الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فهذه الطبعة الثانية للمشروع المبارك "آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال ١ - ٨" نخرجها بعد مضيّ بضع سنوات على صدور طبعته الأولى، وقد لقي المشروع - بفضل الله تعالى - قبولًا واسعًا وثناءً حميدًا، ونَفِدَت نسخُه في نحو شهر واحد، واشتد الطلب عليه جدًّا، لكن تأنينا في طباعته أَمَلًا في المزيد من التصحيح والتنقيح، وقد حصل ولله الحمد والمنة.
فمما أُضيف إلى "المداخل": (المدخل الثالث: أمثلة من أقواله السائرة)، وبعض الإضافات اليسيرة، وصححنا جملة من الأخطاء المطبعية ونحوها.
أما بقية الكُتب فقد صُحِّحت وروجعت كما هو مشروح في مقدماتها، والحمد لله رب العالمين.
بكر بن عبد الله أبو زيد
١٦/ ٤/ ١٤٢٧ هـ
[ ٤ ]
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى صحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بَعْدُ: فأقول أَنا الفقيرُ إِلى عفو الله/ بكر بن عبد الله أَبو زيد آل غيهب القضاعي، ستر الله عيوبه، وغفر له ذنوبه: لقد بعثني باعث الوفاء لدين الله نشرًا له وذبًّا عنه، على وَصْلِ جهود المصلحين في نشرِ الآثارِ الغَرَّاء لمن أُلقِيَتْ إِليه مقاليد العُلوم الإسلامية والآلية شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وكَفَى باسمه غُنية عن الإشادة بذكره -سَقى الله عَهْدَه- وذلك في إِنشاء هذا المشروع العلمي المبارك: "آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال" أَعظم مُجدِّد للملة الحنيفية بعد القرون المفضلة الزكية، التي تنتهي على رأس المائة الثالثة للهجرة النبوية؛ إِذْ كان سيفًا ماضيًا، وشهابًا ثاقبًا على كل ما يُخالف دين الله وشريعته، فخضد شوكة الوثنية بعد استشرائها، واكتسح الأهواء المضلة كَفِرَقِ سُبَّاب الصحابة بعد انتشارها، ومضى إلى الملل الكفرية كالنصرانية فَدَكَّ عُروشها، وَهَدَمَ بمِعْوَلِ تَبَخُّرِهِ شُبَه المبتدعة وأزالها، وقارع متعصبة المقلدة وإلى الدَليل رَدَّها، وبعد دعوة الأمة إِلى التخلِّي عن هذه العِمايات والتحذير منها، أَخذَ يُشَيِّدُ فيها صَرْح التحفي بأحكام الملة الإسلامية ونشر لوائها.
[ ٥ ]
وإلى ما ذُكِر أَشار تلميذه الحافظ ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "النونية" فقال في وصف شيخه:
وله المقامات الشهيرة في الورى قد قامها لله غير جبان
نصر الإله ودينَه وكتابَه ورسولَه بالسيف والبرهان
أَبدى فضائحهم وبيَّن جهلَهم وأَرى تناقضهم بكل زمان
وأَصارهم والله تحت نوال أَهـ ـل الحق بعد ملابس التيجان
وأَصارهم تحت الحضيض وطالما كانوا هم الأعلام للبلدان
ومن العجائب أَنه بسلاحهم أَرداهمُ تحت الحضيض الدانِ
كانت نواصينا بأيَديهم فَمَا مِنَّا لهم إِلا أَسير عانِ
فغدت نواصيهم بأَيدينا فلا يلقوننا إِلا بحبل أَمان
ولهذا حُكي عن أبي عبد الله محمد بن قوَّام كما في: "الذيل لابن رجب: ٢/ ٣٩٣" مقولته: "ما أسْلَمت معارفُنا إلا على يد ابن تيمية" انتهى. وهذه تصلح سلفًا لما شاع في عصرنا من قولهم: "أسلمة العلوم".
وهذا يذكِّرنا بالمقام المحمود لأبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود -﵁- في حق أخيه في الصحبة والإسلام معاذ بن جبل -﵁- إذ كان في مجلس عُطِّر بذكر معاذ، فقال ابن مسعود: "إنّ معاذًا كان أمة قانتًا لله حنيفًا" فقال بعضهم الآية: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ فقال: "إنّ الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع، وإن معاذًا كان كذلك "كما في "السير: ١/ ٤٥١" للذهبي.
[ ٦ ]