لا إشكال أنَّ فاطمة - ﵂ - دُفنت في المقبرة في بقيع الغَرْقَد، ولايصح أنها دُفِنت في بيتها، هذا هو المعتمد عند المؤرِّخين، وقد رَدُّوا على مَن ادَّعى أن قبرَها في بيتها، أو أمامَ مصلَّى الإمامِ في الروضة الشريفة، وهي
[ ١٦٨ ]
أقوالٌ واهِيةٌ جِدًَّا.
وأيضًا لا يصحُّ أن قبرَها أُخفِي عن الصحابة
_________________
(١) كما تدعيه الإمامية ـ، وقد وردَتْ آثارٌ كثيرة - على ضَعفِها وانقطاعِها - تُثبِتُ أنها في مقبرة البقيع، قريبًا من زاوية دار عُقيل، ومُواجِه دار نُبيه. وهذه الدُّورُ والمَواضع كلُّها قد زالَتْ، ودخلَتْ في التوسعة واللَّهُ أعلم . ولا يكادُ أحَدٌ الآنَ يَعلَمُ قبرًَا مُعَيَّنًَا من القُبور التي ذُكرَتْ في عدد من النصوص ذكرتُها بالتفصيل في كتابي الأصل . فالقبورُ تتغيَّر معالِمُها، وتندثرُ تمامًا مع تعاقب القرون فكيف بتعاقب قرون طويلة تصل إلى خمسة عشر قرنًا، وفي التاريخ ما يدُلُّ على تعاقب الدفن في البقيع - في نهاية القرن الأول - في موضع واحد دون معرفة بالسابق. ولم يكن على قبرها ولا قبرِ أحَدٍ من المسلمين تَجصيصٌ، ولا قُبَّةٌ، ولا بناءٌ؛ لنهي النَّبيِّ - ﷺ - عن ذلك، وإنما حدَثَ البناءُ على القبور في مكة والمدينة، وغيرِها، في زمن العُبيديين الباطنيين في القرن الخامس الهجري، ولقي استحسانًا من الصوفية! ! قال السمهودي (ت ٩١١ هـ) - ﵀ -: (وإنما أوجب عدمَ العِلْم بعين قبر فاطمة - ﵂ - وغيرها من السلف، ما كانوا عليه من عدم البناء على القبور وتجصيصها ..).
[ ١٦٩ ]
ومَن دخل البقيع الآن، وسلَّم على الجميع بما في ذلك الصحابة وآل البيت - ﵃ -؛ كفَاهُ ذلك
_________________
(١) والحمدُ للَّهِ . ومن محاسن الدولة السُّعودية السُّنِّيَّة السَّنِيَّة المباركة حفظها الله وحماها، وأبقاها مَصدَرًَا ومَورِدًَا لأهل السُّنَّةِ والجماعة : أنها هدَمَتْ القِباب البِدعية المبنية على القبور في مكة والمدينة، ومنها: قُبَّةٌ عظيمةٌ جدًَّا بُنيَت في البقيع على قبور يُدَّعى أنها لبعض آل البيت، ومنهم: فاطمة! ! وقد هُدِمَت القباب في البقيع مرَّتين وللَّهِ الحمد وعادَتْ المقبرة كما كانت في عَهْدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وعَهدِ الخلفاء الراشدين، والقرون الثلاثة المفضَّلة. فالحمد للَّهِ على التوحيد، والسُّنَّة، والعقل الرشيد، ونسأل اللَّهَ أن يجزي الدولةَ السعودية خيرًَا كثيرًَا على إحسَانِها في هذه الأمور العقدية، وفي رعاية شؤون الحرمين الشريفين رعايةً فائقةَ الجَودة، مُبهِجَةً مُدهِشَةً زادها اللهُ قوة وعزة ونُصرة للتوحيد والسُّنَّة، ورزَقَها خيرًَا على خَيْر . والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالمين.
[ ١٧٠ ]