: (ولو كان رسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أقطعَها فدَك، وعَلِمَ بذلك عليٌّ - ﵇ -، وشهِدَ بِهِ كما ذَكَرُوا؛ لأَوْجَبَهَا عَليٌّ - ﵇ - لِوَرَثَةِ فاطمة - ﵍ -، حيثُ وليَ الأمرَ، ولم يظلمْهُمْ حقوقَهُم أن كان قَدْ شهِدَ بذلك عَلى رسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كما زعموا، ولم يسَعَه إلا ذلك، إنْ كان
_________________
(١) كما قالوا شهِدَ بذلك على رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، ولم يكُن عَلِمَهُ أبو بكر فرَدَّ شهادتَه مِن أجل أنَّه زوجُها. وكان يجبُ عليه - ﵇ - حيث وليَ الأمرَ أنْ يُمْضِيَهِ لهم، ويقول: قدْ أشهَدَنِي رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، ورَدَّ أبو بكر شهادَتي مِن أجلِ أني زوجٌ، ولا يسَعُنِي إلا إنفاذَ الحقِّ لأهْلِهِ، كما جعلَهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - لها؛ إذْ علمتُ منهُ مَا لم يكُنْ عَلِمَهُ أبو بكر، فإنَّه لا يحلُّ لمسلمٍ إلا إنفاذَ ما صَحَّ عندَهُ مِن فِعْلِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وأمرِهِ، يقول اللَّهُ - ﷿ -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة النور، آية ٦٣) كمَا عمِلَ أبو بكر - ﵁ - فيما سَمِعَ مِن رسولِ اللهِ
[ ١٥٦ ]
- ﷺ - من قوله: «إنَّا لا نُورَث»؛ وكذلك إمضاؤه أمرَ قَسْمِ الخُمُسِ وغَيرِهِ، على ما رأى مِن فِعْلِهِ - ﷺ -، ثمَّ لا يستَوحِشُ مِن ذلك ولا يُشاوِرُ فيه أحدًَا كما كان يفعلُ في غيره، مما لم يسمَعْ فيه منه شيئًَا، فيجمَعُ له أصحابَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - عمرُ بعده.
ومَنْ قال بهذا القولِ يَلزمُهُ الطعنُ عَلى عَلِيٍّ - ﵇ - أكثرَ مما يلزمُه مِن الطعنِ عَلى أبي بكر! إذْ كان يزعُمُ أن عليًَّا - ﵇ - لم يُنفِذْ أمْرَ رسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الذي قدْ عَلِمَهُ، وشَهِدَ بِهِ، وأجازَ ما كانَ ظُلمًا عندَه، ولم يُغيِّرْهُ، وزعَمُوا أنَّ أبا بكر لم يكُنْ عَلِمَ بذلك، وإنَّمَا شهِدَ بِهِ عندَهُ الزوجُ، فلَمْ يُجِزْ شهادَتَهُ، وطَعْنُهِمْ عَلى عَلِيٍّ - ﵇ - في هذَا أكثَرُ؛ وقَدْ خَلَّفَتْ - ﵍ - من الوَلَد: الحسنَ، والحُسين، وزينبَ، وأمَّ كلثوم - ﵈ -، فتزوجَ عبدُالله بنُ جعفر بزينب، وولَدَتْ لَه أولادًَا، وتزوَّجَ عُمَرُ بأم كلثوم، وولدَتْ له زيْدًَا ورُقَيَّة ابنَي عُمَر، فكان يجبُ عَلى عَلِيٍّ - ﵇ - تسلِيمَ فَدَكٍ إلى ولَدِهَا، وكانَ لِعُمَرَ - ﵁ - الحظُّ الوَافر في ذلك، وهُو حَقُّ زوجتِهِ أمِّ كُلثومٍ، ثمَّ لزيدٍ ابنِهِ منها ولَدٌ). انتهى.
[ ١٥٧ ]