الحسن بن علي بن محمد بن إسحاق بن عبد الرحيم بن أحمد أبو علي الدقاق الأستاذ الشهيد، لسان وقته وإمام عصره، لم يفتح على من قبله من بيان شرح الطريقة بالفارسية في مجالس التذكير ما فتح على لسانه لملاحة عبارته وفصاحة لسانه، وصدق حاله ومقاله.
نيسابوري الأصل تعلم العربية والنحو بها أولا، وتبحر في النحو حتى كان ينسب إليه.
حدثنا [عبد الواحد بن عبد الكريم القشيرى] ناصر السنة خالي أبو سعيد يذكر أنّه يقال له:
أبو علي النحوي [ظ] لتبحره فيه.
وحصّل علم الاصول وخرج إلى مرو وتفقّه بها، ودرس الخضري وأعاد على الشيخ أبي بكر القفال المروزي في درس الخضري وبرع فيه.
_________________
(١) . منتخب السياق ٤٨٤، والعبر ومرآة الجنان (وفيات ٤٠٦) وطبقات السبكي الكبرى وتبيين كذب المفتري والشذرات والنجوم الزاهرة وتذكرة الحفّاظ والمنتظم (وفيات ٤١٢) وهكذا البداية والنهاية، الوافي ١٢/ ١٦٥، الكامل لابن الأثير ٩/ ٣٢٦، سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٩٦.
[ ٣ ]
ولما سمع ما كان (^١) يحتاج إليه من العلوم، وزاد عليه حالا ومقالا، خرج إلى الحج، واشتهر ذكره بالري والحجاز [ظ].
وعاد إلى خراسان وأتى عليه زمان وكان الكبار في وقته من [ظ] الرؤوس والرؤساء والأمراء يتبركون ويحضرون مجلسه ويستطيبون أنفاسه ويستملحون كلامه، وكان يقعد أيام الجمع بالغدوات في مسجد أبي بكر المطرز بعد ابن شاذان ويعقد المجلس، وكذلك في بعض الخانات كما كان في الرسم القديم.
ثم بنى المدرسة المعروفة به في سنة اثنتين وسبعين (^٢) على ما عهدناه أولا من عمارته وما أنفق فيها شيئا إلا من الحلال الذي كان يجمعه من أهل الصلاح والمريدين ووقف [ظ] الفقراء الصالحين.
وولدت له البنت المباركة من بنت الصلاح والعفاف المعروف! ببنت أبي الحسن بن قطران.
وكان محتاطا في معيشته من ال .. الصالحين … و… من تلك … من الذكور، فكان [٢ أ] البيت معتدا بها، معنيا بشأنها، حتى نشأت عديمة النظير في وقتها، سمّعها الحديث، وتجشم المشايخ في وقته إلى المدرسة تقرّبا إلى الأستاذ لإسماعها، وسيأتي ذكرها فيما بعد.
وشاع ذكر الأستاذ في الآفاق وكان بمرو عند اختلافه إليها يعقد المجلس، ولكلامه بها صولة وقبول، وكان الغالب عليه صدق الحال وغلبة الوقت، ومن المعروف أنه كان أكثر الأحوال كالغائب عمّا يجري من أمور العادات، وقد تأتي عليه أيام وتجد [د] أمور وما كان له منها خبر، لغلبة الحال عليه.
ثم من لطيف حكاياته: أنّه لمّا كان بنسا وأراد أن يخرج إلى الحج صحبه بعض من خدمه من الصوفية و.. مجلسه، وخرج معه تاركا لبلده وأهل عشرته مختصّا بخدمته إلى أن دخلوا البادية وكان الرجل طول الطريق يخدمه، فاتفق أنّه أضاع-قمه في البادية فوجد هذا الرجل الّذي خرج معه وردها إليه فلمّا نظر الأستاذ إليه دعا له وقال له: من أنت؟ كأنّي لقيتك مرّة!! فصاح الرجل وقال: الغياث منك خدمتك في البلدة مرّة وخرجت معك وتركت الأهل والأقارب والبلد
_________________
(١) . كذا في السبكي وخط الأصل غير واضح لكنه لا يتطابق مع المثبت.
(٢) . كذا وتقدم في ترجمة ابنته فاطمة بأنه بناها سنة إحدى وتسعين فالظاهر أن (سبعين) تصحيف عن (تسعين) و(سنة إحدى) لابتداء البناء و(اثنتين) لانتهائه.
[ ٤ ]
وصحبتك … الطريق وفي البادية وأنت تقول: كأنّي لقيتك مرّة!.
وحكي أنّ بعض الوزراء بنيسابور كان حاضرا، وكان يدخل عليه المشايخ للزيارة وأراد أن يدخل الأستاذ أبو علي فقيل، له: إذا دخل عليك، فينبغي أن تقوم له وتكرمه فإنّه شيخ الوقت، فأبى الوزير أن يقوم وقال: لم تجر العادة للوزراء بالقيام للرعايا، واستمرّ على هذا فحين دخل عليه الأستاذ ووقع بصر الوزير عليه، قام من غير قصد واستقبله خطوات حافيا وأكرمه، فلما خرج من عنده قال أصحاب الوزير: كنا معك في أن تقوم له إذا دخل عليك فتأبى فالآن استقبلته وزدت على ما كنا نسأله منك؟! فقال: لما وقع بصري عليه لم أتمالك أن أقوم وأبصره واستقبلته من غير اختيار منّي، فهيبته [٢ ب] أقامتني إليه.
ومن مبادئ أمره أنه ما كان له شيء من الدنيا ولا يشتغل بشيء منه، فاتفق أنّه مات بعض المياسير وأوصى له بعشرة دراهم فلما جيء بها إليه قال لبعض أصحابه: إيش أصنع بهذه الدراهم فقيل له: إنه ينبغي أن يدفع إلى فلان يتجر فيها فقال: وما الذي يمكن أن يربح على هذا القدر؟ ثم قال: سبحان من لا يعطيني عشرة دراهم إلاّ بأن يموت أحد من عبيده [ظ] فيوصي لي بها.
ثم لما بنيت له المدرسة سمعت أن [ظ] واحدا حضره وأراد أن يقف عليها ضيعة، فأبى الأستاذ القبول فألحّ عليه وكتب قبالة ثم بعد ذلك جاءه وقت الخراج بعض أعوان الديوان وقيل له: ينبغي أن تجيب عن خراج الضيعة فأخرج القبالة ومزّقها ورد الضيعة وقال: ما لنا وللخراج وما لنا وكيل يجيب عنّا وترك [ظ] ذلك.
ولما توفّي-قدس الله روحه بعد أن ولد له الابن إسماعيل وكان في آخر [عمر] هـ وتبجح بذلك، وكانت وفاته في ذي الحجة سنة خمس وأربع مئة (^١) -رأى الصالحون والكبار له وفي حقّه كثيرا من الرؤيا الحسنة المبشرة وذكروا ذلك.
ولمّا كان الرجل مأخوذا عن أحواله وعن مراسم الترتيب لم يتفرغ إلى سماع كثير من الحديث والاشتغال بالرواية، والّذي نقل عنه أنّه سمع صحيح البخاري-كلّه أو بعضه والله أعلم-من أبي علي الشبوي بمرو، ومن أبي الهيثم محمد بن المكي الكشميهني جميعا نازلا، وسمع منه الإمام زين
_________________
(١) . ن: أربع وخمس مئة، وقال في ترجمة عبد الخالق بن علي تحت الرقم ٢٠٣٣؛ توفي يوم الأحد لثمان بقين من ذي الحجة سنة خمس وأربع مئة قريبا من وفاة الأستاذ أبي علي الدقاق.
[ ٥ ]
الإسلام والحرة الجدّة [فاطمة] ﵂ من ذلك ورويا عنه، وسمع من أبي عمرو بن حمدان بنيسابور وطبقته.