الأمر الأول: الوقوف على المعلومات الجامدة، التي تُساق لأي مُتَرْجَم، وإِن تفاوت المترجِمون فيها، كُلٌ حسب ما وهبه الله له. ومما يحسن ذكره هنا:
١ - أن سياق نسبه ثمانية آباء هي من سياق تلميذه ابن عبد الهادي دون غيره.
٢ - نسبته النميري من إفادات تلميذ تلامذته ابن ناصر الدِّين (٨٤٢)، وتابعه عليها العدوي في: "الزيارات"، بل هذه النسبة منصوص عليها في بعض رسائل الشيخ المخطوطة على طرر النسخ وقد ذكر الشيخ ابن قاسم في مقدمة "النقض" رسالتين رآهما في الظاهرية كذلك ص ٣٥ حاشية ١، وهي نسبة إلى بني نمير، وهم بطن من عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن العدنانية، وذكر القلقشندي في "نهاية الأرب. ص/ ٤٣٣" نقلًا عن ابن خلدون: أن منازل بني نمير في الجزيرة الفراتية والشام، فشيخ الإسلام إذًا عربي صريح نسبًا ولسانًا.
٣ - و"تيمية" لقب لجده محمد، وهو الخامس من آبائه، وفي تعليلها قولان مشهوران، وكان -رحمه الله تعالى- يستفتح بعض رسائله بقوله: "من أحمد بن تيمية"، ويذيل بعضها بقوله: "كتبه ابن تيمية" واشتهر بها دون أَهل بيته، وفي الشعر قول العباس بن الأحنف:
كنت مثل الكتاب أخفاه طي فاستدلوا عليه بالعنوان
٤ - و"الحراني" نسبة إلى بلدة مشهورة في الجزيرة بين الشام
[ ١٦ ]
والعراق، ليست هي التي بقرب دمشق ولا التي في تركيا، ولا التي بقرب حلب.
٥ - ونَعْتُهُ -رحمه الله تعالى-: كان أبيض البشرة، أسود الرأس واللحية قليل شيب اللحية، شعر رأسه إلى شحمة أُذنيه، رَبْعَة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، أبيض العينين، جَهْوَرِيَّ الصوت، فصيحًا، سريع القراءة، تعتريه حدة ثم يقهرها بحلم وصفح، كأَنّ عينيه لسانان ناطقان، إِذا أَخذ يتكلم ازدحمت العبارة في فمه.
٦ - لم يرِث العلم عن كَلَالَةٍ، وإِنّما نشأَ في بيت برز أهله في حلائب العلم، منهم أَبوه الشهاب وجده المجد.
ويكفي في وصف جَدِّه قول ابن مالك النحوي صاحب الألفية -رحمه الله تعالى-: "أُلِيْنَ للمجد الفقه كما أُلين لداود الحديد". وأما أبوه الشهاب فهو شيخ حران وحاكمها وخطيبها ومفتيها الفارق بين الفرق فيها.
٧ - والدته: الشيخة الصالحة ست النِّعم بنت عبد الرحمن بن علي ابن عبدوس الحرّانية المتوفاة بدمشق سنة ٧١٦. وقد ولد لها تسعة ذكور، ولم تُرزق بنتًا قطّ، منهم ثلاثة أَشقّاء شيخ الإسلام وهو أَكبرهم، وزين الدِّين عبد الرحمن، وشرف الدِّين عبد الله، ومن إخوته لأُمِّه بدر الدِّين قاسم بن محمد بن خالد المتوفى بدمشق سنة ٧١٧.
٨ - تفرع آل تيمية إلى دوحتين: آل عبد الله، وآل محمد، وشيخ الإسلام من آل عبد الله، وقد أحصيت مُشَجَّرَهم في: "المدخل
[ ١٧ ]
المفصّل ١/ ٥٣٢ - ٥٣٦" وبينت وجود آل تيمية إِلى أَواخر القرن الثالث عشر الهجري.
٩ - تُجْمِع التراجم على أَن الشيخ هاجر مع والده وأَهل بيته من حران إِلى دمشق أَثناء سنة ٦٦٧ والشيخ في السابعة من عمره، وذلك بسبب جور التتار.
١٠ - نشأ -رحمه الله تعالى- في تصوُّن تام وعفاف وتألُّه واقتصاد في المأكل والملبس، بَرًّا بوالديه تقيًّا ورعًا عابدًا ناسكًا صَوَّامًا قَوَّامًا.
١١ - أَخذ عن أَكثر من مائتي شيخ، كلهم دماشقة، وجُلُّهم حنابلة، وكان أَول سماعه من ابن عبد الدايم بدمشق، وهو في السابعة من عمره، ومجموع من سُمي منهم ستة وثلاثون شيخًا -فيما وقع لي-.
١٢ - أَوائل في حياته تدل على النبوغ المبكر:
* حفظ القرآن وهو في الصِّغر، في سِنِّ تعلم الخط والحساب وهو في الكتاب.
* أَتقن العلوم من التفسير والحديث والفقه والأُصول والعربية والتاريخ والجبر والمقابلة والمنطق والهيئة وعلم أَهل الكتابين، والملل الأُخرى، وعلم أَهل البدع، وغيرها في سِنٍّ مُبَكِّر، حتى أَنّه حذق العربية في أَيام، وفهم كتاب سيبويه في أَيام، وفي الحديث سَمِع "المسند" مرات وما ضُبطت عليه لحنة متفق عليها، وكان إِقباله على التفسير إِقبالًا كليًّا منقطع النظير.
[ ١٨ ]
وحقًّا إن التسلح بالعلم هو كما قال الباجي -رحمه الله تعالى- في وصيته لولديه: "والعلم ولاية لا يُعزل صاحبها، ولا يَعرى من جمالها لابسها".
* نَاظَرَ واستدل وهو دون البلوغ.
* أَفتى في سن السابعة عشرة من عمره أَي سنة ٦٧٧.
* دَرَّس في الحادية والعشرين من عمره أَي سنة ٦٨١ بعد موت أَبيه في المدرسة السكرية، وتولى مشيختها يوم الاثنين ٢/ محرم/ ٦٨٣.
* بدأ درس التفسير بالجامع الأموي في ١٠/ صفر/ ٦٩١ أَي وهو ابن ثلاثين سنة، واستمر سنين طويلة.
* حَجَّ مرة واحدة سنة ٦٩٢ أَي وعمره ٣١ سنة، وبعد عودته من الحجِّ آلت إِليه الإمامة في العلم والدِّين.
* نشر العلم في: دمشق، ومصر: في القاهرة، والإِسكندرية، وفي سجونها، وفي طريقه إلى مصر مَرَّ بغَزَّة، وعقد في جامعها مجلسًا علميًّا عظيمًا، فكان يومًا مشهَودًا.
* درس بالمدرسة الحنبلية في يوم الأربعاء ١٧/ شعبان/ ٦٩٥.
* أول رحلاته إلى مصر في القاهرة والإسكندرية مرتان سنة ٧٠٠، ثم عاد إلى دمشق، ثم رجع إلى مصر سنة ٧٠٥، وكانت إقامته بها نحو سبع سنين وسبع جمع، أي إلى سنة ٧١٢ متنقلًا في جلها بين سجون القاهرة والإسكندرية.
[ ١٩ ]
* بدأ في التأليف وهو ابن سبع عشرة سنة.
وهكذا من البدايات المبكرة، الدالة على نبوغه وتأهُّله للاجتهاد والتجديد والإمامة في العلم والدين.