أَلَّف -رحمه الله تعالى- بعضها في دمشق، وبعضها في مصر، وبعضها في السجن فيهما، وكان أكثر سَجْنَةٍ أَلَّف فيها هي السَّجْنَةُ الأخيرة التي توفي فيها بدمشق.
وقد وعد تلميذه ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في بيان ذلك فقال في: "العقود الدرية: ص/ ٤٧" بعد سَرْد مؤلفاته: "وله من الأجوبة والقواعد شيء كثير غير ما تقدّم ذكره، يشق ضبطه وإِحصاؤه، ويعسر حصره واستقصاؤه. وسأَجتهد -إِن شاء الله- في ضبطها ما يمكنني من ضبط مؤلفاته في موضع آخر غير هذا، وأُبين ما صنفه منها بمصر، وما أَلَّفه منها بدمشق وما جمعه وهو في السجن، وأُرتبه ترتيبًا حَسَنًا غير هذا الترتيب بعون الله تعالى وقوته ومشيئته" انتهى.
ولعل الأُمنية لم تتحقق لهذا التلميذ البار؛ إِذ عاجلته المنية
[ ٧٤ ]
وهو في الأربعين من عمره فتوفي سنة ٧٤٤ - رحمه الله تعالى- وكانت ولادته سنة ٧٠٥.
وهذه إِشارة إِلى بعض من ذلك وهو في السجن:
قال الحافظ ابن رجب في: "الذيل: ٢/ ٤٠٣":
"ولنذكر نبذة من أَسماء أعيان المصنفات الكبار: "كتاب الإِيمان" مجلد. كتاب "الاستقامة" مجلدان. "جواب الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية" في ستة مجلدات كبار. كتاب "المحنة المصرية" مجلدان. "المسائل الإسكندرانية" مجلدان. "الفتاوى المصرية" سبع مجلدات. وكل هذه التصانيف ما عدا كتاب الإيمان كتبه وهو بمصر في مدة سبع سنين، صنفها وهو في السجن. وكتب معها أَكثر من مائة لَفَّةِ ورق أيضًا" انتهى.
وفي السَّجْنة الثالثة بمصر ألَّف كتابه: "الرد على البكري" وفي "السَّجْنة السابعة بدمشق ألّف كتابه: "الرد على الإخنائي". وفي أذيال السَّجْنة الأولى ألَّف كتابه: "الصارم المسلول".
قال الحافظ ابن عبد الهادي في: "العقود الدرية: ص/ ٢١" عن أَبي عبد اللّه بن رُشَيِّق: "ثم لما حُبسَ في آخر عمره كتبت له أَن يكتب على جميع القرآن تفسيرًا مرتبًا على السور فكتب يقول: إِنّ القرآن فيه ما هو بيِّن في نفسه، وفيه ما قد بيَّنه المفسِّرون في غير كتاب، ولكن بعض الآيات أَشكل تفسيرها على جماعة من العلماء، فربما يطالع الإنسان عليها عدة كتب ولا يتبين له تفسيرها، وربما كتب المصنف الواحد في آية تفسيرًا، ويفسر غيرها بنظيره، فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل؛ لأنه أهم من غيره، وإِذا تبين
[ ٧٥ ]
معنى آية تبين معنى نظائرها.
وقال: وقد فتح الله عليَّ في هذه المرة من معاني القرآن ومن أُصول العلم بأَشياء كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن. أو نحو هذا.
وأَرسل إِلينا شيئًا يسيرًا مما كتبه من هذا الجنس، وبقي شيء كثير في سَلَّةِ الحكم عند الحكام لَمَّا أَخرجوا كتبه من عنده، وتوفي وهو عندهم إِلى هذا الوقت نحو أَربع عشرة رزمة.
ثم ذكر الشيخ أَبو عبد اللّه ما رآه ووقف عليه من تفسير الشيخ" انتهى.