مثل ابن فورك.
ونقد المآتريديون على هؤلاء نكات نقدا جادّا قبِله الأتراك السّلاجقة، وانجرّ إلى نزاع دمويّ كانت عاقبته اعتقال بعض العلماء الأشاعرة وفرار بعض منهم إمام الحرمين الجويني الذي صار إلى مكّة المكرّمة. وذكر السبكي وآخرون تفصيل هذه الحادثة التي أشار الفارسيّ إلى جوانب منها بعنوان فتنة نيسابور الشهيرة. ولإشارته أهميّة كبيرة لقربه ممّا جرى ووجوده في عمقه. (^١)
ويقدّم كتاب السياق معلومات أبكارا عن الصراعات المذهبية في القرنين الخامس والسادس، وهي تقفنا على نكات تستلفت الأنظا إلى نزاع الأشاعرة وفرق الحنفية كالكرامية. ويجب القول: انّ المعلومات الواردة في تلخيصي السياق عن أتباع أبي عبيد الله محمّد بن كرّام السجزي المتوفّى سنة ٢٥٥ في أكثر المواضع فريدة، ولا وجودة لا في مصدر آخر. وذكر الفارسيّ أتباع محمد بن كرّام في كتابه كلّه بلفظ (عن أتباع أبي عبد الله). وفرق بين الحاكم وتلامذته بقوله: «أبو عبد الله الحافظ».
ونجد في تلخيصي السياق معلومات طريفة عن محالّ نيسابور أيضا. وكان كتاب السّياق مورد اهتمام العلماء به منذ تأليفه في أواخر ذي القعدة من سنة ٥١٨، فأبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المشهور بابن عساكر المتوفّى سنة ٥٧١ نقل عنه عنه كثيرا في كتابه تاريخ مدينة دمشق وتبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، والسبكي الّذي كان لديه السياق وأحد تلخيصيه نقل عدّة تراجم لعلماء على ما وردت في السياق وقد وردت هذه التراجم في الملحق بالكتاب بعنوان نماذج من النصّ الأصلي واستقى معلومات كثيرة من هذا الكتاب، والذهبيّ أيضا نقل من السياق مطالب كثيرة في آثاره المختلفة مثل تاريخ الإسلام، واستفاد من هذا الكتاب ناس آخرون كياقوت الحمويّ والقفطي. (^٢)
_________________
(١) . See R.Bulliet The Political-Religious History of Nishapur in the Eleventh Century in Islamic Civilzation ٩٥٠ - ١١٥٠،D.S.Richards،ed.(Oxford،١٩٧٣)،pp .٧١ - ٩١.
(٢) . لأهميّة كتاب السياق وتسهيل الاستفادة من فصّه الخطّي أعدّ حبيب جاويش فهرسا للأعلام والأماكن في هذا الكتاب، وطبعه مشفوعا بمقدّمة فان اس ومع أنّه صحّف طائفة من الأسماء كان عمله لازما للانتفاع بالنسخة الخطّيّة للتلخيص الموجود، حتى إنّ ريتشارد فراي طبعه مصوّرا الفائدته الكبيرة. The Histories of Nishapur،ed by Richard N.Frye(Harvard Univesity Press،Cambridgs Massachusett .١٩٦٥) =
[ ١٦ ]
والنظر الدقيق في كتاب السياق يكشف عن واقع يستقطب الأنظار، وهو وجود الأسر العلميّة في هذه المدينة. وهذا ما جعله ريتشارد بوليت في رسالته للدكتوراه، وهي تحقيق تلخيصي السياق والباقي من تاريخ الحاكم بعنوان أعيان نيسابور. (^١) وأهمّ هذه الأسر هي المحميّ والحرشي والبالوي والفارسي والشحامي والفراوي والبحيري والصاعدي والناصحي والإسماعيلي والحسكانى والسادة الحسنيّين والحسنيّين. وعني بوليت بأواصر القربى بين هذه الأسر إضافة إلى تحقيقه الكامل لماضي كلّ منها الذي يجب الرجوع إليه تفصيلا وتكجيلا للمطالب.
ولا معرفة لنا بملخّص هذه المجموعة وجامعها، فسقوط أوّل النّسخة يجعل تعيين التلخيص عسير، فالنسخة مبدوءة بسلسلة سند يحتمل سقوط شيء منها، وهذه هي البداية: «أخبرنا السيّد الجليل أبو عبد الله محمد بن أبي نصر محمّد الفاشاني [بياض في الأصل] نا أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسيّ إجازة بحرف الحاء من الطبقات الثلاث لمن اسمه الحسن.»
وعلى هذا الأساس يمكن تعيين هويّة المؤلّف بالحدس والظنّ فقط. فحاجي خليفة ذكر في كشف الظنون:١/ ٢٨ كتابا عنوانه أخبار العلماء لأبي نصر محمد بن محمد الفاشاني المروزي المتوفّى سنة ٥١٨. وترجم السمعانى للفاشاني في التحبير في المعجم الكبير، لكنّه لم يشير لآثاره، وما قاله فيه هو: «كان إماما مفسّرا مفتيا محدّثا أديبا … وكان كثير المحفوظ.» وجعل وفاته في سابع المحرّم الحرام من ٥٢٩.
وإذا صحّ هذا الظنّ في شأن ملخّص السياق، وثبت أنّ المروزيّ هو ملخّص الأثر الحاضر أمكن إكمال سند بداية الكتاب بما صورته: «أخبرنا السيّد الجليل أبو عبد الله محمد بن أبي نصر محمد الفاشاني [نا أبو نصر محمد بن محمد الفاشاني] نا أبو الحسن عبد الغافر …»
والظاهر أن سعة حجم السياق وكثرة المواضيع غير اللازمة حالتا دون وصول هذا الكتاب إلينا مما دفع بعض العلماء إلى تلخيصه تسهيلا للباحثين والعلماء من المراجعة والاستنساخ. ولدينا الآن تلخيصان للسياق:
_________________
(١) = سياق تاريخ نيسابور (فهرس أسماء الأشخاص والأماكن) تأليف عبد الغافر الفارسيّ، إعداد حبيب جاويش مع مقدمة يوسف فان اس (Wiesbaden .١٩٨٤) .
(٢) . Richard W.Bulliet،The Patriciana of Nishapur.Astudy in Medival lslamic sociac History (Harvard University Press.Cambridge Massachusetts،١٩٧٢) .
[ ١٧ ]
أحدهما ما نصطلح عليه بمختصر السياق وهو ناقص يبدأ بحرف الحاء ممّن اسمه الحسن ولا يعرف الملخّص وبما أنّه مجهول الهوية فقد ظنّ بعض المحقّقين ومن جملتهم محقق التحبير ومحقّق سير أعلام النبلاء أنّه كتاب السياق نفسه خاصة وأنّه بالقياس إلى المنتخب في كثير من التراجم أكثر تفصيلا لكن وعند مراجعة طبقات السبكي في الكثير من الفقرات المنقولة عن السياق مباشرة يتبيّن لنا أنّ السياق هو أكثر تفصيلا من هذا المختصر إضافة إلى أنّ في المنتخب نفسه كلمات وتراجم كثيرة غير موجودة في المختصر.
والآخر منتخب السياق ويمتاز بأنّه اختصار كامل لكتاب السياق، وأنّ الّذي قام باختصاره معروف الشخصيّة وأنّه حاو لعدد أكبر من التراجم إضافة إلى حسن ترتيبه.
ومع هذا فإنّ مختصر السياق يمتاز بأمور تزيد من قيمته التراثيّة ولا يمكن الاستغناء عنها، فهو كتاب أدبي وروائي وتاريخي ورجالي ممّا يعطي الباحث صورة أكثر وضوحا عن الظروف الاجتماعية والحالات الشخصيّة للمترجم طبعا في بعض التراجم بينما المنتخب كتاب رجالي بحت إلاّ ما شذّ وندر من الأقوال والأشعار والروايات.
أمّا أصله الّذي اعتمد عليه وانتخب منه، فلم يشر إليه الصريفيني بقليل ولا كثير سوى إشارة وردت في اواسط الكتاب عند الترجمة ٣٤١ إذ كتب في الهامش: من هنا نقل عن نسخة الصابوني.
مما يشعر بأنه كانت لديه نسختان على الأقل. وقد أضاف المنتخب في أواخر الكثير من التراجم:
(روى عنه أبو الحسن) يعني المصنّف مما يمكن أن تكون إشارة إلى أنّه في الأصل كانت للمصنّف رواية أو روايات عقيب كل ترجمة أسقطها الصريفيني للاختصار. وقد لا يكتفي الصريفيني بذلك بل يبدي رأيه في الموضوع فمثلا في الرقم ٧١٨: قال أبو الحسن [يعني المصنّف] وظنّي أنّه [أي المترجم] أجاز لي وروى [المصنّف] عنه إجازة، ولم يقل [أي المصنّف] إن شاء الله.