في كتاب القدر من "صحيح مسلم" أن النبي -ﷺ- قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن".
ومن نظر في ترجمة شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وجد أن الله -سبحانه- قد منحه أسباب القوة التي تُبْنَى عليها قُبَّةُ النصر وهي:
- الثبات، واللهج بذكر الله -تعالى-، وطاعة الله وطاعة رسوله -ﷺ- والاتفاق مع أنصار الإسلام والسنة، والصبر، وقد قال الله - تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦].
ومن مظاهر القوة في شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:
- ما رزقه الله من قوة البدن واعتداله، وقوة الأداء في صوته، فقد كان جَهْوريًّا، يستولي على قلوب سامعيه، وكان الناس يتعجبون من تأثير تكبيره في الصلاة على سامعيه كما ذكره تلميذه البزار في: "الأعلام العلية"، وكان يؤم الناس لصلاة التراويح فَيَعْلُوه عند القراءة خشوع ورِقَّة حاشية تأخذ بمجامع القلوب كما قاله تلميذه ابن الوردي في: "تتمة المختصر" وقال تلميذه الذهبي: "ويصلي
[ ٢٠ ]
بالناس صلاة لا يكون أطول من ركوعها وسجودها" انتهى من: "الذيل" لابن رجب.
- قوة الحفظ فقد بَهَرَ الفضلاء بذلك، وقَلَّما حفظ شيئًا فنسيه، وقد كان يحفظ "المحلى" لابن حزم ويستظهره، وكان أول محفوظاته في الحديث: "الجمع بين الصحيحين" للحميدي، وقَلَّ من يحفظ ما يحفظه من الحديث معزوًّا، مع شدة استحضاره له وقت الحاجة إلى الدليل. قال جمال الدين السُّرمري في "أماليه": "ومن عجائب ما وقع في الحفظ من أهل زماننا: أن ابن تيمية كان يمرُّ بالكتاب مطالعةً مرةً فينتقش في ذهنه وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه" كما في "الدرر الكامنة" لابن حجر.
- قوته في فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وسرعة إِدراكه؛ ولهذا قيل عنه: "كأن عَيْنيه لسانان ناطقان".
- تواريخ لها مدلولاتها على قوته ونبوغه المبكر.
* ناظر وهو دون البلوغ، وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، فيتكلم ويناظر ويُفْحِم الكبار ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا انقطع معه.
* أفتى في سن السابعة عشرة من عمره، أي سنة ٦٧٧، وكان الشرف أحمد بن نعمة المقدسي الحنبلي المتوفى سنة ٦٩٤ هو الذي أذن له بالفتيا وكان يفتخر بذلك.
* بدأ التأليف وهو في سن السابعة عشرة من عمره أي سنة ٦٧٧.
[ ٢١ ]
* دَرَّس وهو في الحادية والعشرين من عمره، أي سنة ٦٨١. وكان أول دروسه بعد وفاة أبيه في مدرسة الحديث السكرية، وتولى مشيختها في يوم الاثنين ٢/ محرم/ ٦٨٣.
* بدأ درس التفسير في ١٠/ صفر/ ٦٩١ أي وعمره ثلاثون سنة، واستمر مدة سنين متطاولة وقد انعقدت له الإمامة في التفسير وعلوم القرآن الكريم، وقد أَقبل عليه إِقبالًا كليًّا حتى حاز فيه قصب السبق، ويقال: إنه وضع تفسيرًا مطولًا أتى فيه بالغريب العجيب.
- قوته في الطلب والتلقي والأخذ عن الشيوخ، حتى دار في دمشق على أكثر من مائتي شيخ.
- قوته في البحث والقراءة والمطالعة، فلا تكاد نفسه تشبع من العلم، ولا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكل من البحث.
- قوته في ضبط النفس والسيطرة عليها من ملاذ الدنيا، فلا لذة له أكبر من نشر العلم وتدوينه والعمل به، والدعوة إلى إقامة دين الله والوقوف أمام المفسدين في الأرض على اختلاف انحرافاتهم وفسقهم وفجورهم.
ولهذه القوة العلمية والعملية عند شيخ الإسلام مظاهر:
* رفضه للأُعطيات.
* قناعته بما له من المعلوم الذي يسدُّ حاجته على يد أخيه الشرف، وهو القائم بشؤونه ومصالحه.
[ ٢٢ ]
ما تزوج ولا تسرَّى قط لا رغبة عن هذه السنة، ولكنه مثقل الظهر بهموم العلم والدعوة والجهاد.
- قوته في مواقفه الجهادية، والمغازي الإسلامية، وكسر شوكة الملاحدة والباطنية، كما في وقعة شقحب- قرية قبلة دمشق ٣٧ كيلًا، والكسروان، وموقفه مع "قازان"، حتى وصفت شجاعته بأنّها "خالدية".
- قوته في حياته الجادة التي لا تعرف الهزل، فضلًا عن سافل الأخلاق من الغيبة والنميمة، فقد كان -رحمه الله تعالى- في غاية التنزه عنها، وما عرفت له عشرة في شيء من ذلك، وكانت مجالسه عامرة بالخير لا يجرؤ المغتابون على غشيانها.
- قوته في مواقفه مع الولاة، في النصح والأمر والنهي.
- قوته في تعبده، وتألهه، ومداومة الذكر، والأوراد، لا يشغله عن هذا شاغل ولا يصرفه صارف.
فأين من يظهر القوة في الحق وإذا حضرت العبادات تثاقلت أعضاؤه، وأصيب بالخمول، على حد ما ذكره الإِمام الشافعي -﵀ تعالي- من العجائب التي شهدها وَعَدَّ منها: أنه رأى مغنيًا بالمدينة يُعَلِّم الجواري الغناء وعمره "٩٠" عامًا وهو قائم فإذا حضر وقت الصلاة، صلى وهو جالس -نعوذ بالله من الحرمان-.
- قوته في تفجير دلالات النصوص، وشق الأنهار منها، واستخراج كنوزها، وهذه وحدها تعطي طالب العلم دفعة إِلى إدامة النظر في كتبه وقراءتها مرة بعد أخرى.
[ ٢٣ ]
-قوته في التأليف: بدأ -رحمه الله تعالى- التأليف وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان من أفراد الدهر في كثرة تآليفه، فلا يُعْلم في الإِسلام من صنَّف نحو ما صنف ولا قريبًا منه إلا أفرادًا قليلين، وقد قدرت مؤلفاته بخمسمائة مجلد، وبأربعة آلاف كراس أو أكثر، وقد بلغ ما يكتبه في اليوم والليلة أربع كراريس وكان يكتب جُلَّ مؤلفاته من حفظه، وكان ذا قلم سريع الكتابة إذا رقم "يكاد يسابق البرق إذا لمع" لكن كان خطه في غاية التعليق والإِغلاق. وكانت مؤلفاته في غاية الإبداع وقوة الحجاج وحسن التصنيف والترتيب، غير مشوبة بكَدَرٍ، بل خالصة من الشَّبه والشُّبه، وكثير منها لم يبيض له نسخَة أخرى، وله في غير مسألة مصنف مفردٌ أو أكثر.
ومن مؤلفاته ما ألفه في قَعْدة، مثل: "الحموية" ألفها بين الظهرين سنة ٦٩٨ وعمره سبع وثلاثون سنة، وألَّف لأهل الآفاق عدة كتب، تَلْبيةً لطلبهم، منها: لأهل واسط: العقيدة الواسطية، والحموية لأهل حماة، والمراكشية لأهل مراكش، والتدمرية لأهل تدمر، وهكذا.
وأَلَّف بعض كتبه وهو في السجن، منها: في السجن بمصر: "الرد على البكري"، وألَّف "منهاج السنة النبوية" وهو في مصر، وأَلَّف ما لا يُحصى في السجن بالقلعة بدمشق، منها "الرد على الإخنائي".
وقد جرت له بسبب بعض مؤلفاته وفتاويه محن من السجن، والنيل من العرض بغير حق، كما جرى له بسبب "الحموية"، و"الواسطية"، وبسبب فتواه في الطلاق بالثلاث، وبالحلف بالطلاق،
[ ٢٤ ]
وفتوى الزيارة وشد الرحال، وغيرها.
هذا مع ما "حصل له في بعض سَجَنَاته من منع الدواة والقلم، وإِخراج ما عنده من الكتب والورق.
والحاصل أن شيخ الإسلام قد جمع بين الحسنيين: القوة العلمية والقوة العملية فصار له بذلك قدم صدق في الإسلام وانتفعت به الأمة في حياته وبعد مماته وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وكأن ابن القيم -رحمه الله تعالى- لما تكلم عن فضل اجتماع هاتين القوتين في كتاب: "طريق الهجرتين ص ٢٣٣" قصد شيخ الإِسلام فقال: "فمن الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه، ويكون ضعيفًا في القوة العملية يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف، وفارقهم في العلم، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم والمعصوم من عصمه الله ولا قوة إلا بالله، ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية، وتكون أغلب القوتين عليه، وتقتضي هذه القوة السير والسلوك والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، والجد والتشمير في العمل، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد والانحرافات في الأعمال والأقوال والمقامات، كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات، فداء هذا من جهله، وداء الأول من فساد إرادته وضعف عقله، وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم؛ بل على طريق الذوق والوجد والعادة فمن كانت
[ ٢٥ ]
له هاتان القوتان: استقام له سيره إلى الله ورجي له النفوذ، وقوي على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته، فإن القواطع كثيرة، شأنها شأن شديد، لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد، ولولا القواطع والآفات لكان الطريق معمورة بالسالكين، ولو شاء الله لأزالها وذهب بها، ولكن الله يفعل ما يريد، والوقت كما قيل سيف فإن قطعته وإلا قطعك.
فإذا كان السير ضعيفًا، والهمة ضعيفة، والعلم بالطريق ضعيفًا، والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة، فإنه جهد البلاء ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء، إلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب، فيأخذ بيده ويخلصه من أيدي القواطع والله ولي التوفيق" انتهى.