ومنهم الحسن بن أحمد بن محمد أبو محمد السمرقندي الامام الحافظ عديم النظير في حفظه ولزومه طريقة السلف في سيرته ومعيشته، تارك لأنواع التكلّف في المطعوم والملبوس والمفروش، مشتغل بالاستفادة والإفادة.
دخل نيسابور قديما قبل الثلاثين وأربع مئة، وسمع مشايخ عصره، ثم خرج إلى سمرقند، وأتى بوالدته وعاد إلى نيسابور واستوطنها إلى آخر عمره [٧ أ].
سمع ببلدته من أهل سمرقند وبخارا، وأكثر عن الامام أبي العباس المستغفري، وقرأ بنيسابور على المشايخ مع أنه كان غفل القراءة كثيرا، وقرأ صحيح مسلم على الشيخ أبي الحسين عبد الغافر
_________________
(١) . منتخب السياق ٥٣٣، الاستدراك لابن نقطة.
(٢) . منتخب السياق ٥٣٤، تذكرة الحفاظ ١٠٤٧، سير أعلام النبلاء ١٩/ ٢٠٥:١٢٥، الشذرات ٣/ ٣٩٤، الرسالة المستطرفة ١٢٥.
[ ٢١ ]
أكثر من ثلاثين مرة غرة [ظ] وعشاء، وخرّج على المشايخ الفوائد والأمالي، وكان بالغا في الحفظ وتصنيف الأبواب.
وروى الكثير من تفاريق الغرائب والأحاديث التي حصّلها وجمعها.
وكان سلس الخلق ينفق ما يبدو له من الارزاق [ظ] على الطلبة، ويعينهم على التحصيل ويحثهم على الطاع (^١)، ونصب للقعود في المدرسة النظامية وأقام رسم التحديث فيها، فكان يحضرها كل يوم من وقت الظهر الى وقت العصر، وفي حضوره فوائد ونشر للحديث.
وصنف كتابا سماه بحر الاسانيد، بلغ كما سمعت ثماني مئة جزء بخطه المقرمط، أتى فيها بطرف الاحاديث على اختلافها وتبين وجوهها ورواياتها، وهي الآن في خزانة الكتب مع [ظ] ساير أجزائه.
وكانت حجرته التي يسكنها مملوة بالأجزاء وهو قاعد وسطها لا يكبسها [كذا] لا يحمل ثياب الشتاء في الصيف ولا ثياب الصيف في الشتاء، فيلبد البعض على بعض ولا يراعي شيئا من التكلف في المعيشة، على ذلك زجى عمره الى آخر الأمر.
حدّث عن أبي حفص [ابن مسرور، و] الكنجروذي (^٢)، والشيخ أبي الحسين عبد الغافر، وشيخ الاسلام الصابوني، والأستاذ أبي عبد الرحمان السلمي، والشاذياخي، وقاضي الحرمين، والصاعدية، والمشايخ البحيرية، والطبقة من المعروفين وأصحاب الروايا [ت].
وكان يحضر مجلس إملاء زين الاسلام أبي القاسم، وكنا عهدناه فيه والامام يطالعه بالأحاديث قبل الاملاء.
وسمع منه الخلق الكثير من البلديين والغرباء، وروى لنا كتاب بحر الفوائد للكلاباذي عن ابن حبناج! عنه، وسمعنا منه التفاريق.
ومضى الى رحمة الله تعالى ضحوة يوم الثلاثاء التاسع من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، وصلّينا عليه في الجامع المنيعي، ودفن في مقبرة الحسين، وذكر أن مولده سنة تسع وأربع مئة.
ولما توفي [٧ ب] ذكر فيه المعارف المراثي وتوجّعوا له، وعرفوا حقّ فضله بعد فقده، فقد كان
_________________
(١) . كذا، ولعل الصواب: السماع.
(٢) . وفي النسخة: أبي جعفر الكنجروذي وهو غلط والصواب ما اثبتناه كما هو في م وتذكرة الحفاظ.
[ ٢٢ ]
يراجع في الأسانيد والرجال والأحاديث، فيشفي في الجواب، ويدلّ على الصواب، فممّا أنشأته في مرثيته:
سقى الله ما بين المقابر روضة … لقد حلّها بحر الأحاديث والسنن
فقد كان يجلو المشكلات بحلّها … كما السيف تجلوه الصقال من الدرن
ويلقى بوجه ضاحك كلّ طالب … فيرشده رفقا إلى أقرب السنن
إذا ذكر الحفاظ سادة عصرنا … فمن كالسمرقندي حافظها الحسن
فجعنا به يا ليت شعري فمن لنا … إذا عنّ إشكال يحلّ ومن ومن
عليه صلاة الله منّا تحية … ورحمته ما ناح طير على فنن
وأنشدنا الشيخ أبو محمد الحسن بن أحمد السمرقندي، أنشدنا إسماعيل بن أحمد الشاشي، أنشدنا حمزة بن غاضرة الأسدي البغدادي للصابي:
لمّا وضعت [ظ] صحيفتي … في بطن كفّ رسولها
قبّلتها لتنا لها … يمناك عند وصولها
ويؤدّ عني انها اق … تربت ببعض فصولها
حتى ترى من وجهك ال … ميمون غاية سؤلها