حسبي من ذكر موارده ما يلفت نظر المشتغل بتحقيق كتبه لمراعاته عند التحقيق وهي:
١ - القرآن الكريم: دَأَبُهُ -رحمه الله تعالى- الاستدلال على الأحكام عقدية أَو فقهية أَو غيرهما بآيات القرآن الكريم، والاستكثار من سياقها، وهو عجيب في انتزاعها، واستجلاء جلائل المعاني منها.
ومما يجدر التنبيه عليه هنا أن القراءة السائدة في بلاد الشام، ومصر، واليمن في عصره هي قراءة أَبي عمرو بن العلاء البصري المتوفى سنة ١٥٤ - رحمه الله تعالى-، لقول ابن الجزري المتوفى سنة ٨٣٣ - رحمه الله تعالى- في: "النهاية في طبقات القراء: ١/ ٢٩٢". فلينظر فإنّه مهم.
وهي الآن السائَدة في السودان والحبشة.
فينبغي عند تحقيق كتبه وبخاصة التي بخطِّه -رحمه الله تعالى- أو التي يقتضيها السياق عدم التصرف في الرسم للآيات التي يستشهد بها؛ حتى تكون على وفق رسم المصاحف السائدة في عصرنا
[ ٦٢ ]
لأهل المشرق حفص عن عاصم، ولأهل المغرب وَرْش وقالون عن نافع، بل تبقى على رسمها الموافق لقراءة من القراآت المتواترة لأهل ذلك القطر.
ومن أمثلة ذلك أن شيخ الإِسلام في كتابه: "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" -قال: "وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ أي: رأى جبريل ﵇ ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِيْن﴾ أي: بمتهم، وفي القراءة الأخرى: ﴿بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ أي: ببخيل " وهنا لا بد من رسم القراءة الأولى بالظاء المشالة؛ لأنها قراءة أبي عمرو وغيره السائدة في بلاد الشام آنذاك، ورسم القراءة الأخرى يكون بالضاد وإلا لم يظهر الفرق بين القراءتين!!.
وقد جاء في بعض طبعات الكتاب رسم القراءتين برسم واحد؟! ولكنها على الصواب في طبعة ابن قاسم -﵀- المدرجة في "مجموع الفتاوى: ١٠/ ٢٧٤"، وطبعة ابن مانع -﵀- المدرجة في "مجموعة التوحيد: ص/ ٧٨٧".
وكان الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- أَشار إِلى مثل ذلك في مقدمة تحقيقه لكتاب: "الرسالة" للشافعي -رحمه الله تعالى- ص ١٤/ حاشية ٤، فله -رحمه الله تعالى- فضل التنبيه عليه، وإن كان يعسر القيام به.
٢ - الحديث الشريف: كشأنه في الاستدلال بآيات القرآن، لكن مع خبرته التامة بكتب الحديث صحاحًا وسُننًا ومعاجم ومسانيد وأَجزاء وغيرها، فإِنّ سياقه للسنن يكون في الكثير الغالب عن عُمد كتب السنة ومشاهيرها ليس كمن يتلقف غرائب الروايات من
[ ٦٣ ]
مكان بعيد ويهجر الصحيح من مكان قريب.
وينبغي لمن يعاني تحقيق شيء من كتبه الالتفات إِلى ما يأتي:
أ- أمر معلوم تعدد روايات كتب الحديث؛ ولهذا تعدد كثير من أَلفاظها، كما في كتب اختلاف الموطآت وغيرها، وأَن عددًا من كتب الحديث المطبوعة الآن هي من رواية واحدة فحسب، كسنن أَبي داود فإِنّ النسخة المطبوعة هي على رواية اللؤلؤي مع أَن رواية ابن داسَّة كانت مشهورة متداولة في عصر شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-.
ب- أَن شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- قد يسوق الحديث بالمعنى.
لهذين الأمرين فإِنّ بعض من يشتغل بتحقيق أيٍّ من كتبه يجد الاختلاف في لفظ الحديث بين ما هو في المخطوط وبين ما في يده من كتب الحديث المطبوعة فيعدل النص في أصل الكتاب؟! وهذا تصرف غير مقبول، والمسلك الصحيح إِثبات النص كما وجده، والتنبيه على ما لديه في الحاشية.
٣ - كتب العلم:
شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وإن كان يملي أكثر تصانيفه من حفظه، ويؤلف الكتاب في قعدة واحدة، أو في ليلة واحدة، وكثير منها صنفه في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب، فإِنّه -رحمه الله تعالى- يحيط خُبرًا بكتب أهل العلم إحاطة عظيمة.
[ ٦٤ ]
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في ترجمة شيخ الإِسلام من: "الذيل: ٢/ ٣٨٧": "وقد أَمَدَّه الله بكثرة الكتب". ووصفه عامة مترجميه بأنه قرأ بنفسه كثيرًا من الكتب ونسخ الطِّباق والأثبات. وقال ابن رجب في ترجمة ابن الجوزي في: "الذيل: ١/ ٤١٥": إن شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- قال: "له مصنفات في أمور كثيرة حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف ورأيت بعد ذلك ما لم أره". انتهى.
وقال -رحمه الله تعالى- في: "الفتاوى: ٦/ ٣٩٤": "وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث ووقفت من ذلك على ما شاء الله من الكتب الكبار والصغار، أكثر من مائة تفسير فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات " انتهى.
وقال تلميذه الصفدي -رحمه الله تعالى- في: "الوافي: ٧/ ١٥ ": "حكى لي من سمعه يقول: إني وقفت على مائة وعشرين تفسيرًا، أستحضر من الجميع الصحيح الذي فيها، أو كما قال" انتهى.
ولذا فهو يعتمد الرجوع إِلى كتب أَهل العلم في المسألة التي يكتب فيها حتى إنه وهو في مصر يطلب إرسال بعض الكتب من مكتبته في دمشق، ففي: "العقود الدرية. ص/ ١٨٨ - ١٨٩" ساق ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- كتاب الشيخ إِلى أَقاربه بدمشق، وفيه ما نصه:
"وقد أرسلت إِليكم كتابًا أطلب ما صنفته في أمر الكنائس، وهي كراريس بخطي قطع النصف البلدي، فترسلون ذلك -إن شاء الله
[ ٦٥ ]
تعالى- وتستعينون على ذلك بالشيخ جمال الدين المزي، فإِنه يُقَلِّب الكتب ويخرج المطلوب. وترسلون أيضًا من تعليق القاضي أَبي يعلى، الذي بخط القاضي أبي الحسين، إن أمكن الجميع، وهو أحد عشر مجلدًا، وإلا فمن أوله مجلدًا أو مجلدين أو ثلاثة، وذكر كتبًا يطلبها منهم" انتهى.
وله هنا مواقف (^١):
١ - أَحيانًا يعتذر عن عدم الوقوف على مصنف فيها.
قال في "الفتاوى: ١٣/ ٤٩": (وأقوال الخوارج إِنما عرفناها من نقل الناس عنهم ولم نقف لهم على كتاب مصنف) انتهى.
٢ - وأَحيانًا يفيد أن للمسألة موارد كثيرة لكن حين كتابتها لم يكن لديه منها شيء. قال في: "الفتاوى: ١٠/ ٧٦٥": (وحين كتبت هذا الجواب لم يكن عندي من الكتب ما يستعان به على الجواب فإِن له موارد واسعة) انتهى.
٣ - وأحيانًا يطالع على الآية الواحدة مائة تفسير، كما في: "العقود الدرية ص/ ٢١".
٤ - وإذا نقل من كتاب ليس لديه منه إِلَّا نسخة واحدة وفي النص اشتباه نَبَّه على ذلك كما قال في المناسك من: "شرح العمدة: ٢/ ٣٤٥" .. "وهو إن لم يكن غلطًا في النسخة فإنّه وهم والله أعلم". انتهى.
_________________
(١) النقول الآتية مستفادة بوساطة مقدمة كتاب: "العقوبات التعزيرية عند ابن تيمية" للشيخ عبد العزيز الضويحي.
[ ٦٦ ]
٥ - وإِذا اختلفت النسخ التي بين يديه بَيَّن ذلك.
ومنه قوله في: "درء تعارض العقل والنقل: ٥/ ١٧٦":
"ولا يكون شيئين مختلفين، وفي نسخة: ولا يُوصف بوصفين مختلفين" انتهى.
٦ - وإذا كانت النسخة التي يرجع إليها متميزة في الصحة أَشار إِلى ذلك.
ومنه قوله في المناسك من: "شرح العمدة: ٢/ ٥٣١": "فإِنِّي نقلت رواية حرب من أَصل متقن قديم من أَصح الأُصول" انتهى.
لهذا فعلى المشتغل بتحقيق كتابٍ ما لشيخ الإِسلام أَو لغيره إِذا كان الكتاب الذي نقل منه ابن تيمية مطبوعًا، والنص المنقول منه يخالف المطبوع فلا يُغَلِّط المطبوع ولا يُغَلِّط شيخ الإِسلام بل عليه أن يثبت نص المخطوط في أصل الكتاب، ويشير إِلى الاختلاف الذي وجده، وإِن كان له رأي بَيَّنَهُ، علمًا أن بعض العلماء قد يتسمح باختصار النقل بما لا يغير المعنى والله أعلم ..